الاثنين في ١١ كانون الاول ٢٠١٧ ، آخر تحديث : 09:08 م
YouTube Twitter Facebook RSS English French Portuguese
السنيورة في افتتاح معرض الكتاب: في المِحَن ينبغي العودةُ إلى المبادئ والأسس
 
 
 
 
 
 
١ كانون الاول ٢٠١٧
 
أكد رئيس كتلة "المستقبل" الرئيس فؤاد السنيورة أننا "وبعد عدة عقودٍ حافلة بالأحداث السارّة في بعضٍ منها والمُحْزنة في بعضِها الآخر مازلنا صامدين وَنُصِرُّ على الاستمرار على مسارات تحقيق النهوض الثقافي اللبناني والعربي".

وقال: " صار الناشرون مئاتٍ بعد أن كانوا عشرات وصارت بيروت
إلى جانب القاهرة الجناحين اللذين لا تطيرُ الثقافةُ العربية إلاّ بهم"ا.

وشدد السنيورة على ضرورة العودة الى المبادئ والأسس إلى المرتكزات في المِحَن إلى الملح الذي نملِّحُ به خُبْزَنا حيث ليس لنا في مواجهتها على المستوى العربي إلاّ التأكيد على فكرة العروبة الديمقراطية الجامعة والمستنيرة والمتقبلة والمحتضنة للآخر المختلف.
اضاف:" علينا أن نُحقِّقَ هذا النهوضَ من أجل أن نُواجهَ آفات التعصب
والتشدد والمذهبية والعنصرية ونتغلب عليها ولا يكونُ ذلك إلاّ بالعودة للعروبة المدنية التي تجمعُ ولا تُفرِّق وتحضُنُ ولا تُحاصِر".

كلام الرئيس السنيورة جاء في كلمة له في افتتاح المعرض العربي الدولي للكتاب في البيال ممثلا رئيس مجلس الوزراء سعد الحريري وفي ما يلي نص الكلمة:
"الإخوة في النادي الثقافي العربي،
السادة في نقابة الناشرين واتحاد الناشرين العرب،
أيها المثقفون،
أيها الحضور الكريم،
أحمل إليكم تحيات دولة الرئيس سعد الحريري، الذي حالت ظروف وجوده خارج لبنان دون مشاركتكم الاحتفال اليوم بهذا العرس السنوي للكتاب.
منذ ستين عاماً، نقف أجيالاً تلو أجيال، من على هذا المنبر، لنتحدث عن شؤون الثقافة العربية وبما يتصل أيضاً بالثقافة العالمية التي تعرِضُها بيروت، وكذلك يعرِضُها ناشروها
وكُتّابُها ومثقَّفوها، ويعرِضُها الكُتّاب والمثقفون والناشرون العرب.

