الاربعاء في ١٣ كانون الاول ٢٠١٧ ، آخر تحديث : 06:58 ص
YouTube Twitter Facebook RSS English French Portuguese
الاستفتاء الكردي فرصة للإصلاح كردياً وعراقياً
 
 
 
 
 
 
١٦ ايلول ٢٠١٧
 
هناك حقائق تاريخية ذات صلة:
العراق كيان سياسي حديث أفرزته نتائج الحرب العالمية الأولى. وتاريخياً لم يكن العراق بحدوده الحالية كياناً سياسياً مستقلاً، بل كان مصطلحاً جغرافياً اختلف في تعريف معنى كلمته، بين اعتبارها عربية تعني مناطق قرب البحر، أو كونها من كلمة الأعراق حيث يسكن العراقَ خليط عرقي، واعتبرها آخرون كالخوارزمي فارسية، أو سومرية من كلمة أوروك السومرية، كما شاع في العهد الإسلامي مصطلح العراق العربي الذي تمتد حدوده من البحر إلى تكريت شمالاً، ومعه عراق أعجمي شمال ذلك يمتد إلى داخل إيران الحالية.
أما على الصعيد الغربي، فكان يشار إلى العراق بالتعبير اليوناني ”ميسوبوتاميا' أي أرض ما بين النهرين، والحملة البريطانية لاحتلال العراق الحالي سميت حملة ”ميسوبوتاميا'.

فشلت العهود العراقية المختلفة منذ تأسيس العراق لحد اليوم في إيجاد صيغة للاندماج الاجتماعي والعيش المشترك، وإن كانت هناك محاولات جادة في العهد الملكي وأخرى إبان حكم عبدالكريم قاسم، ثم في ما بعد محاولة رئيس الوزراء عبدالرحمن البزاز، ومحاولة أخرى في السبعينات بإصدار قانون الحكم الذاتي للأكراد. كل هذه المحاولات لم تكلل بالنجاح أو الديمومة، وسرعان ما كانت تعود العلاقة بين عرب العراق وكرده إلى نقطة الصفر. إن مسؤولية الفشل هذه يتحملها الطرفان العربي والكردي بدرجات متفاوتة.

لقد جاء الاحتلال الأميركي العراق ليعطي الأكراد فرصة نادرة لإعادة صوغ العلاقة مع العراق، وكان الطرف الكردي فاعلاً ومساهماً في كتابة دستور ٢٠٠٥ الذي تم اعتماده بغالبية كبيرة في محافظات كردستان العراق، ومع ذلك فشل هذا الدستور في تكريس الثقة بين الكرد والعرب العراقيين بإيجاد صيغة للعيش المشترك.

وأفرزت العملية السياسية نظاماً سياسياً كرس الهيمنة الطائفية للشيعة وتم التعامل مع العراقيين كمكونات لا مواطنين، ما عمق الصراعات الإثنية والطائفية مفضياً إلى تهميش العرب السنّة، ودفع بعضهم إلى التطرف واللجوء إلى العنف، ومن المفارقات أن التحالف الشيعي - الكردي الذي قامت عليه العملية السياسية بعد الاحتلال سرعان ما تلاشى ليجد العرب السنّة ملاذهم في كردستان العراق وليس بغداد. وهل يرضي الشيعة أن تكون نهاية العراق على أيديهم؟
من دون شك تتحمل الأحزاب الإسلامية، خصوصاً الشيعية المسؤولية الكبرى في فشل العملية السياسية التي وصل معها الحال إلى أن أصبح الكل ناقداً وناقماً على الوضع. لكن هذا لا يعفي الحزبين الكرديين من المسؤولية في ما وصلت إليه الأوضاع، بخاصة في تعاملهم مع الآخرين من منطلق إثني لا سياسي. حتى الحزب الشيوعي انقسم إلى كردي وآخر عراقي.

ما العمل وكيف الخروج من هذا المآزق؟
إن إطلاق الدعوة إلى الاستفتاء على مستقبل العلاقة بين الكرد والعراق من جانب أربيل يؤكد فشل العملية السياسية ويفتح الباب واسعاً لاختيارات صعبة، لكن الأهم أن لا يؤدي الإعلان عن الاستفتاء أو تنفيذه إلى حرب أهلية جديدة تجعل الكل خاسراً. ولمنع مثل هذا الاحتمال أطرح الملاحظات الآتية:
وقف التصعيد الإعلامي، فبعضه يصب في خانة التطرف ويدفع باتجاه العنف.

