الخميس في ١٥ تشرين الثاني ٢٠١٨ ، آخر تحديث : 10:28 م
YouTube Twitter Facebook RSS English French Portuguese
جورج أورويل "أيقونة" القرن21
 
 
 
 
 
 
٢٥ اب ٢٠١٨
 

::بول شاوول::

كأنه زمن جورج أورويل اليوم، في القرن الحادي والعشرين، بل كأن الثقافات التقليدية من ثورية، واشتراكية، وديموقراطية، قد انطفأت مفاعيلها. زمن آخر سياسي قد برز من جديد: زمن التخلي عن كل ما صنعته الحداثة الفكرية والأدبية والفلسفية، عودة إلى الثلاثينات من القرن الماضي: صعود النازية، ولادة الستالينية، جنون الماوية، أي عودة إلى الظواهر الاستبدادية، على غير مرتكزات بل على فراغ: الاستبداد عاد بوجوه مختلفة. ارتدادية انقلابية على كل ما هو دولة، وفكر، وديموقراطية وحرية، ومستقبل: إنها الشعبوية الصارخة في ميادين العالم، بخطاب ماضوي، قومي متطرف، مغلق، بلا سقف، ولا ركائز، فيكتور أوربان في المجر بصورة ديكتاتور «متجدد»، ومدام لوبان بصورة انشقاقية وانعزالية واستبدادية، ماي البريطانية وخروجها من ثقافات اللقاء والانفتاح، والقيم الأوروبية. الصورة المتلفزة تلاحقنا في كل شارع، وبيت، وسوبرماركت، ومكتب، عصر الصورة التي يحبها الطغاة، ليترصدوا معارضيهم: الحرية مُنتهكة كما انتهكت مع هتلر وستالين. التاريخ يعيد نفسه لكن بظلال معدنية.

فَقَدَ العالم مرجعياته التاريخية وعلاماته الكبرة، لكن، وفي هذا الوقت، المستراب، كان لا بد من إعادة اكتشاف ما يصلح ليكون ولو مصباح ديوجين في هذه العتمة المعمّمة: إنه أورويل! وتخصيصاً كتاباه «1984» و«مزرعة الحيوانات» وتحقيقاته الصحافية والميدانية وأفكاره السياسية. كأنه «المرشد» في كتابه، والدليل في سيرته، كأنما ما تبقى من أصوات احتجاجية إلى «ضمير» مضيء. وها هو الكاتب الانكليزي جورج أورويل، سوبر ستار المعارضين الجدد في جهات العالم الأربع: لا للأخ الأكبر في روسيا، أو إيران، أو تركيا، أو سوريا، أو تونس، أو المجر. مرجعية أورويل، بكتابه الأثيري «1984»!

ادوار سنودن

ها هو مع ادوارد سنودن في كشف ملفات الأجهزة الأمنية الأميركية وتجسسها على الناس. ها هو ينشرها: مظاهرة عام 2013 في فرانكفورت متضامنة معه، حاملين صور أورويل!

في 2014 تظاهرة تايلندية (في بانكوك) صامتة يقرأ فيها المتظاهرون مقاطع من كتاب جورج أورويل «1984» احتجاجاً على انقلاب 22 أيار.

في 2017، تظاهرة في لندن ضد القوانين المعادية للمهاجرين والتي أقرها ترامب.. صور أورويل تتصدر التظاهرات.

وفي عام 2017، تظاهرة في سانت بطرسبورغ بروسيا من أجل حرية الإنترنت، وارتدى المتظاهرون فيها أقنعة وجه أورويل.

كتابه الذي باع 30 مليون نسخة في العالم، ها هو اليوم في الولايات المتحدة، وفرنسا من أكثر الكتب مبيعاً: طبع عام 1949، وها هو ينبعث من جديد في أيدي مَن تبقى من معارضين للأوضاع السائدة.

الكتاب تُرجم إلى العربية وكان يمكن أن يكون من شعارات الربيع العربي، لكن، فاجأت التهديدات المضادة الثوريين: أي فاجأ الطغاة الجدد الانتفاضيين بحروب وحشية مدمرة.. إلى أن هناك قلة من العرب قرأت الكتاب ولم يتحول «ظاهرة» شعبية كما في الولايات المتحدة، وروسيا، وفرنسا، وتايلندا..

