الاربعاء في ٢١ تشرين الثاني ٢٠١٨ ، آخر تحديث : 11:56 م
YouTube Twitter Facebook RSS English French Portuguese
سمير قصير هزمكم.. ارموا الأقنعة
 
 
 
 
 
 
١٧ اب ٢٠١٨
 
إميل منعم - العربي الجديد

كان اسمه سمير قصير.

ولدتْه أمّه على فالقٍ زلزاليٍ بين سورية ولبنان وفلسطين. تصفّح الأرض والكتب معاً. وحيث كان للتاريخ هديرٌ عميق، رفع موازينه، وأقام مرصده، برى الأقلام ورابط مع المرابطين.

سمع صرير عجلات وصليل سلاسل وأنين أمهات. أدرك باكراً أن للأرض ضميراً تتربّى فيه الحمم، ورئةً تتنفّس منها البراكين. وعلى هذا الفالق، قضى أيامه يحاول ربط العين بالأذن، ووصْل ما بدا منقطعاً بين الرؤية والسمع.

كان اسمه سمير قصير... أراد أن يعبر مع العابرين، فأوقفه في السدّة نداءُ الحرية العظيم. هو بينكم بكامل قوامه، صدّاحاً، كليّ الحضور، وافر ظلِّ الجناحين. على الرغم من المحاولات المتكرّرة، لم ينجح أحدٌ في قتله. لقد غدا، مثلما تغدو الأحلام، درساً بليغاً للسفاحين. لا تضمرُ الأحلامُ ولا تتعثّر. يكفيها أنها كانت ذات مرةٍ لتبقى، كأنّما حلم بها الناس جميعاً.

حصّن موقفه بالضمير، ناقلاً جريمة فلسطين من فضاء الهمّ إلى حقل الاهتمام. وعانى شقاء القبائل الهائمة في التيه. سمع خفقان القدس، واستهدى إلى أسرار النبض وشبكة الشرايين. أدرك صلة الرحم بين قلبها وقلب بيروت وقلب دمشق، وأسال من أجلها عرق الجبين، وحبراً من دون تهيّب، في زمنٍ غدت فيه كلفة الحبر أغلى من كلفة الدم.

قال جبران مرةً إن القتيل ليس بريئاً من جريمة القتل. هل كان حلم سمير ثقيلاً على جناحيه، فكسرهما؟ أم قتلته الطوبى، حين نزلت قدمه في أرض لم تكن بالصلابة التي توهّم؟ لكن،
"كان بهياً وصقيلاً ونضراً في موضع الندى. وفي موضع الحق والعدل، كان حادّاً ومسنوناً على الدوام"
للحق، لم يقتله حبه القدس أو بيروت أو دمشق. بل قتله حبّه الحقّ المسفوك فيها. وبهذا الحب صار إنساناً، والتحم بمعادلة الصراع العميقة: تُسبى فلسطين من جديد كلما سُبيَ شعبٌ في أي مكانٍ على الأرض. وفي اللحظة التي يُغدر فيها بأي حرّ، من أمثال سمير قصير، يكون قد غُدِر بالحسين أكثر من مرّة.

كان اسمه سمير قصير.

كان بهياً وصقيلاً ونضراً في موضع الندى. وفي موضع الحق والعدل، كان حادّاً ومسنوناً على الدوام. يعرف أن الغاصب لا يدحره إلا مقاومون أحرار، وأوّل دروس المقاومة تعريفُ الموت كنفي للحياة. وحين تُقلب هذه المعادلة، ويغدو تزيينُ المقابر من الروائع، وقمعُ الرغبة الحيّة بطولةً، وتحقير كلّ فنٍ جميلٍ تقوى، إذّاك لن تكون مقاومةٌ على الإطلاق. وكل ما يفعله ممجّدو الموت، تقديمُ الأحياء ضحايا للغاصبين. ولن يكون تحريرٌ لشعب أو وطن بتهريب الأرض من غاصبٍ إلى غاصب تحت الزغاريد، أو بنقل الأعناق من مستبدّ إلى مستبدّ تحت البيارق.

كان اسمه سمير قصير.

