الاربعاء في ١٨ تموز ٢٠١٨ ، آخر تحديث : 11:49 م
YouTube Twitter Facebook RSS English French Portuguese
انتخابات مصير لبنان!
 
 
 
 
 
 
١٤ نيسان ٢٠١٨
 

::بول شاوول::

يبدو أنّ إطلالات السيد حسن نصرالله التلفزيونية، أو تصريحاته في وسائل الإعلام الأخرى، باتت غزيرة، ومتنوّعة، ومناسبة جداً في هذا الموسم الانتخابي الاستثنائي. مرّة يركّز على منطقة بعلبك والهرمل (حيث أدخل جميل السيد في لائحة الحزب، كعضو شرف، وبادرة «شكر» جديد لسوريا الأسد)، وأخرى يركز على «المقاومة» وإن بجرعات محدودة، وأحياناً مفرطة، لكنه لا يتطرّق حتى الآن إلى كيفية تلبية قرار إيران بانخراطه في الحرب السورية ضدّ شعبها وثورته. فالذكرى أليمة، ومحرجة، من شأنها تحريك المواجع واسترجاع ذكرى ألوف الشهداء اللبنانيين الذين ساقهم الحزب دفاعاً عن مقامَي «السيدة زينب»، و«مقام الأسد».

لكن، لا بد، بالنسبة إلى السيد حسن، أن يواكب المساعي الكبيرة التي بذلها الرئيس سعد الحريري، «لمنع انهيار الاقتصاد»، من خلال المؤتمرات الدولية لدعم لبنان، إنمائياً، واقتصادياً، وسياسياً. فلماذا يترك الساحة للحريري، في هذا الميدان. فليُدلِ بدلوه «هدفنا الانتخابي منع الإفلاس». موقف رائع، وأروع منه تصريحاته بمكافحة الفساد.. وكأنّما يحاول من جهة، تبرئة الحزب من «الفساد»، وإبعاد الشبهات عنه، خصوصاً بتدمير الاقتصاد. فمطلب «مقاومة» الفساد، خصوصاً في بعلبك والهرمل، قد تضطره إلى «الذهاب» إلى هناك، لمتابعة ممارسات «الفاسدين»، وفضحهم وإدانتهم. وقد «هدّد» مرّات بقراره التوجّه إلى ميدان الانتخابات البقاعية «برغم المخاطر التي تحيط بذهابه»!

لكن لماذا هذه «الأهبة» المستنفرة التي يعتمدها السيد حسن في هذه الدورة الانتخابية؟

أسباب عديدة تتشابك، وتنعقد، في مستويات متداخلة:

إن انخراطه في الحرب السورية (بقرار إيراني طبعاً)، ومشاركة الحرس الثوري، وفيلق القدس، والميليشيات الشيعية الإيرانية والعراقية، والأفغانية.. (وجلهم مرتزقة)، لمنع سقوط بشار (يشبه اليوم منع إفلاس الاقتصاد اللبناني)، قد يكون لقي في البداية بعض الحماس لدى «شباب الطائفة»، لأن نصرالله سحرهم بشعار «حماية مقام السيّدة زينب» (الذي لم يمسّه أحد منذ مئات السنين)، فأيّدوا ذلك الإيمان العميق، والدخول في الجنّة «الجهادية» خصوصاً عندما شهدوا أن حزب الله (الذي لا يُقهر) قد نجح في الدفاع عن بشار الذي يُعتبر حامي مقام السيدة زينب، وسائر المقامات الإسلامية - الشيعية، وأنه في طريقه لاحتلال موقع سلطوي في سوريا: مشاركة النظام في مكاسب الانتصار، وتلبية رغبات إيران «مربط خيل الحزب»، ولكن ماذا يفعل هؤلاء المقاتلون الجهاديون، عندما يجدون أنه برغم تضحياتهم، وزعم الحزب «انتصاره» في سوريا، فشلوا في «حماية» الأسد مستنجدين بروسيا - بوتين كمَن «يستجير من الرمضاء بالنار». إذاً إيران فشلت ومعها الحزب.

النصر المعكوس

وبعدما تربّعوا على المقاعد الأمامية للاحتفالات بالنصر، في إحدى المراحل، ورفعوا كل علاماته بالأصابع، والأنوف، والأصوات والأقدام، ها هو «أسد - إيران» مُهدّد بالسقوط، وها هو بوتين ينقذه، بتدخله العسكري، وأسلحته وطيرانه وأساطيله. لكن الثمن لا يقبضه سوى «الرابح» الأخير؟ سوى بوتين: ثمن مشاريع الإعمار في سوريا (بمئات المليارات)، «حُرمت» منها إيران. وقد هاجم العديد من المسؤولين الإيرانيين سياسة «الاستئثار الروسية»، فطلعوا من «المولد بلا حمص، ولا باذنجان ولا فول ولا قضامي..».

