السبت في ١٧ تشرين الثاني ٢٠١٨ ، آخر تحديث : 07:50 م
YouTube Twitter Facebook RSS English French Portuguese
أزمة الاقتصاد التركي: مؤامرة خارجيّة أم مشكلات داخليّة؟
 
 
 
 
 
 
٢٥ اب ٢٠١٨
 
::حسين معلوم::

في محاولاته المستميتة لتبرير التراجع الحاد في سعر صرف الليرة أمام الدولار الأميركي، والذي يدل على الأزمة التي يعانيها الاقتصاد التركي، والهشاشة الهيكلية التي يتّسم بها، لم يتوقف الرئيس رجب طيب أردوغان عند حدود إلقاء اللائمة على الخارج، الأميركي خصوصاً، بوصف ما حدث بأنه: «السعي إلى طعن تركيا في الظهر»، بل حاول أيضاً استثارة العواطف الدينية بقوله: «إذا كانوا يملكون دولارات، فنحن لنا شعبنا، ولدينا الحق، ولنا رحمة الله». إلا أن الواقع يُشير إلى أن الأزمة الحالية ليست وليدة اللحظة، ولا يمكن أن تعود أسبابها إلى مجرد خلافات سياسية مع الولايات المتحدة الأميركية، لكنها واقعياً نتيجة لما اتبعته الإدارة التركية من توجهات، على المستويين السياسي والاقتصادي، في السنوات الأخيرة.


فعلى المستوى الاقتصادي، يبدو أن تركيا تعاني من مشكلة رئيسة، تتمثل في هيكل الاقتصاد التركي نفسه، حيث يُعاني من ارتفاع كبير في حجم الدين الخارجي للقطاع الخاص، وهو ما يمكن أن يؤدي ليس فقط إلى انكشاف عدد من البنوك التي ستحتاج إلى زيادات ليست بالقليلة في رؤوس أموالها، لكن أيضاً إلى احتمال كبير في إفلاس عدد من المصانع، بخاصة في قطاعي المنسوجات والحديد. وبالتالي، فإن تدهور الليرة التركية يأتي نتيجة منطقية لاختلال الموازين الخارجية لتركيا، حيث يدور عجز الميزان التجاري، أي الفارق بين الواردات والصادرات، حول مستوى 85 بليون دولار سنوياً. ومن ثم، فإن نداءات أردوغان للشعب التركي بتحويل ما لديه من عملات أجنبية إلى الليرة التركية لدعمها، تبدو غير مجدية ـ هذا، إن لم نقل: إنها مثيرة للشفقة ـ لأن الأمور لا يمكن أن تجري على هذا النحو، فالفرد، أي فرد، لن يقوم بتحويل ما في حوزته من عملات أجنبية إلى عملته المحلية إلا إذا ضمن استقرار سعرها أولاً للحفاظ على قيمة مدخراته، وذلك من خلال التحول من التعويم الكامل إلى التعويم المُدار، ووضع مدى محدد لحركة العملة صعوداً وهبوطاً. أضف إلى ذلك، أن التراجع الحاد في سعر صرف الليرة، ليصل إلى 6.6 أمام الدولار، أدى إلى تزايد الأخطار التي يواجهها الاقتصاد التركي، حيث تراجعت القدرة الشرائية للعملة التركية، وازداد معدل التضخم ليصل إلى نحو 14 في المئة، ناهيك عن زيادة المديونية وتراجع التصنيف الائتماني لتركيا، وفق ما أعلنته وكالة «ستاندرد آند بورز» للتصنيفات الائتمانية أخيراً، والتي توقعت أن يضع ضعف الليرة ضغوطاً على قطاع الشركات المدينة، وأنه سيزيد في شكل كبير من أخطار تمويل البنوك التركية.

