الثلثاء في ١٤ اب ٢٠١٨ ، آخر تحديث : 06:41 م
YouTube Twitter Facebook RSS English French Portuguese
مئويّة رائد العروبة جمال عبد الناصر
 
 
 
 
 
 
٢٧ كانون الثاني ٢٠١٨
 
للمرّة الأولى تحتفل مصر بعبد الناصر، رسمياً بعد رحيله، بمناسبة مئوية ولادته. مُعظم الصحف والمجلات وأقنية التلفزيون، خصّصت المساحات الواسعة والأغلفة، والبرامج، إحياء لذكراه، وبعثاً لدوره، ومساره، وشخصيّته، وثقافته، ومواقفه، وتاريخ ثورة الضباط عام 1952. ضابط شاب قرّر مع حفنة من زملائه «الأحرار»، تغيير وجه مصر السياسي والاجتماعي والثقافي والعسكري، بانقلاب ناجح على الملك فاروق. جمهورية بدَل ملكيّة. اشتراكية بديل اقتصاد منهار، «حريّة» بدَل استعباد، تحرّر بدَل تبعيّة، سيادة بدَل استعمار، الشعب بديل البلاط... العدالة بديل الظلم الاجتماعي. الجماهير بديل النخب الحاكمة. إنها عناوين كبيرة أعلنها "الضباط الأحرار" عندما أعلنوا جمهوريّتهم الجديدة.

لكن المفارقة، أنّ انقلاباً «سلمياً» يقوده عسكر، نجح بلا قتل ولا دم. كأنّها أول ثورة في التاريخ تتمّ بلا حروب، ولا إعدامات، ولا محاكمات. أوّل ثورة شاملة تحدث من فوق، وتتحوّل ثورة من تحت. في نهاية القرن الثامن عشر، اندلعت الثورة الفرنسية (أمّ الثورات)، لخلع الملكية، بعناوين ومضامين ثقافية واجتماعية وعلمانية لتضرب الإقطاع الديني، والطبقي، والسياسي. لكنّها غرقت في الدماء وفي نزاعات مسلّحة على امتداد أكثر من 90 عاماً حتى (1885)، ونتعرّف هنا للمرّة الأولى على طغاة دمويين أمثال روبسبيير ودانتون وعلى انقلابات ضمن الثورة الواحدة، وسقوط عشرات ألوف الضحايا. الثورة الفرنسية بدأت شعبية، وتحوّلت دكتاتورية تحت ظل المقاصل والسجون والاغتيالات (قتل أبطال الثورة أو أعدموا كدانتون أو روبسبيير)، ثم تتالت المناوبات المضادة. عودة الملكية مرّات، ثم تهالك بين أطراف الثورة ونقيضها: ثورة مُسرحت تحت أثقال المقاصل وقطع الرؤوس. وهناك شبيهتها في القرن العشرين المستوحاة منها، في محتوياتها، ضرب الإقطاع الديني، والطبقي؛ بدأت ثورة شعبية عارمة في كل أطراف روسيا، وتحوّلت مع لينين انقلاباً على الثورة الجماهيرية، لتسمى «انقلاباً ثوريّاً».

وعلى غرار الثورة الفرنسية، انشقّت عناصرها، البولشفيك (الحمر)، والمنشفيك (البيض). الأولى أقلية، والثانية أكثرية ربحت الانتخابات الديموقراطية. هنا بالتحديد جاء لينين من منفاه (متهماً بالعمالة لألمانيا)، ليحوّلها حرباً أهلية، لتصفية الأكثرية الديموقراطية الاشتراكية، ويسيّرها بعقلية سياسية براغماتية، أدت إلى فوز «السوفيات» أي البولشفية، وإعلان أول دولة توتاليتارية في العالم، صفّت كل الأحزاب لخدمة الحزب الواحد، والزعيم الواحد، على حساب عشرات ألوف الضحايا.

فالثورتان الكبريان اللتان سبقتا ثورة الضباط الأحرار يجمعهما انطلاقهما كإرادة شعبية مقهورة، مستلبة، تتحول مسرحاً دموياً. الثورتان تعمّدتا بالدم: قتل ملك فرنسا في الثورة الفرنسية، وإعدام القيصر وعائلته. إذاً، المثالان اللذان سبقا ثورة "الضباط الأحرار"، يحملان كل ملامح العنف، والقطيعة، والانتقام، والإلغاء. فهل اهتداهما عبد الناصر وضباطه وكبيرهم الجنرال محمد نجيب، (أول رئيس جمهورية لمصر)، في معالجة الوضع؟ لا!