كنا نمتدح بيروت باعتبارها أُمّ الشرائع، ولوجود أول مدرسةٍ للحقوق فيها، ومن جوارها أنشئت أول مطبعة في الشرق. ونحن منذ قُرابة القرن ونصف القرن، نذكر لبيروت جامِعاتِها ومدارسَها والنهوضَ الثقافي فيها المستند إلى أجواء الانفتاح والحريات التي تتميز بها والتي من أهم مظاهرها هذه الكثرة المستنيرة من مثقفيها ومفكريها، والذين تنشر لهم دُورُ نَشْرٍ بالعربية والفرنسية والانجليزية ولغاتٍ حية أُخرى. فعلى مَقْرُبةٍ من المكان الذي أقف فيه، كان هناك قبل أيام المعرض الرابع والعشرين للكتاب الفرنكوفوني والثالث عالمياً بعد باريس ومونتريـال، والذي حضره وتجوَّل في قاعاته أُلوفٌ من ذوي الثقافة الفرنسية والفرنكوفونية وعارفيها ومحبيها.
لقد صنعت بيروت النادي الثقافي العربي وصنع هذا النادي العريق معرِضَ الكتاب العربي والدولي الذي أصبح
يؤازره في ذلك اتحاد الناشرين. وعندما نهض النادي الثقافي العربي بأعباء معرض الكتاب في الخمسينات من القرن الماضي، فإنّ ذلك كان بُشرى للكثير من اللبنانيين والعرب بالنهوض الكبير الذي يعتزمُ اللبنانيون اجتراحَه والسيرَ فيه لاستنهاض الوطن والأمة. وبناءً على ذلك، فقد أقبلت سائرُ فئات اللبنانيين والعرب على التنافس البنَّاء في بيروت بالحرية والتقدم والإبداع والمثابرة. وها نحن وبعد عدة عقودٍ حافلة بالأحداث السارّة في بعضٍ منها والمُحْزنة في بعضِها الآخر مازلنا صامدين وَنُصِرُّ على الاستمرار على مسارات تحقيق النهوض الثقافي اللبناني والعربي. وها قد صار الناشرون مئاتٍ بعد أن كانوا عشرات، وصارت بيروت إلى جانب القاهرة، الجناحين اللذين لا تطيرُ الثقافةُ العربية إلاّ بهما، هذا إلى جانب محاولاتٍ جديدةٍ واعدةٍ من عواصمَ عربيةٍ أخرى. والأمل سيبقى كبيراً في عودة دمشق وبغداد لتلعب كل منها دورها الطليعي في المجال الثقافي في المشرق العربي.
أيها الإخوة والأخوات،
هناك عدة مشكلاتٍ تواجهُ الثقافة العربية والكتاب العربي. ومن أهمِّ تلك المشكلات القلّةُ النسْبيةُ للقُرَّاء، وصعوبات تصدير الكتاب وانتقاله بين الأسواق والبلدان العربية، وقلة الاستثمارات في تطوير صناعة الكتاب. بيد أنّ المشكلتين الأكبر هما: أولاً، استيلاءُ وسائل التواصل الاجتماعي على اهتمامات شبابنا وشاباتنا، بحيث تراجعت أقدارُ الكتاب الورقي وازداد قراؤه قلة. وثانياً، عدم ظهور النهوض العربي الكافي في ظلّ الأزمات والنزاعات والصراعات المتناسلة في أكثر من بلد عربي والتي تَحْرِفُنا عما ينبغي أن تكونَ عليه بوصلةُ اهتماماتنا، وبوصلة مصالحنا المستقبلية، وتمنعُنا من الاستجابة المقدّرة في تحقيق التلاؤم مع حركة العالم، ومواكبة متطلباته، ومواجهة إرغاماته. كما وعدم التلاؤم بالشكل الكافي مع ما تحتاجه مجتمعاتُنا وأجيالُنا الشابة وتحتاجه اقتصادات دولنا العربية. كذلك فإننا نشكو في السياق ذاته من عدم وجود فئات عربية مثقفة عريضة، تمضي في اجتراح النهوض العربي الجديد.
إنّ وسائلَ التواصُل الاجتماعي لا بدّ من التلاؤم معها بإكسابها مستوىً ثقافياً معقولاً، والخروج بالتدريج من حالة الفضول، رغم أهمية كونها مجالاً واسعاً للتسلية وتحفل بالإمكانيات التي تتيحها الضرورة لاستعمالها، إلى ما يؤدي إلى استنهاضٍ أفعل للجهود للمشاركة في صنع ما هو مفيد بشكل أكبر ثقافياً ومعرفياً وعلمياً لمجتمعاتنا واقتصاداتنا ولأجيالنا الشابة.

أما مشكلةُ التضاؤل الثقافي، فلا تَحِلُّها إلاّ إرادةٌ نهضويةٌ لا تأبهُ للصعاب وتتحدى إرغاماتها، وتُقْبِلُ على صُنع الجديد والمتقدم بالرغم من صعوبة الظروف التي نمر بها. وسائلُ التواصل الاجتماعي لا تُغني عن الكتاب، لكنها تُحدِّدُ فئات القراء والقراءة. أما الأَمْرُ الجَلَلُ الذي يُنقِذُ الكتابَ وصناعتَه وانتشارَهُ فهو الكتابُ ذو النوعية الجيدة والعالية في المناهج
والموضوعات، وسواءٌ أكان أكاديمياً أو مدرسياً أو إبداعياً أو ثقافياً أو علمياً، ذلك لأنه يستشرفُ الآفاق، ويبشِّر بالجديد والمتقدم ويعملُ على تطويره مناهجَ وإنتاجاً جديدين.
في كُلِّ هذه الأمور أقبل الناشرون اللبنانيون ويُقبلون على التقدم على مسارات إنجازِها. وهم يُفيدون في ذلك من التقدم العالمي، ومن إمكانيات التكنولوجيات الحديثة ووسائل التواصل الحديث لإنتاج مؤلفاتٍ غير ورقية.
لدينا هِمَّةُ الناشرين، ونحن نستشرفُ مع سائر القراء اللبنانيين والعربِ همةَ الشعراء والروائيين والباحثين والعلماء وسائر المنتمين لهذا الجِّهد الثقافي والعلمي لإطلاق حركةٍ متجددةٍ في إنتاج الكتاب. ولا يعني ذلك أنّ المحاولات ليست جاريةً أيضاً لإنجازه، فهناك بالفعل إرهاصاتٌ تُشيرُ إلى ذلك. تأملوا كيف يَحْصُلُ المبدعون اللبنانيون على الجوائز العربية والعالمية التي تتوارد عليهم كلَّ شهرٍ تقريباً على مدار العام! وتأملوا أيضاً كيف أن بإمكانهم تحقيق المزيد.
في هذا المجال، نستطيع أن ندرك أيضاً أهمية العمل الجاد والمثمر على تعزيز الجهود الحكومية وكذلك من قبل المجتمع المدني لاستعادة النهوض الوطني والتأكيد على تعزيز التميز العلمي والثقافي والتشجيع على العلم والابتكار ومكافأته لتحفيز الآخرين على سلوك ذات الطريق. وأيضاً للتشجيع على التعلم المستمر لدى مختلف الفئات العمرية لحفز عملية التلاؤم المستمر مع التطورات والتحولات.
أيها الإخوة والأخوات،