لماذا؟

لكن ما الذي جعل الناس الذين اختاروا المواجهة، والحرية، والديموقراطية، يلوذون بأورويل؟ بمعنى آخر ماذا يعني هذا الكاتب والصحافي لنا في القرن الحادي والعشرين؟ إذا كانت أفكار أورويل تعود إلى زمن آخر، زمن الحرب الباردة، (هو ابتكر هذه العبارة)، وإلى المرحلة الستالينية، والإيديولوجية، والنازية، والحرب العالمية الثانية، فكيف له أن يتكلم بصوت الحاضر في زمن يختلف عن زمنه؟

يمكن القول إنه إذا «كان من الغباء مقارنة تلك الفترة (المذكورة) بوضعنا اليوم. لكن من الغباء كذلك نفي أو تجاهل ظهور ما يتمدّد عندنا من أوضاع تشبه في تسمياتها العامة تلك المراحل».

فالديموقراطيات «اللاليبرالية»، والشكلية، التي تقدم إلى الناس «مظاهر» الديموقراطية كأقنعة للاستبداد. وهنا شخصية «الأخ الأكبر» (على الشاشة المتلفزة الموجودة في كل بيت، وكل مكان) في رواية أورويل قد دخلت القاموس العالمي المتداول للإشارة إلى المراقبة التي أدركت أقصاها في الشاشات المتلفزة، تنشر بفيديوات المراقبة اليوم، في البث المعني بالأكاذيب والبروباغندا من خلال القنوات التي تحولها الدول، بلغة أسماها أورويل «Noulaugue»، لغة تكنوقراطية «مطهرة» باسم الإيديولوجيا (الدينية، الطائفية، القومية)، ضمن إطار «شرطة الفكر».

الصالح أو المفكر أو المختلف

وفي رواية «شرطي الفكر» الذي يراقب السلوك الإيديولوجي العام للمواطنين كما في إيران الملالي. وهل تنسى «وزارة الحقيقة» (وهي في معظم حكومات الطغاة في عالم اليوم)، تعمل على شعار «الجهل هو القوة»، وعندها، كما نعرف تصبح كل حقيقة غير رسمية انشقاقاً، أو خيانة، أو كفراً..

الرؤيوي

قال أورويل في الأربعينات والخمسينات كل ما هو ضروري لنقوله. بعضهم يقرأ «1984»، وآخرون «مزرعة الحيوانات»، ومنهم مقالاته وتحقيقاته وأفكاره، بل وبعضهم الآخر يهتدي سيرته، ونمط حياته: لكن كل هذه النصوص إضافة إلى حياته هي واحدة. فأرويل «قديس المثقفين» في تلك الفترة، أي الثلاثينات والأربعينات والخمسينات، واجه الإيديولوجيات التوتاليتارية (الإيديولوجيا قتل)، والقومية والعنصرية، وضع حياته على انسجام مع أفكاره. لا تتناقض. بل كلٌ في بنية واحدة موجهة ضدّ أعداء «الفرد» و«الحرية» والإنسان، والمجتمع، والتعبير. حقيقة واحدة عند هتلر هي حقيقته. حقيقة واحدة عند ستالين هي حقيقته. ومثلها عند خامنئي، وأردوغان، وأوربان، ولوبان. وهو في سلوكه، ومواجهاته راهن مرات عدة على حياته. لكن المهم أن أورويل لم يكن كاتباً «برج عاجياً»، يخط مقالاته وأعماله من فوق. اندمج في المجتمع. وشارك في الحرب الأهلية الإسبانية، وأصيب. وذهب إلى بيرمانيا عام 1947 وانخرط في الشرطة الكولونيالية، لكنه، ومن موقعه جعل الدفاع عن الفقراء والبائسين قضية أعطى الأولوية للشعب، خارج تصنيفات الإيديولوجيا الشيوعية وشعارها «البروليتراي». بل تنكر أحياناً ليدخل إلى عمق الشوارع التحتية في باريس ولندن ليشهد أحوال الناس المهمشين والمنبوذين.. ويكتب عنهم.

.. الفرد

يقول سيمون ليز «حتى في أعنف المعارك والسجالات، كان أورويل يضع في أولى أولوية «الفرد» على كل الاتجاهات الفردية. لا تنميط، لا توتاليتارية، لا بروليتارية تلغي دوره، لا شمولية حزبية». ولهذا جانب الدوغماتية الدينية والإيديولوجية (كم نحن نتذكره اليوم في هذا الصعود الدوغماتي الطائفي والديني والقومي والعنصري). يكره كل أنواع الرقابة أو اللوائح السوداء، مما جعله «مستبعداً» للحرية المطلقة حرية التعبير..