لم يحاكم الملك فاروق محاكمة ميدانية شكلية، ثم يعدم.. على العكس تماماً. فبعد مناقشات حادة بين مجلس الضباط ظهر انقسام: فئة تريد محاكمة الملك فاروق وتصفيته، وأخرى تضم عبد الناصر رفضت إهراق الدم. ولما احتدم النقاش قال عبد الناصر «الدم يردّ بالدم، والدم يستجلب الدم». (وذكّرهم بنهاية رواية تشارلز ديكنز) «قصة مدينتين». رجحت كفّة عبد الناصر، وتقرر ترحيل الملك في باخرة جاهزة: خذ ما تريد وارحل: ثلّة من العسكر أدّت التحية للملك فاروق، ثم ذهب ولم يُعد. كل ذلك بفضل الانحياز «الثقافي» لعبد الناصر عندما رجع إلى تشارلز ديكنز. وهو كما هو معروف عاشق لفولتير (فيلسوف الحرية) ولجان جاك روسو. وقد كتب عن الأول في بداياته مقالة، حيّا فيها هذا الفيلسوف الحُر. مرجعيته الأساسية ثقافية. لأنه قارئ كان يبحث عن انتماء. أقصد انتماءً إلى الأفكار المحررة، والتحريرية، والاجتماعية. أي ثورة شاملة، استمد عناصرها من مفكري النهضة الأوروبية، ومن «السلفيين» المتنورين كمحمد عبده، والأفغاني، وبعدها طه حسين، وتوفيق الحكيم.

اللحظة المغايرة

من هنا، فإن عبد الناصر كان لحظة مغايرة في تاريخ الثورات العالمية. أخذ منها ما أخذ، ورفض منها ما رفض. ونظن أنّ هذه المغايرة لا تنعكس فقط على المرجعيات الماضية، بل على كل الحركات الانقلابية التي تمت، إما بوحي من الناصرية (القذافي، الثورة اليمنية)، أو البعثية (النظامان البعثيان السوري والعراقي). وإذا كان من خصائل انقلابه (تحول ثورة)، الابتعاد عن العنف والدم، فإن معظم الأنظمة التي قلبت الملكية، أو الليبرالية التي سبقتها، بقيت مجرد انقلابات عسكرية، نخبوية، ثقافية، فكرية (القومية العربية + الاشتراكية + التحرر+ الحرية) لكن تضرجت بالدم والتصفيات. في سوريا، برز حزب ميشال عفلق وأكرم الحوراني.. البعث (شعارات الوحدة العربية، التحرر من الاستعمار، السيادة الوطنية... المرجعيات الفكرية)، لكنها انحازت إلى النموذج اللينيني، ثم الستاليني: من ضمن عنصر مشترك لدى الكل، بما في ذلك الناصرية، سلطة الحزب الواحد، واختزال الصحافة، والإعلام، وتكميم الأفواه، ودكتاتورية الشخصيانية الطاغية.

بمعنى آخر، سادت بين الخمسينات والسبعينات انقلابات عسكرية، بدأ معظمها بمضامين وشعارات كبرى، وانتهى هياكل سلطوية، سياسية، مفرغة، ويتحوّل نظام الحزب الواحد مع تقادم هؤلاء في السلطة، نظاماً مناطقياً، أو طائفياً، مذهبياً، ثم عائلياً... من دكتاتورية الحزب الواحد إلى تسلّط المذهبية الواحدة: سوريا (العلوية)، العراق (السنية)، فإلى طغيان الدكتاتور وأبنائه، وأقاربه وأهل منطقته: في سوريا سيطرت عائلة الأسد على كل مقدّرات البلد. ومثلها في العراق عائلة صدّام، وعلى غرارهما عائلة القذافي، فعائلة علي عبد الله صالح... وصولاً إلى قلب الثورة المصرية! حسني مبارك وعائلته.

إذاً، تدرّج الأمر من الجبهة الوطنية، (كواجهة) إلى الحزب «الإيديولوجي» الواحد، فإلى المناطقية الجغرافية، فإلى العائلية البيولوجية. من ثورة اجتماعية إلى مسار سُلالي فاسد.