وهنا، لا يمكن صرف النظر عن التأثير السلبي لما صرح به الرئيس الأميركي دونالد ترامب، بفرض رسوم مضاعفة على الواردات التركية لأميركا، لتصل الرسوم على الصلب إلى 50 في المئة، وعلى الألومنيوم إلى 20 في المئة، ما يجعل الخسارة في قيمة الليرة التركية تصل إلى نحو 40 في المئة منذ بداية العام الحالي. في هذا الإطار، تبدو ملامح المشكلات الاقتصادية التي تواجهها تركيا حالياً، والتي ستستمر مستقبلاً، على الأقل في المدى المنظور. فمع ارتفاع سعر الدولار، ستنكشف أكثر فأكثر مواطن الخلل في الاقتصاد التركي، حيث ارتفاع تكلفة الديون الخارجية، والتراجع النسبي في جاذبية الاستثمار على خلفية تناقص قيمة العملة التركية، فضلاً عن السياسات التركية الداخلية منذ الانقلاب الفاشل الذي شهدته البلاد (عام 2016). بعبارة أخرى، لا يمكن النظر الى التراجع الكبير في قيمة الليرة التركية، إلا في سياق الأحداث السياسية التي أدت إلى تغيير تركيبة الاقتصاد التركي، خلال السنوات الأخيرة، سواء من جهة أسلوب اتخاذ القرار، أو من ناحية التوجهات والأولويات لدى صانع القرار، الذي يمثل في الحالة التركية الرئيس أردوغان نفسه، لانفراده بالسلطة وتدخلاته «غير المحسوبة» في الاقتصاد، ومحاولته السيطرة على السياسة النقدية التي يضعها البنك المركزي، ومعارضته رفع أسعار الفائدة، ما أدى الى تزايد معدل خروج المستثمرين من البلاد، وسط مخاوف من عدم قدرة الدولة على سداد التزاماتها لهم. المسألة، إذًا، ليست حرباً اقتصادية تخوضها قوى كبرى ضد تركيا، بقدر ما هي مشكلات خاصة بالتوجهات السياسية والاقتصادية للإدراة التركية، إذ لا يمكن أن يتراجع اقتصاد دولة ما لمجرد تغريدة أطلقها الرئيس الأميركي، أعلن فيها مضاعفة الرسوم الجمركية على الصلب والألومنيوم المستورد من تركيا، على رغم ما لذلك من مؤثرات سلبية، لكن الأقرب إلى المنطق، والواقع، أن تراجع الاقتصاد التركي، وفقدان الليرة جزءاً كبيراً من قيمتها، بدآ منذ أن وضع أردوغان يده على البنك المركزي، وأصبح هو المتحكم في تعيين محافظي هذا البنك، ورسم سياساته في إدارة اقتصاد البلاد. وتكفي الإشارة، هنا، إلى أن تعيين أردوغان صهره وزيراً للمالية ومسؤولاً عن السياسة الاقتصادية التركية، ساهم في استقبال القطاع الاستثماري، في الداخل التركي، بأن هذه الخطوة ما هي إلا تأكيد للاستمرار في أسلوب العمل بالطريقة نفسها. ومع ارتفاع وتيرة المواجهات بين تركيا والولايات المتحدة، فقد ازداد النظر إلى مستقبل الاقتصاد التركي بطريقة سلبية، بخاصة في ما يتعلق بقدرة تركيا وشركاتها على سداد ديونها الخارجية، التي تستحق أجزاء مهمة منها خلال الأشهر المقبلة.

ولعل ما يزيد الأمر سوءاً، في النظر إلى مستقبل الاقتصاد التركي، هو التراجع في معدل النمو، في الوقت الذي تتنامى الضغوط، السياسية والأمنية، نظراً الى التدخلات التركية في الأزمات المحيطة بها، وفي مقدمها الأزمة السورية وملفاتها المعقدة، وهي الأزمة التي تعاملت معها أنقرة كأنها قوة إقليمية عظمى، ما أثار حفيظة الإدارة الأميركية، خصوصاً في ظل الإصرار التركي على التوجه ناحية الشرق، وتحديداً إلى موسكو، وشرائها صواريخ «إس 400» الروسية بدلاً من «باتريوت» الأميركية.

ولا يتبقى، في السياق نفسه، إلا التساؤل حول المكانة المستقبلية لتركيا في مجموعة «العشرين»، ولعل الأهم من ذلك، هو التساؤل حول المكانة المستقبلية لتركيا كقوة إقليمية... ففي إطار تراجع أحلام العثمانية الجديدة، واضطرار تركيا لتفكيك تحالفاتها الدولية والإقليمية وإعادة تركيبها، تحت وطأة دخول القوى الدولية الكبرى على خط الأزمة في سوريا، وفي ظل تضاؤل الأمل التركي في الدخول على خط «الغاز السوري»، وتعدد المشكلات الاقتصادية التي تواجهها تركيا حالياً، وستواجهها مستقبلاً، إضافة إلى بعض المؤشرات الأخرى، لا يكون من العسير أن نلمح التراجع في دور تركيا الإقليمي في المستقبل القريب
المصدر : الحياة
 
لإضافة أي تعليق عليك أن تكون مسجلاً أو إضغط هنا للتسجيل
 
تعليقات سابقة
 
لا يوجد تعليقات على هذا الخبر