الجمعة في ٢١ ايلول ٢٠١٨ ، آخر تحديث : 11:50 م
YouTube Twitter Facebook RSS English French Portuguese
«بكستنة» تركيا خيار ترامبي مُحتمل
 
 
 
 
 
 
١٦ اب ٢٠١٨
 
::مأمون كيوان::

يبدو جلياً أن التدهور الحاد الذي تشهده العلاقات الأميركية– التركية على أكثر من صعيد ليس في منزلة زوبعة في فنجان أو سحابة صيف عابرة. ولا يبدو أن مقايضة القس الأميركي أندرو برانسون بالداعية التركي فتح الله غولن كفيلة بإعادة المياه إلى مجاريها بين واشنطن وأنقرة. فقضية القس والداعية هي قضية قانونية بامتياز تم تسييسها، إذ تتهم تركيا جماعة «الخدمة» بقيادة غولن، أنها حاولت من خلال تغلغلها في أجهزة الدولة، الانقلاب عبر سلك القضاء والأمن بداية، عبر اتهامات لمسؤولين بالفساد، وتأليب الشارع التركي مرات، منذ عام 2013، ورعت محاولة الانقلاب منتصف عام 2016. واتهمت تركيا القس برانسون بأن لديه علاقات مع «الخدمة».


وبينما تدفع ملفات الخلافات والتوترات السياسية بين أنقرة وواشنطن وعلى نحو خاص خلال 15 سنة الماضية بعض صانعي القرار السياسي الأميركي للاعتقاد بوجود نوايا تركية لشق عصا الطاعة والتمرد. وأن تركيا لم تعد حليفاً ولا شريكاً لاختلاف الأولويات والمصالح فضلاً عن غياب تهديد مشترك. يعتقد البعض الآخر أن ترامب يقامر بمصالح بلاده ويدفع تركيا إلى أحضان الصين وروسيا وإيران. وفي أنقرة، يزعم القادة الأتراك وفي مقدمهم الرئيس رجب طيب أردوغان بوجود مؤامرة شريرة على بلاده. كما أنه وفي مقال نشره في صحيفة «نيويورك تايمز» الأميركية في عددها الصادر في 10/8/2018 قال أردوغان:»على واشنطن التخلي عن الفكرة المضللة القائمة على أن علاقتنا يمكن أن تكون غير متماثلة، وعلى واشنطن أن تتصالح مع حقيقة أن لدى تركيا بدائل. ويتطلب منا الفشل في عكس وجهة هذا الاتجاه الأحادي والاستمرار في عدم الاحترام أن نشرع في البحث عن أصدقاء وحلفاء جدد».

والمؤشرات الدالة على تصاعد صور التمرد التركي على السياسات الأميركية بدأت بالظهور بعد استبدال عهد نجم الدين أربكان الذي كان يمثل صورة الإسلام المعتدل أو المُدجن الذي تحبذه واشنطن، بعهد حكم «حزب العدالة والتنمية» عام 2002، بزعامة عبد الله غول ورجب طيب أردوغان. ووضع الحزب حدودًا لتوظيف بلاده لخدمة المصالح والسياسات الأميركية في المنطقة، وترجم ذلك عملياً من خلال دعمه رفض البرلمان التركي تحويل الأراضي والقواعد التركية إلى نقاط انطلاق للغزو الأميركي للعراق عام 2003.

وتجسدت حدود خدمة تركيا للمصالح الأميركية في الشرق الأوسط في 'وثيقة الرؤية المشتركة والحوار المؤسساتي” عام 2006 التي نصّت على أنّ البلدين «اتفقا على ترجمة رؤيتهما المشتركة عبر: الترويج للسلام والاستقرار في الشرق الأوسط الكبير من خلال الديموقراطية، ودعم الجهد الدولي للتوصل إلى تسوية دائمة للنزاع العربي- الإسرائيلي وحل النزاع الفلسطيني- الإسرائيلي على أساس إقامة دولتين، وتعزيز الاستقرار والديموقراطية والازدهار في عراق موحد».

وكانت تركيا انتقدت بشدة موقف إدارة أوباما من الصراع السوري، وواصلت انتقاداتها في عهد إدارة ترامب. وعلى رغم توصل الأتراك والأميركيين لاتفاق حول منبج، في تموز (يوليو) 2018، تم اعتباره اختراقاً مهمّاً في ملف خلاف بالغ التعقيد بين تركيا والولايات المتحدة في سورية، تصاعدت حدة الخلافات. كما تم انقسام بين الجانبين حيال الصراع الإسرائيلي – الفلسطيني بسبب هجمات إسرائيل ضد قطاع غزة.