يعرف أن الإرهاب لا يمحو إرهاباً، بل يراكمه. وأن تمجيد الموت، بأية ذريعةٍ، يجعل الأعمار فرصاً عابرة بين القتل والقتل. ليست الحرية أكثر من اختزال الحياة في مفردةٍ واحدة، دونها العقم والتصحّر وانحلال كل معنى، فالفراشات لا تحوم على الشظايا، ولا يجني النحلُ العسل من فوهات المدافع.

وما من محنة أشدّ على الأوطان من هؤلاء المجاهدين في سبيل البربرية باسم الانتصار لأصولٍ نبيلة، أو رعاة مؤسسات لصناعة الانحطاط وتعميمه بتنقية الهواء من الأغاني. هنا حيث تصبح الحياة مأزقاً تُمسح الرهافة عن الصباحات، ويتفتّت كل معلم جميلٍ على دروب العالم.

الذي حاول قتل سمير قصير سيبقى له من المفاخر، في آخر المطاف، أنه طوّر في تسميم الينابيع وتقنيات الغدر، أكثر مما استطاع تطوير فكرةٍ واحدةٍ عن الصمود. ومن لا باع له في صناعة المعاني والقيم النبيلة، لن يصاحبه في النهاية إلا غربانُ القفر الذي وسّعه بالدم والدمار، وسيدفنه التاريخ من دون جنازة أو معزّين.

من افتتح عصر الإرهاب بأبشع صوره، وقاوم المقاومين الوطنيين وفتك بأبطالهم، أمام نظر العدو وسمعه، ليس غريباً عليه مقاومة اندفاع الحياة في عروق فتى الحرّية الأغرّ.

لم يعرف التاريخ مدافعاً عن الحرية غير الأحرار. أما قاتلو سمير قصير فليسوا غير طلائع عدوان جديد، يلبس الضحايا ويتستّر بالأقنعة التي تهلهلت وتساقطت، قبل أن تبلغ مدن الشام وقراها. مهزومون تحت الرايات. كل استعراضات الحشود والجنازات، كل الجعجعة على الشاشات والمنابر، كل أساطير البطولة المعلوكة في سحيق التوهّم، لم تنجح في إخفاء ما يستبطنونه من كلاب الصيد التي تطارد عشّاق الحرّية في حقول القتل. حتى في العمالة كانوا صغاراً وعبيداً لسقط متاع التاريخ. عملاء للعفونة والصدأ، حيث لم يسعْهم أن يكونوا أكثر من مزيّني أكفان، ومنظّمي مآتم لفتيان المستقبل. وتجار ضمائر ومخدراتٍ، ومعقّمي بذرة الكبرياء في فلذات أكبادهم.

ورثة السبي وسليلو الوأد. مخادعون ومخدوعون من الجحور إلى الجحور، سفهاء من الوريد إلى الوريد.

أنكرتم عقل أبي العلاء، وتبرأتم من قلب ابن عربي، وضربتم صفحاً عن رواد التنوير من أبي حيّان إلى الغزالي إلى ابن رشد، واكتفيتم بالفتنة الكبرى ميراثاً، شحنتم في تجديدها النفوس وعقدتم الهمم، وأوقدتم في هشيمها زيتون البلاد ونخلها. لم تُخْلوا في الآماد القاحلة التي استبحتموها مكاناً يتفتح فيه شاعرٌ أو فنانٌ أو صاحبُ رأي. غيمةٌ مظلمةٌ من الجراد حيث حللتم. لا شيء غير يباس الحسّ وجفاف المعنى وتصحّر العقل. أعدتم إلى الخرافات المدفونة منذ قرون نضارةً غابرةً، وزوّدتم بها كتب أطفالكم، لتدفنوا نضارتهم في المهود. وعلى حطام العقل، لا ينبت الزرع ولا تنمو المحاصيل. اليباب وراء اليباب والعتمة خلف العتمة، حيث تحيك نساؤكم أرديةً سوداء للمنارات، ورجالكم يطاردون إخوةً لهم في شوارع بيروت، وفي منازل سورية وحقولها. حتى الهارب من ظلمكم وظلامتكم استكثرتم على أطفاله المبيت في خيم اللجوء أو النهوض على أرصفة التسوّل.
من تطاولتم على علوّ كعبه كان اسمه سمير قصير. .. أردتم أن لا يبقى في انتظاره أحدٌ، لا أهلُ بيته، ولا زملاءُ عمله، ولا أحد من تلاميذه أو أصدقائه فهزمكم، حين غدا لجيل كامل، المنتَظَر الوحيد. يعيد النصاب إلى العدل، كما يُعيد شهداءكم قتلى، بين أبرياء ومجرمين.