المثال

فهل حدث ذلك مع عبد الناصر؟ إطلاقاً. لكن الرئيس العروبي بقي «مثالاً» لهؤلاء: فصدّام حسين بعد انتصاره على إيران في حرب مدمّرة، أراد أن يكون عبد الناصر الجديد، المحرّر، المنتصر. والقذافي الذي تأثر بقول عبد الناصر له بعد انقلابه «تذكرني بشبابي»، فأراد أن يكون عبد الناصر لكن «كفيلسوف» ومفكر «الكتاب الأخضر» إلى كتاب الطاغية ماوتسي تونغ «الكتاب الأحمر». لكن شخصية الرئيس مختلفة عنهم جميعاً. صحيح أنّ الجميع انطلق من خلفيات «ثقافية سياسية، متشابهة، لكن عبد الناصر بقي، دكتاتوراً (نعم، دكتاتوراً) لا ليس من صنف حافظ الأسد وصلاح جديد، ولا من صنف صدّام حسين، ولا حتى من صنف لينين، أو تشاوشيسكو...

وصحيح أيضاً أنّ عهد عبد الناصر شهد بعد استتباب الثورة انحرافاً عن شعاراتها، ومضامينها، ومظاهر فساد، واستبداد الأجهزة، وصراعاً مع المثقفين، بين أخذ وردّ، واعتقال العديد من الكتّاب والشعراء والمفكّرين وصحيح أنّه طارد الإخوان المسلمين (حاولوا قتله بتحريض من الولايات المتحدة، في عهد إيزنهاور) إلاّ أنّه احتفظ من ناحية أخرى بعلاقات مقبولة، بالأوساط الثقافية، كتوفيق الحكيم، وعدد من السينمائيين، والفنانين، وتدخل أحياناً كثيرة، للسماح بعرض أفلام منعوها مثلاً "شيء من الخوف" الذي رأى بعض السلطة أنه يصوّر عبد الناصر رئيس عصابة. لكن بعدما شاهد عبد الناصر الفيلم سمح بعرضه (نتذكر شادية ومحمود مرسي في أجمل أدوارهما). وعندما منع أحد الضباط أغاني أم كلثوم في الإذاعة، وحوربت، تدخّل عبد الناصر وعندما سأل الضابط «لماذا منعت أغاني أم كلثوم؟» قال «لأنها تنتمي إلى العهد البائد»، فأجابهم عندها «والأهرامات تنتمي أيضاً إلى العهد البائد، فلماذا لا تحطّمونها؟». وعندما أُقيل توفيق الحكيم من إحدى الإدارات في حملة تطهير، ورأى عبد الناصر اسمه بين المطرودين، جنّ جنونه. قالوا له «إن توفيق الحكيم، كسول وخامل لا يؤدي عمله كما يجب». أراد عبد الناصر إقناع الوزير بإعادة توفيق الحكيم، ولما رفض أقاله.

حتى نجيب محفوظ وكتابه «أولاد حارتنا»: نشره في «الأهرام» في حلقات وفي الحلقة السابعة عشرة، هبّ المحافظون وبعض رجال الدين وطالبوا بوقف نشره، لأنه «يمسّ الدين». أما عبد الناصر فأمر أن تكمل «الأهرام» نشر الكتاب. وعندما أراد محفوظ إصداره في مصر جاء من يقول له من قبل عبد الناصر «من الأفضل نشر الكتاب خارج مصر» وهذا ما حصل. نشر «أولاد حارتنا» المتّهم بالإلحاد في بيروت.

الجانب الآخر

كل هذا يوحي بالجانب الآخر من شخصية «الدكتاتور»، من دون أن ننسى أن تأميمه قناة السويس، وجلاء الإنكليز عن مصر، وبناء السد العالي، وتوزيع أراضي الباشوات على الفلاحين، وتحويل المجتمع كله فضاءً عاماً مرتبطاً بالدولة، ومن ثمّ العدوان الثلاثي (بعد تأميم قناة السويس): إسرائيل، فرنسا، إنكلترا، لتعزز كلها شعبيته العربية، ليكون زعيم العروبة - العلمانية، وهو أول زعيم عربي يخترق كل البلدان العربية كتسونامي جماهيري غير مسبوق. ونظن أن تاريخ عبد الناصر واشتراكه في حرب فلسطين عام 1948، وإصابته بجرح، وقيام إسرائيل، كلها، كانت ديدبان ناصر: وإذا كان من ضحية كبرى للقضية الفلسطينية فهو عبد الناصر. ثورة "الضباط الأحرار" تفجرت بعد قيام الكيان الصهيوني، وغزو إسرائيل البربري لها، وتهجير مئات الألوف من سكانها... ونظن أنّ حركة "الضباط الأحرار" انطلقت في حركة تغييرها من هذا الواقع العدواني، وعجز العرب عن صدّه، واكتشاف أن أسلحة الجيش المصري الذي شارك في الحرب فاسدة (كشف الكاتب احسان عبد القدوس هذه الفضيحة).