الانتكاسة المزدوجة

هذه الانتكاسة المزدوجة للحزب، انعكست على بيئته التي قدّمت ألوف الشهداء والجرحى من شبابها، لكي لا تحصد في النهاية سوى «الهشيم»، و«الهباء». إذاً، اهتزّت المفاصل الاجتماعية في كانتونه الذي بايع الحزب «بالدم والروح»، وتخلخلت هذه القواعد الشعبية، وبدأت تطلع الأصوات همساً، ثم عالياً، مُدينة انخراط الحزب بالحرب السورية واشتداد «قبضته الأمنية - القمعية» عليها. والدليل الدامغ، «الانتفاضة الشعبية» ضدّ الحزب نفسه، وضدّ السيد حسن نصرالله بالذات: ماذا فعلت بشبابنا؟ أيموتون من أجل بشار؟ الأصوات مدوية هذه المرّة، واجهها الحزب بغباء شديد عندما «خطف» بعض المتظاهرين البارزين، وحمّلهم نسخة مستنسخة من صورة السيد حسن، ولقّنوا تحت التهديد تعابير التوبة والذل، كجوقة تعزف جملة واحد «نبوس قدمي السيد حسن»، «نقبّل صوره، وظله....»...

الكانتون المهتزّ

إذاً، وضع الكانتون الحزبي لم يعد كما كان، ولا صورة السيد حسن. ونظن أن كثيرين من بيئته بعدما كانوا يكنون التقدير والثقة والتقدير للحزب، تبدّل موقفهم من «الإيمان» به إلى «الخوف منه». ويعني ذلك «خلخلة» التصويت في الانتخابات، سواء في الضاحية، أم في الجنوب، أو في البقاع. وهذا ما هزّ مفاصل الحزب: أن يظهر هذا التحوّل الشعبي - المذهبي في صناديق الاقتراع. إذاً، فلنحاول أن نكثر من الشعارات، والوعود، والزيارات، (هل سيزورون منازل أهل الشهداء الشبان؟)، ولنرفع النبرة، وننوّع المطالب.

.. وأولياء الأمر

إلى هذه الهزّة الشعبية - العسكرية وتفاعلاتها، يريد السيد حسن أن يطمئن أولياء أمره في إيران بأنه «مُسيطر على الوضع»، وأن لا شيء تغيّر أو انقلب. فالناس ما زالت كما عوّدها أن تكون، طيّبة، مطيعة، منساقة، مؤمنة، لا تسأل ولا تنتقد ولا تتبرّم ولا تبدّل «مبادئها» الثابتة!

... والفساد!

أما شعاره المكرّر «محاربة الفساد»، فيعني الكثير بالنسبة إليه. فبيئته اكتشفت أيضاً أن جزءاً كبيراً من الفساد السائد، والفضائح (في الكهرباء مثلاً)، أبطاله إما في الحزب (وزراء) أو من «حلفائه». وأن هناك شريحة منه، باتت تفيض النعمة عليها، والثراء يلمع في طرق عيشها: طبقة الحزب الفوقية غنى، فساد، وترف، والقاعدة اشتد فقرها، لا سيما وأن خزان المقاتلين من هذه الطبقة الفقيرة.

وعلى هذا الأساس، شهر السيد حسن شعار «مقاومة» الفساد، و«ممانعته»، لكي يحجب الأنظار عن مفاسد الحزب وصفقاته. ونظن أن بعض الفضائح التي تفجّرت علناً هي مصانع الكبتاغون والمخدرات التي تتم تحت مرأى الحزب، ورعايته، وكذلك فضيحة «تزوير الأدوية» من المقرّبين المقرّبين من قياداته: المخدرات والحرب لقتل الشباب، وتزوير الأدوية لقتل الجميع! والأغرب: أن الحزب لفلف هاتين القضيتين، وعمل على منع وصولهما إلى القضاء!

فالناس تقول: إنّ مَن يريد أن يكافح الفساد، فليبدأ من نفسه ومن محيطه، ومن أزلامه، ومن المفسدين في صفوفه، بدلاً من رمي المسؤولية على سواه.