أردتم أن يجفّ ذكرُه بجفاف دمه فهزمكم. كان اسمه سمير قصير فصار اسمه سمير قصير الفتى الذي وقف في بؤبؤ العين، وقال ما لم تكونوا تستسيغون سماعه، فاسمعوا إذاً ما فاتكم: ما لا يليق بغزّة أو بحيفا لا يليق بحمص ولا بطرابلس ولا ببغداد. وما لا يصلح لأطفال جنين لا يصلح لأطفال درعا. ليس في هذا حكمة فائضة عن العقل، بحيث يقصّر المرء عن إدراكها. بل هي من البساطة بحيث حقنت أسيادكم بالحقد والضغينة. لقد عرّاكم الدم المسفوح في غير مكانه، دم الأقربين المتخثّر على الياقات والأكفّ وحواضن البنادق.

أردتم التبرؤ من دمه لتميتوه فغلبكم. والذين جنّدتموهم أو تبرّعوا بتلطيخ دمه وتشويه مقتله

"تمجيد الموت، بأية ذريعةٍ، يجعل الأعمار فرصاً عابرة بين القتل والقتل"

كانوا كثراً. وإذا كان من هزيمةٍ تحتسب هنا، فهي هذه الهزيمة الفاجعة بالذات: أن يكون المعتدون على شهادته كثراً.

لكن الأكاذيب لم تنطلِ على عاقل، فعاد وانتصر. عرفكم ودلّ عليكم وجوهاً وأسماء. لا أحد أكثر من القتيل معرفةً بقاتليه، حتى قبل أن تُسنّ الخناجر.

أردتم من مقتله أن يكون جريمةً في الحي، فهزمكم أيضاً وأيضاً. ويوم غدرتم به لم تبقَ نافذةٌ في بيروت لم تبلغْها شهقة من فلسطين، ولم يبقَ حجرٌ في دمشق إلا وعليه نقطةٌ من دمائه.

بالوحشيّة التي مورست على فتوّته، أردتم أن تنتقموا من بهاء حضوره الكثيف، فهزمكم بارتقائه إلى سوّية الأيقونة الجليلة عند الشباب الأحرار، ودفع إلى التفكّك على قواعدها كلّ أنصابكم المسبوكة من أظافر وأنيابٍ وكسور عظام. هزمكم بجناحيه العاليين فوق الأقفاص التي تحشرون فيها أبناءكم، لتعقّموا فيهم رغبة التحليق المشبوهة، وتبعدوا عنهم وباء الحرية المشؤوم.

كثراً جئتم. حشرتم أنفسكم تحت مقعده. أقزاماً وحشرات. مطلقي شائعات وكتّاب تقارير، صنّاع متفجرات ومنافقين حتى النخاع. مزوّري عملة وتواريخ وأثرياء حروب.

تجمّعتم من كل صوب. الفارّ من العدالة، والمخدوع بخطاب الردّة، انحشرا معاً. من لا جدوى له، والكلب الذي رصّعتم طوقه بالنجوم وطفتم به تحت الأقواس والبيارق، وظل كلباً مرصّع الطوق بالنجوم، انحصرا جنباً إلى جنب.

احتشدت معكم تحت عجلات سيارته أفواجٌ من دعاة الوحدة تحت النعال، أو الفرقة عند المقابر. جئتم خفافيش ليل من السراديب والكهوف، عسساً وجواسيس وحمَلَة مباخر. وحين انفجر بكم، وانسكب على وجوهكم دم الضحيّة، لم تتركوا أثراً سوى ألسنة من مطاط، تتقلّص في الشمس، وتتمدد في الليل للعق الغبار عن الأحذية.

لن يطالبكم أحدٌ بتحسّس رؤوسكم، ولا أعناقكم. فقط وفّروا حناجركم. فحين يعبر بكم، ستحتاجون إلى نباح كثير، وأنتم تشيّعون أوهامكم المتساقطة على الحضيض.
 
لإضافة أي تعليق عليك أن تكون مسجلاً أو إضغط هنا للتسجيل
 
تعليقات سابقة
 
لا يوجد تعليقات على هذا الخبر