أنِف لغة الطغاة ووسائلهم الإعلامية الدعائية وكذلك لغة الحزبيين (والحزب غيتو مغلق) ورفض لغة مسخ الآخر، أو إلغائه، بوصفه «كائناً»، من لزوم ما لا يلزم، إذا خالف «الأخ الأكبر»، ولهذا كان يعتمد لغة واضحة، يدين كل تعبير غير دقيق، أو شعبوي، أو فضفاض، يرفض الصفة المعنية (التي تسود اليوم في صحافة وتلفزيونات الأحزاب المطلقة). وهو يقول «المشكلة عند هؤلاء لا تتصل بالأسلوب فقط بل بالمعنى». توحي أزمة أفكار قبل كل شيء، فإذا كانت الفكرة تُفسد اللغة أحياناً، فاللغة أيضاً تفسد الفكرة. فالأسلوب الفضفاض المموه، والعنيف، غالباً ما يخفي أكاذيب (اليوم يسمى «Fake News»)، وأفكاراً منفصلة عن الواقع«.

ما بعد الحقيقة

وها هو ينبئ بذلك بمجتمع»ما بعد الحقيقة«، أو بإنسان، أطفأت الإيديولوجيات الحزبية عقله ومداركه، يفكر الوقائع، على حساب»حقيقة«وهمية في رأسه. قالها في الأربعينات، وها هم بعض الفلاسفة يشيرون إليها كظاهرة من ظواهر القرن الحالي. هناك مَن يتكلم على انتصارات في حروب إما خسرها، أو أنها لم تقع أصلاً: في آخر السياقات يُعلن نظام بشار الأسد أنه قصف الجولان بصاروخ ويتبين أن لا صاروخ أطلق ولا الجولان أصيب. أكثر: يُعلن نظام الملالي أنه اخترع طائرة جديدة عملاقة.. لنكتشف بعدها أن الطائرة هي أميركية قديمة من طراز»F16«.. حزب الله ينكر تورطه في اغتيال الرئيس الشهيد رفيق الحريري، وها هي المحكمة الدولية تثبت تورط أربعة من صفوفه في الاغتيال. الأبواق الإيرانية (مع تابعها حزبها في لبنان) تُعلن انتصار المقاومة في سوريا، لكن الواقع يدحض ذلك: كل الأوراق في أيدي بوتين، وهناك مطالبات بانسحاب كل الميليشيات الإيرانية من سوريا!

هذا قاله أورويل في مجال ميديا البروباغندا المليئة بالأكاذيب في رواية»1984«(صدرت عام 1949).

التنبؤ

لكن، من المفيد استذكار تنبؤ أورويل عندما كان ستالين في أوج عظمته»كأخ أكبر«وكتب»من المبكر القول كيف سيدمر النظام الروسي نفسه، لكن في كل الأحوال، فالنظام الروسي إما سيصبح ديموقراطياً أو يزول«.. وها هو زال على أيدي «أبنائه» الصالحين.

لكن يذكرنا أورويل أن «الأنظمة التوتاليتارية أضعف مما توحيه دعاياتها: فمن خلال قمع الصحافيين أو فرض الرقابة على المواطنين، واحتفال حاشياتهم الدائمة بالزعيم الأكبر، الذي لا يخطئ، المعصوم، بل الإلهي، وغالباً ما يكون سيئاً ورديئاً، ينتهون بفقدان وعيهم بالحقائق والوقائع، ويرتكبون الأخطاء تلو الأخطاء، ويعتبرون أنفسهم على صواب.. لينتهي بهم الأمر إلى السقوط: الاتحاد السوفياتي تساقط، أنظمة القذافي والأسدين وصدام، وقبلهم شاوشسكو.. قد هوى بهم الربيع العربي!

بشار بلا شعب، ولا جمهورية، ولا سيادة، ولا دولة! أتريدون عقاباً له أقصى من هذا العقاب؟

لكن ما ينبغي القول إن أورويل غير محصور بوجهة واحدة؛ فهو متعدد، ومتشعب في اهتماماته، وإنجازاته، وقد انقسم الأوروبيون أقساماً: أورويليون مناهضون للرأسمالية (جاك كلود ميشا)، وآخرون مناهضون للتوليتارية (سيمون ليز)، وآخرون محافظون (مادلين دي جيسي)، أو ليبراليون (ماتيو لين).

ويعني ذلك أن أورويل جمع الاختلافات جزءاً من مساره: فهو محافظ وثوري، وليبرالي واشتراكي، مناهض للرأسمالية وغير متطرف بالاشتراكية.. ونظن كما نقترح: أن أورويل هو يساري ليبرالي! كاسراً كل الأنماط الدوغماتية المغلقة!
المصدر : المستقبل
 
لإضافة أي تعليق عليك أن تكون مسجلاً أو إضغط هنا للتسجيل
 
تعليقات سابقة
 
لا يوجد تعليقات على هذا الخبر