إن الانفصال لا يعني بالضرورة حلاً لمشاكل إقليم كردستان، لأن غياب رؤية واضحة لكردستان ما بعد الانفصال قد يؤدي إلى مشكلات أخرى وربما أعمق، ولنا في تجربة انفصال الباكستان وجنوب السودان دروس لا بد من الاستفادة منها، كما إن تجربة كردستان المستقلة عن بغداد في منتصف التسعينات تؤكد ذلك.

إن على من يدعو إلى رفض الانفصال عن العرب أن يعرف لماذا يفضل الكرد، لا بل حتى قوميات أخرى، العيش مع الكرد بدلاً من حكم الإسلام السياسي، كما أن على من يرفض الانفصال من القوى الشعبية أن يكسب الطرف الآخر من خلال تفهم مشكلاته والالتقاء معه في منتصف الطريق. ومرة أخرى، لنا من تجربة مقاطعة كيبيك الكندية مثل يحتذى، حيث توجه أبناء المقاطعات الأخرى برسائل حب إلى سكان كيبيك للبقاء في الاتحاد الكندي، وهذا ما حصل عملياً.

على من يرفض الانفصال عن الأحزاب الحاكمة الشيعية والسنية أن يقدم بديلاً اقتصادياً واجتماعياً وسياسياً أفضل مما لدى سكان كردستان الآن.

إن القوى الطائفية بطبيعتها تكرس الاختلاف والخلاف إلى حد الاقتتال، لذا فالتحدي الأكبر هو لقوى الاعتدال المدنية العراقية، بعربها وكردها وتركمانها وغيرهم. فهي الأكثر تضرراً من الانفصال أو السقوط في لجة الحروب الأهلية. وهذه القوى مدعوة إلى التحالف بما يجعل منها الجسر الذي يوحد العراقيين سياسياً لا طائفياً أو إثنياً.

إن تجربة السنوات الماضية لم تدع مجالاً لثقة المواطنين في الشعارات، فالمطلوب شخصيات وقوى ذات صدقية يثق فيهم الناس، لذلك فبعض الكرد أو غيرهم يشكك في شعارات الاستقلال لأنها قد تخفي طموحاً وتكريساً لزعامات بعينها.

إن ما يجمعنا كعراقيين ليس الرابط الديني أو المذهبي أو القومي، بل المصلحة المشتركة المتمثلة في أرض مشتركة (موطن) والقيم السياسية والاقتصادية والاجتماعية المشتركة. فإن كانت هناك أرض مشتركة تبقى المشكلة في غياب القيم المشتركة، ولنا في التجربة الأوروبية خير مثل: فبعد حروب ذهب ضحيتها الملايين واحتلت فيها ألمانيا باريس مرتين، وجد الطرفان وبقية الأوروبيين مصلحتهم في العيش المشترك في ظل قيم إنسانية لا دينية أو مذهبية أو قومية، إضافة إلى صيغة اقتصادية وديموقراطية للعيش المشترك تتعامل مع سكان الاتحاد الأوروبي كمواطنين عبر مؤسسات دستورية منتخبة. وفي حال الفشل في إيجاد مثل هذه الصيغة يصبح العيش كجارين صديقين خيراً من العيش في دار منقسمة على نفسها وفي حال صراع دائم.
وكإجراءات عاجلة ومطلوبة:

إن من حق الطرف الكردي أن يطلب ضمانات مكتوبة كي يؤجل الاستفتاء أو يلغيه، كما هو محق بقوله أن النظام في بغداد طائفي وفاسد، ولكن في المقابل عليه أن يتخذ الإجراءات كي يثبت صدقيته كردياً بأن يعاد تفعيل البرلمان وتتخذ الإجراءات المقنعة للحد من الفساد والاستئثار الحزبي والعائلي. مثل هذه الخطوات يجب أن تسبق تنفيذ الاستفتاء كي يقتنع الكرد قبل غيرهم بأن الاستفتاء ليس مجرد وسيلة لتكريس زعامة عائلية. وحسناً فعل السيد مسعود البارزاني عندما أعلن في لقاء مع بي بي سي البريطانية (أيلول - سبتمبر ٢٠١٧) بأنه لن يترشح لرئاسة الإقليم مجدداً، كما يكرس صدقيةَ الموقف الكردي خبرُ الاتفاق بين الحزبين الديموقراطي والاتحاد على تفعيل برلمان كردستان قبل الاستفتاء في إطار مشروع يتضمن النقاط الآتية:

