الاثنين في ١٢ تشرين الثاني ٢٠١٨ ، آخر تحديث : 09:22 م
YouTube Twitter Facebook RSS English French Portuguese
مصر... سنوات الانكسار والانتصار
 
 
 
 
 
 
١٢ اب ٢٠١٨
 
::السيد أمين شلبي::

احتفلت مصر أخيراً بمرور 66 عاماً على ثورة 23 تموز (يوليو) 1952 والتي كانت، على رغم الاختلافات حول مآلاتها، تمثل علامة تحول كبيرة في تاريخها المعاصر ومنطقتها. خلال هذه الحقب، تعرضت مصر لثلاثة أحداث كبرى بدت مع كل منها أنها انكسرت ولا قيام لها، إلا أنها كانت تستجمع نفسها وتتماسك وتحول الانكسار إلى انتصار وقوة دفع. الحدث الأول يتمثل في العدوان الثلاثي عام 1956 وكان هدفه كسر إرادة الشعب المصري وقيادته التي استعادت حقها في قناة السويس. وبدا الأمر عند انطلاق ذلك العدوان أن مصر لن تستطيع مقاومة القوى الثلاث، بريطانيا وفرنسا وإسرائيل، بعتادها في الجو والبحر؛ غير أنه بإرادة الشعب الكامنة وتماسك قيادته والمؤازرة العربية، تمت المواجهة؛ ما شجَّع القوى الدولية على إدانته. وهكذا تم إرغام قوى العدوان على الانسحاب، وخرجت مصر منتصرة سياسياً، فاكتسبت مكانة إقليمية مؤثرة.


والحدث الثاني يتمثل حرب 1967 ومن الصعب على أي باحث أن يفصل هذا العدوان عن التطورات التي سبقته وعن موقف مصر من مخططات الولايات المتحدة الأميركية في المنطقة حين قاومت القيادة الثورية الجديدة المخططات الأميركية في بناء أحلاف إقليمية تشكل ما عرف بسياسة «احتواء» الاتحاد السوفياتي كإحدى أدوات الحرب الباردة التي كانت بدأت تتطور منذ نهاية الحرب العالمية الثانية وبفضل هذا الموقف المصري الرافض لهذه المخططات ومن مشروعات الصلح مع إسرائيل رفضت الولايات المتحدة مطلب مصر تسليح الجيش المصري ثم رفضت مطلبها في كانون الثاني (يناير) في بناء مشروع التنمية الجديد وهو السد العالي، وهي المواقف التي دفعت مصر إلى التحول للتعاون مع الاتحاد السوفياتي ومعسكره والذي لبى متطلبات مصر من السلاح وبناء السد العالي.

كان هذا هو نقطة التحول إلى خصومة الولايات المتحدة بل وعدائها لمصر ونظامها، بخاصة في عهد الرئيس الأميركي ليندون جونسون، وتوافق هذا مع قرارات القيادة السياسية والعسكرية المصرية في 15 أيار (مايو) 1967 ونعني بها: غلق خليج العقبة في وجه الملاحة الإسرائيلية، وطلب سحب قوات الطوارئ الدولية من شرم الشيخ، ثم نشر قوات الجيش المصري في سيناء. وأياً كان الرأي حول معقولية هذه القرارات التي قدمت المبررات لإسرائيل لشن عدوانها، فإن هذا العدوان كان في الإطار الأشمل عملية تصفية حسابات أميركية مع مصر ونظامها ومن ثم كانت نكسة أو هزيمة 1967. كانت الهزيمة عميقة وشاملة وأصبحت مصر في عيون المسؤولين الإسرائيليين والأميركيين مأزومة بتوقيع وثيقة الاستسلام وتقبل الأمر الواقع. غير أن الشعب المصري كان له رأي آخر حين انتفض في 9 و10 حزيران (يونيو) رافضاً استقالة جمال عبد الناصر. هذا التحرك كان رفضاً للهزيمة ودعوة للصمود واسترداد الأرض. ومن ثم شرع عبد الناصر في إعاده بناء الجيش وفي مدى أسابيع كانت القوات المصرية تهاجم مواقع إسرائيل في البر والبحر وبدأت بذلك حرب الاستنزاف التي كانت الأساس الذي سيتطور إلى حرب 1973 التي استعادت خلالها القوات المصرية الثقة في النفس، ومن ثم فُتِحَ المجال للتسوية السياسية، ورغم ثمنها، إلا أنها أدت في النهاية إلى استعادة مصر سيناء. أما الحدث الثالث فكان ثورة 25 كانون الثاني (يناير) 2011 حين انتفض الشعب المصري في شكل تلقائي ضد نظام رآه سلطوياً وانتهى خصوصاً في عقده الثالث إلى نظام راكد وفاسد. غير أنه رغم الآمال الكبار التي تعلقت بالثورة، إلا أنها ما لبثت أن تحولت إلى شتاء عاصف. ومرّت مصر بمرحلة من الفوضى وغياب الأمن والتراجع الاقتصادي وضغوط المطالب الفئوية، وهو المناخ الذي استثمرته جماعة «الإخوان»، ففازت في الانتخابات النيابية ثم الرئاسية عبر إجراءات وصفت بالنزيهة، تماماً مثلما انتخب الشعب الألماني وهو شعب عظيم ادولف هتلر عام 1933. وعلى مدى عام حكم «الإخوان»، كان المصريون يراقبون كيف أنه يعمل على تغيير هوية مصر الحضارية التي قامت على مدى قرنين على الحكم المدني، والانفتاح والتسامح والتعايش، كما بدا أنها تقوض مؤسسات الدولة وليس لديها خبرة في إدارة الحكم وهو ما انطلقت معه ثورة حزيران (يونيو) 2013 رافضة «حكم المرشد». ومثلما استجابت القوات المسلحة لأماني «ثورة يناير»، فإنها تعاطفت مع «ثورة يونيو»، حين أدركت أن «الإخوان» يقودون البلاد إلى حرب أهلية، الأمر الذي تطوّر إلى إطاحة حكم الإخوان وبروز نظام يحظى بقبول شعبي واسع. وهكذا تعيش مصر على مدار الخمسة أعوام الماضية في ظل هذا النظام الذي يعيد بناء الدولة ومؤسساتها. ونتصور أنه من التحديات الرئيسة التي تواجه ذلك النظام، هو الاستيعاب والاستفادة من دروس خبرات مصر على مدى الستين عاماً الماضية، إذ تمثل ثورة 30 حزيران (يونيو) 2013 الفرصة الأخيرة لمصر للشروع في عملية بناء مستدامة تحقق التقدم والنهضة الشاملة.
المصدر : الحياة
 
لإضافة أي تعليق عليك أن تكون مسجلاً أو إضغط هنا للتسجيل
 
تعليقات سابقة
 
لا يوجد تعليقات على هذا الخبر