وتبلور ملف خلاف بين أنقرة وواشنطن على خلفية التقارب بين تركيا وروسيا، والذي أخذت وتيرته في التسارع منذ المصالحة بين أنقرة وموسكو عقب إسقاط القوات التركية طائرة روسية في نهاية 2015. ومن وجهة نظر أنقرة، ولدت سياسة التقارب مع موسكو بسبب إحجام واشنطن عن لعب أي دور فعال في سورية، واختلال التوازن كلية في الساحة السورية بعد بدء التدخل الروسي العسكري المباشر في خريف 2015. ولكن واشنطن ترى أن هذا التقارب يتجه نحو اكتساب طابع استراتيجي، يمكن أن يؤثر في التزامات تركيا في حلف الـ «ناتو». ولعل مسألة الاشتباك الرئيسة في هذا الملف تتعلق بقرار تركيا شراء نظام الدفاع الجوي الروسي، إس 400. ولمواجهة اقرار الكونغرس الأميركي إجراء دفاعيّاً يدعو إدارة ترامب إلى حظر تسليم 100 طائرة إف 35.

ويضاف الموقف من إيران إلى قائمة الخلافات. فقد بدأ في 7 آب (أغسطس) 2018 تطبيق الحزمة الأولى من العقوبات الأميركية على إيران، التي يتوقع أن تصل ذروتها في تشرين الثاني (نوفمبر) (2018)، عندما تنتهي المهلة الأميركية للشركات التي تتعامل مع النفط الإيراني، وتبدأ واشنطن في فرض عقوبات ثانوية على كل الشركات المخالفة. وقد أعلن المسؤولون الأتراك في أكثر من مناسبة أنهم لن يلتزموا بالعقوبات الأميركية على إيران، وأن علاقاتهم الإيرانية ستحددها المصالح التركية وحسب، ولذلك لن تفرض أنقرة عقوبات على إيران.

ومن الجدير ذكره أنه عام 1974، تعرضت العلاقات التركية- الأميركية لمزيد من التعثر بعد أن قررت حكومة بولنت إيجيفت الائتلافية إرسال الجيش إلى شمال قبرص لحماية القبارصة الأتراك. وآنذاك لم تأخذ واشنطن الدوافع التركية في الاعتبار وفرضت حظرًا على توريد السلاح لكل من تركيا وقبرص. تسبب قرار الحظر في رد فعل تركي، أدى إلى إيقاف النشاط العسكري الأميركي في قاعدة إنجرليك التركية. ولم تعد العلاقات إلى طبيعتها عام 1978، عندما رفعت إدارة كارتر حظر السلاح.

وكانت الولايات المتحدة قد أقامت قاعدة إنجرليك بجنوب تركيا عام 1951، في أشد حقبة من الحرب الباردة، وتستخدمها للعمليات الأميركية في المنطقة وتُخزن فيها 50 رأساً نووياً ضمن قوة حلف شمال الأطلسي (ناتو) الرادعة. ومنذ اعتداءات 11 سبتمبر (أيلول) 2001 في الولايات المتحدة، تؤمن القاعدة القسم الأكبر من المساعدة اللوجيستية لعمليات الحلف الأطلسي في أفغانستان، كما تلعب دوراً كبيراً منذ 2015 في عمليات التحالف الدولي ضد تنظيم «داعش» في سورية.

وقد تتخذ حكومة اردوغان القرار نفسه في المستقبل المنظور. لكنه سيكون قراراً مُكلفاً لأنقرة على صعيد البرامج العسكرية. بينما لدى واشنطن حلول بديلة ممكنة عن قاعدة إنجرليك للعمليات الأميركية في الشرق الأوسط، ولا سيما قواعدها العسكرية في إسرائيل والأردن والكويت وربما في سورية.

ولعل الخيار الذي من المُحتمل أن تتبناه إدارة ترامب هو «بكستنة» تركيا من خلال إضعافها اقتصادياً واستثمار مشكلاتها مع دول الجوار الجديدة والقديمة وعلى نحو خاص مع اليونان.
المصدر : الحياة
 
لإضافة أي تعليق عليك أن تكون مسجلاً أو إضغط هنا للتسجيل
 
تعليقات سابقة
 
لا يوجد تعليقات على هذا الخبر