تفعيل برلمان كردستان، ومعالجة رواتب الموظفين من خلال مشروع قانون

منح الثقة لتشكيل مجلس صندوق موارد النفط والغاز، وتعديل قانون الانتخابات، وإصدار قانون خاص باستفتاء الاستقلال، ومنح الثقة للجنة صوغ دستور دولة كردستان، وتعديل قانون رئاسة إقليم كردستان.

هنا، يبرز السؤال الآتي: هل هناك وقت كاف لتحقيق كل ذلك قبل تاريخ الاستفتاء يوم ٢٥ أيلول؟ في اعتقادي قد لا يكفي الوقت، ومن هنا أطرح ما يآتي:
أولاً: الإعلان رسمياً عن الاتفاق المذكور أعلاه.

ثانياً: نتيجة ضيق الوقت ولأسباب لوجيستية وسياسية، يتم الاكتفاء بإجراء الاستفتاء في محافظات الإقليم فقط من دون المناطق المتنازع عليها، على أن يبدأ التفاوض مع بغداد من جانب ممثلي البرلمان الكردستاني المفعّل حول الاستفتاء عموماً والمناطق المتنازع عليها خصوصاً. وموقف كهذا يمثل بادرة حسن نيات كردية على بغداد أن تتجاوب معها.

في المقابل إذا كانت بغداد جادة في وحدة العراق، فعليها أن تتخذ الخطوات الآتية:

أولاً: استحصال على موافقة البرلمان العراقي لتشكيل فريق للتفاوض مع الطرف الشرعي البرلماني للأكراد مع تحديد سقف زمني.

ثانياً: في حال التوصل إلى اتفاق بين الطرفين يعرض الاتفاق للاستفتاء العام.

ثالثاً: مقاربة كهذه لا تتناقض مع الدستور وتؤسس لعقد سياسي جديد إما بصيغة جديدة للعيش المشترك أو خطوات فك الشراكة واستقلال كردستان.

رابعاً: حتى في حال إقرار الانفصال فهناك الكثير من التفاصيل الخاصة بفك الارتباط اقتصادياً واجتماعياً وسياسياً تلحقها تبعات تخص الأكراد المقيمين في المحافظات العربية من حقوق والعكس صحيح. إن تجربة خروج بريطانيا من الاتحاذ الأوروبي مفيدة في هذا الصدد.

خامساً: القبول في حال الاختلاف على المناطق المتنازع عليها بمبدأ التحكيم الدولي وهذا ما لجأ إليه الكثير من الدول ومنها البحرين وقطر في ما يخص حدودهما البحرية. إن التحكيم الدولي يرفع العتب عن الطرفين من جانب جمهورهما.

إن النجاح في التوصل إلى تسوية مع الأكراد قد يقنع المحافظات العربية السنّية بعدم المطالبة بالانفصال أو بإقليم عربي سني، والعكس صحيح. فانفصال كردستان ستتبعه المطالبة بإقليم عربي سنّي أو حتى الانفصال.

وأخيراً وليس آخراً، تتيح الانتخابات المقبلة في حال ضمان حريتها ونزاهتها - خصوصاً بعد التخلص من «داعش» - الفرصة لتحالفات بقيادة رئيس الوزراء حيدر العبادي للمجيء ببرلمان متعاون وقادر على التجاوب مع الإصلاحات المطلوبة عراقيـاً وكردياً. وأي ثمن يدفع إلى الحيلولة دون الانــزلاق إلى العنـف والحرب الأهلية يبقى أرخص من كـلفة حرب أهلية مدمرة، ولنا في تجربة «داعش» درس بليغ.

إن نجاحنا كعراقيين في التوصل إلى تسوية سياسية بين بغداد وأربيل من دون تدخل إقليمي أو دولي سيعزز استقلالنا واستقرارنا واحترام الآخرين لنا.
المصدر : الحياة
 
لإضافة أي تعليق عليك أن تكون مسجلاً أو إضغط هنا للتسجيل
 
تعليقات سابقة
 
لا يوجد تعليقات على هذا الخبر