في المِحَن ينبغي العودةُ إلى المبادئ والأسس، إلى المرتكزات، إلى الملح الذي نملِّحُ به خُبْزَنا، حيث ليس لنا في مواجهتها على المستوى العربي إلاّ التأكيد على فكرة العروبة الديمقراطية الجامعة والمستنيرة والمتقبلة والمحتضنة للآخر المختلف، ولو اختلف هذا الآخر بالمعتقد والعرق والفكر والدين والمذهب. لأنه علينا الاعترافُ بهذه الفروق والاستفادة من هذا الثراء الذي يؤمنه ويُضْفيه هذا التنوعُ وهذا الاختلافُ من ضمن الوحدة.
علينا أن نُحقِّقَ هذا النهوضَ من أجل أن نُواجهَ آفات التعصب والتشدد والمذهبية والعنصرية ونتغلب عليها. ولا يكونُ ذلك إلاّ بالعودة للعروبة المدنية التي تجمعُ ولا تُفرِّق وتحضُنُ ولا تُحاصِر. العروبةُ التي لا تستسلم للخوف أو الانطواء بل تحض على الانفتاح من أجل إطلاق الجديد واستيلاد الفرص من التنوع ومن رحم المشكلات، وكذلك الاستفادة من فضيلة التسامح وكذلك الاحتضان لجميع مكونات مجتمعاتنا.
العروبة القادرة على استعادة دورها فكرةً نهضويةً إصلاحيةً تبني على المشتركات ولا تُهمِلُ ولا تتجاهلُ الفُروقَ بين دولنا وشعوبنا العربية. عروبةٌ نبنيها على التكامل وعلى العيش المشترك والمصالح المشتركة بين تلك الدول والشعوب. عروبةٌ لا يجري توظيفُها لخدمة دينٍ أو مذهبٍ أو حزب. عروبةٌ حضارية تتسع لمفاهيم التنوع والانفتاح على الثقافات الأخرى وتحتضن قيمَ الديمقراطية واحترامَ حقوق الإنسان.
أيها الإخوة والأخوات،

إذا كنتُ أُثني على الناشرين اللبنانيين ونقابتهم الذين يتعاونون مع المؤلفين اللبنانيين والعرب في إنتاج النص الجيد الورقي وغير الورقي، فمن الحقِّ الثناءُ على الجهود المستمرة للإخوة في النادي الثقافي العربي من أجل حفز جهود التحديث والتطوير المستمرين في هذا المعرض السنوي وكذلك في جهود النادي الثقافية الأخرى. هذا النادي الذي أعتزُّ بالانتماء إليه وبرئاسته في فترةٍ ماضيةٍ. وأعتزُّ أيضاً بهذا المعرض السنوي الذي يقيمه النادي والذي هو عميد المعارض العربية للكتاب، وكذلك بالنشاطات الأُخرى التي يقوم بها النادي والذي يتحوَّل بجهوده هذه إلى منتدى للقراءة وصنع الثقافة بشتى الصِيَغ والأشكال.
نحن محتاجون لهذه الجهود كلِّها، وللمؤسسات التي تهتمُّ بثقافة الشباب ولُغتِهِمْ، لكي نستطيعَ النظرَ في عيون أبنائنا وبناتنا بثقةٍ وأملٍ وتفاؤلٍ بمستقبلٍ يرتفعُ منارُهُ بالعلم النافع، والثقافة الحرة والمستنيرة، والأوطان القوية والآمنة والديمقراطية والمستقرة.
عاش معرِضُ الكتاب العربي والدولي في بيروت.
عاش النادي الثقافي العربي.
عاشت بيروت منارةً للثقافة.
عشتم وعاش لبنان".
المصدر : المستقبل
 
لإضافة أي تعليق عليك أن تكون مسجلاً أو إضغط هنا للتسجيل
 
تعليقات سابقة
 
لا يوجد تعليقات على هذا الخبر