إذاً فلسطين في قلب الهمّ لدى الرئيس عبد الناصر. وبعد 1948 و«العدوان الثلاثي»، اندلعت حرب 1967 وكانت الهزيمة الكبرى: وصول إسرائيل إلى قلب مصر واستيلاؤها على القدس الشرقية، واحتلالها أراضٍ عربية أخرى.

فهل وقع عبد الناصر في الفخ وفي الاستدراج لحرب لم يتهيّأ لها كما يجب (بعد خسائره في حرب اليمن؟) أهي مؤامرة دولية متفق عليها بين السوفيات وأوروبا وأميركا وإسرائيل؟ كأنما خاضها عبد الناصر وحيداً، (تماماً كما هي فلسطين اليوم) وكان الضحية الكبرى لها. لكن ألم يكن عبد الناصر الزعيم العربي الوحيد الذي اعترف بهزيمته، واستقال؛ وماذا كانت ردة فعل الجماهير؟ نزلوا إلى الشوارع بمئات الألوف وصرخوا «لا». لا تستقل! نحن معك، وأنت معنا.

وقد تكون هي المرة الأولى في التاريخ الذي يتمسك الشعب فيه بقائد خسر الحرب. وقد صوّر هذه الملحمة الشعبية يوسف شاهين في فيلم «العصفور».

وحافظ الأسد

في المقابل أمر النظام السوري بقيادة البعث (حافظ الأسد وزير الدفاع أمر الجنود بالإنسحاب من الجولان قبل وصول الجيش الإسرائيلي)، وقال إنّ إسرائيل أخذت الأرض وفشلت في إسقاط النظام. أي إنه انتصر على إسرائيل لأنّ النظام بقي «صامداً»... ولتذهب الأرض إلى الجحيم.

حتى في اللحظة التي توفى فيها عبد الناصر بعد انتهاء «مؤتمر الرؤساء العرب» كان ينشط ويعمل من أجل فلسطين (عنوان المؤتمر). وكان الأطباء قد منعوه من إتعاب قلبه، في العمل، والإجهاد لأنّ ذلك يهدّد حياته. مع هذا، حملَ حياته المجهدة وشارك في المؤتمر... وبعدها لفظ آخر أنفاسه. مات وهو يفكّر بفلسطين. مات وهو يعيد بناء جيشه، وقوّاته، للردّ على الاحتلال الإسرائيلي. في عزّ بأسه كان حالماً. في عزّ هزيمته كان مفعماً بالأمل في تحرير فلسطين والأراضي العربية المحتلة. أوَليس هوَ مَن ساند منظمة التحرير الناشئة في علاقاته الدولية كممثّل للشعب الفلسطيني؟

والمفارقة الرائعة أنّ عبد الناصر كان يملك في البنك حساباً بمئة وخمسين جنيهاً بعد موته.

هذه هي كل ثروته. أكبر زعيم عربي لم يورّث أولاده وزوجته شيئاً سوى تاريخه.

والسادات

لكن رحيل عبد الناصر ومجيء السادات بعده، كانا نقطة تحوّل كبيرة على صعيد جوهر الثورة، والحكم، والعلاقات الداخلية، والخارجية: مجيء السادات كان انقلاباً جذرياً على الناصرية، والاشتراكية والقضية الفلسطينية، والظواهر الدينية... والمراتب الاجتماعية... وقد سعى السادات لتدمير إرث عبد الناصر الطليعي أولاً، والعروبي، والنضالي، وتشويه صورته، بتمويل أفلام ضد عهده، ورسمه كطاغية، نشر الرعب والخوف والاستبداد والهزيمة في مصر، وقد عرفنا ذلك في عدّة أفلام مصرية. (لا ننسى هنا فيلم «الكرنك» أو حتى «اللص والكلاب» لنجيب محفوظ. وانتقد صورة السلطة من الرئيس العلماني إلى أنور السادات «الرئيس محمد أنور السادات». ومَن لا يعرف كيف نمّى السادات الظواهر الطائفية ليحارب بها الناصرية، وكيف حاول زرع بذور الفتنة بين الأقباط والمسلمين بأحداث مفتعلة؟ وانتقلت مصر من «قلب العروبة» ومحجّها، إلى الأطراف: كأنما فقدت «زعامتها» التي بناها عبد الناصر بأفكاره، وبأفعاله وشخصيّته الكاريزماتية المذهلة.