بيئة الحزب باتت تعرف كل ذلك، وإن حاول هذا الأخير شراء «سكوتها»، بترك بعضها يرتكب مخالفات، في البناء، والاعتداء على أملاك الدولة، والمشاع.. ليسترضي الناس بإفسادهم!

استنفار نصرالله

لكن ما الذي استنفر حقاً السيد حسن للتركيز على دائرتي بعلبك والهرمل؟ طبعاً، هناك تململ كبير في صفوف كانتونه. وهذا ما أشرنا إليه عموماً. لكن هناك أسباب أخرى تتعلق بتصوّرات الحزب المقبلة وتتجسّد بخطط الثنائي الأثيري بشار وخامنئي. فبعدما أدّت حرب الأول على شعبه إلى تقسيم سوريا إلى خمسة احتلالات خارجية: إسرائيل (الجولان)، روسيا، تركيا، إيران، وبات هو من سكان المربع «الأمني» المحدود، وبعدما أدى فساد الثاني (خامنئي) إلى تدهور الأوضاع الاقتصادية في إيران وتهاوي العملة المحلية، وازدياد البطالة، ها هما، يريدان أن «يقطفا» هزائمهما في «بلديهما» لبنان، عبر هذه الانتخابات. فحُكم «الوصاية» السابقة بدأ «يظهر» من خلال الترشيحات، وكذلك نوازع الانتقام من خصومه في لبنان يشتد سعيرها، فلماذا لا «يشارك» الأسد «بودائعه»الذهبية الثمينة في اللوائح الانتخابية، فيكون عنده جميل السيد مثلاً، أو عبدالرحيم مراد، أو زاهر الخطيب، أو وئام وهاب أو حتى المتواطئ مع انقلاب القمصان السود نجيب ميقاتي.. و«حزب الله» جاهز لهذه «العودة»، عودة رفاقه في المقاومة و«الممانعة». وهكذا، يمكن أن يتحضّر الفريقان، بحلفهما المقدّس، العروبي، الديموقراطي، الوطني، لوضع خطط انقلاب جديد، عبر صناديق الاقتراع.

وجميل السيد

وهناك سبب آخر غير معلن يرتبط بهذا الحماس الفائق بوصول جميل السيد إلى البرلمان وهو «المحكمة». فقد يُستدعى السيد كشاهد أو كمتهم، وهو خزّان معلومات، والحصانة النيابية هي التي تحميه من هذا الاستدعاء. فاهتمام «السيد» بالسيد مزدوج: حصان طروادة بشار والمرشح لدخول «المحكمة». هذا ما يفسّر تعميم الحزب على الناخبين بضرورة وضع اسم جميل السيد كاسم تفضيلي مفضّل.

لكن هل يكتفي الحزب بشهر سلاح «الإقناع» بالحسنى على الناخبين في المناطق، أم سيلجأ كعادته إلى لغة التهديد والوعيد والتخوين والمذهبية المفرطة، والعنف؟

هذا احتمال كبير، شهدنا أحد فصوله في اتهام المرشح السابق الجوهري زوراً وتوقيفه، ليكون عِبرة لسواه. العنف والقضاء والتخوين والرشوة، أسلحة فتّاكة، تفعل أفعالها، وتجترح «معجزاتها»..

مصير لبنان

.. إن هذه الدورة من الانتخابات لا تطرح في العمق مصير المرشحين والناخبين فقط، بل لبنان ومصيره وجغرافيته ودولته وحدوده. فأعداء لبنان السيادي - الاستقلالي - المتعدّد - النائي بنفسه عن حروب الآخرين، سيستغلون هذه المناسبة للتكشير عن أنيابهم، ومحاولة تغيير صورته، وبرلمانه وحكوماته، ومؤسساته، بما يشبه الانقلاب الجذري هذه المرة. فها هو الأسد، برغم كل أوضاع «بلده» المدمّر وشعبه المهجّر، واحتلال خمس دول لأرضه، كامل الجهوزية، وعارم «الشغف» بعودته إلى بلاد الأرز بمعيّة حزب إيران.

من هنا، إن هذه المعركة أكبر من معظم الشعارات التي تُرفع يافطاتها وصورها: معركة كينونة البلد... ومصير شعبه!

إن شعارها العميق العميق يتمثّل بمخططات أسدية - خامنئية.. للإطباق على البلد وخنقه، والسيطرة على مقدراته ومسح ديموقراطيته وعروبته وحرياته!
المصدر : المستقبل
 
لإضافة أي تعليق عليك أن تكون مسجلاً أو إضغط هنا للتسجيل
 
تعليقات سابقة
 
لا يوجد تعليقات على هذا الخبر