بعد رحيل عبد الناصر، طفت كأيام الجفاف، أنواع التطرف الديني والأمني في مصر، وتراجعت فكرة «العروبة» أمام استنهاض الهويات المذهبية والدينية كبدائل من علمانية عبد الناصر. كأنه التفتت من تحت، ومن فوق... وأشكال التفكك على صعيد الدولة المصرية... وظهور الإخوان المسلمين من جديد، ليثأروا ممّن حدّ من نفوذهم وانتشارهم.

ولنستعرض المسألة منذ رحيل عبد الناصر حتى اليوم لنرى بوضوح كيف انهار كل ما هو تنويري وثقافي وعقلاني وديموقراطي ووطني في العالم العربي.

كان يمكن أن يعود عبد الناصر مع الربيع العربي (رفعوا صوره في الميادين في مصر)، لكن حوّله الطغاة إلى حروب مذهبية، وأدى إلى تساقط عدد منهم... كبن علي والقذافي ومبارك.. وبشار الأسد.. تمّ كل ذلك بذهنية العنف والفتن المذهبية، واستجلاب الاحتلالات الأجنبية، أي انتقلت صورة عبدالناصر الثوري السلمي، إلى صورة أخرى صنعها طغاة الأنظمة البائدة.

***********************************

مختارات من قصائد إلى عبد الناصر

لا وقت للبكاء

أمل دنقل

لا وقت للبكاء

فالعلم الذي تنكسينه.. على سرادق العزاء

منكس في الشاطئ الآخر،

والأبناء..

يستشهدون كي يقيموه.. على «تبة»،

العلم المنسوج من حلاوة النصر ومن مرارة النكبة

خيطاً من الحب.. وخيطين من الدماء

العلم المنسوج من خيام اللاجئين للعراء

ومن مناديل وداع الأمهات للجنود:

في الشاطئ الآخر..

ملقى في الثرى

ينهش فيه الدود،

ينهش فيه الدود.. واليهود

فانخلعي من قلبك المفئود

فها على أبوابك السبعة، يا طيبة..

يا طيبة الأسماء:

يُقْعَى أبو الهول،

وتُقعى أمة الأعداء

مجنونة الأنياب والرغبة..

تشرب من دماء أبنائك قربة.. قربة

تفرش أطفالك في الأرض بساطاً..

للمدرعات والأحذية الصلبة

وأنت تبكين على الأبناء،

تبكين؟

يا ساقية دائرة ينكسر الحنين..

في قلبها، ونيلك الجاري على خد النجوع

مجرى دموع

ضفافه: الأحزان والغربة،

تبكين؟ من تبكين؟

وأنت - طول العمر - تشقين، وتحصدين..

مرارة الخيبة

وأنت - طول العمر - تبقين، وتنجبين..

مقاتلين.. فمقاتلين.. في الحلبة

***

الشمس (هذه التي تأتي من الشرق بلا استحياء)

كيف ترى تمر فوق الضفة الأخرى..

ولا تجيء مطفأةْ؟

والنسمة التي تمر في هبوبها على مخيم الأعداء

كيف ترى نشمها.. فلا تسد الأنف؟

أو تحترق الرئة؟

وهذه الخرائط التي صارت بها سيناء

عبرية الأسماء

كيف نراها.. دون أن يصيبنا العمى؟

والعار.. من أمتنا المجزأة؟

.. والطفلة الصغيرة العذبة

تطلق - فوق البيت - «طيارتها» البيضاء

كيف ترى تكتب في كراسة الإنشاء

عن بيتها المهدوم فوق الأب.. واللعبة؟

وأمي التي تظل في فناء البيت منكبة

مقروحة العينين، مسترسلة الرثاء

تنكث بالعود على التربة:

رأيتها: الخنساء

ترثي شبابها المستشهدين في الصحراء

رأيتها: أسماء

تبكي ابنها المقتول في الكعبة،

رأيتها: شجرة الدر..

ترد خلفها الباب على جثمان (نجم الدين)

تعلّق صدرها على الطعنة والسكين

فالجند في الدلتا

ليس لهم أن ينظروا إلى الوراء

أو يدفنوا الموتى

إلا صبيحة الغد المنتصر الميمون
المصدر : المستقبل
 
لإضافة أي تعليق عليك أن تكون مسجلاً أو إضغط هنا للتسجيل
 
تعليقات سابقة
 
لا يوجد تعليقات على هذا الخبر