الجمعة في ٢٤ تشرين الثاني ٢٠١٧ ، آخر تحديث : 09:52 م
YouTube Twitter Facebook RSS English French Portuguese
ألمانيا.. ما بعد الانتخابات
 
 
 
 
 
 
٢٠ تشرين الاول ٢٠١٧
 
تتوافق الدول الأوروبية على قاعدة عامة تقول: «إذاعطست ألمانيا، فان أوروبا تصاب بالانفلونزا (الرشح)». الانتخابات البرلمانية الأخيرة التي جرت في ألمانيا كانت في نتائجها أكثر من عطسة. ذلك أنه لأول مرة منذ سقوط النازية في الحرب العالمية الثانية، تعود هذه الحركة إلى البوند ستاغ (البرلمان) مرة ثانية. صحيح أن عودتها ضعيفة وأن عدد أعضائها قليل؛ إلا أن أوروبا تعرف جيداً أن الحركة النازية بزعامة هتلر بدأت ضعيفة ومستضعفة، ودخلت البوند ستاغ كأقلية صغيرة.. والقصة معروفة بعد ذلك.

جاء هذا التطور، غير المنتظر، في وقت يواجه فيه الاتحاد الأوروبي سلسلة من التحديات المصيرية. أبرزها الحرب في أوكرانيا ومضاعفاتها على العلاقات مع الإتحاد الروسي. ومواقف الرئيس الأميركي دونالد ترامب غير المستقرة من حلف شمال الأطلسي وانسحابه من معاهدة باريس حول البيئة، وقرار بريطانيا الانسحاب من الاتحاد، وتعرّض بعض الدول الأعضاء إلى التفسخ من الداخل (تصويت 90 بالمائة من سكان كاتالونيا على فك الارتباط بإسبانيا)، إلا أن التحدي الأخطر على ما يبدو يتمثل في تنامي ظاهرة ما يسميه الأوروبيون «الشعبوية». وهي ظاهرة تتمثل في قيام أحزاب وحركات سياسية متشددة ترفض الآخر المختلف، وتبدي مخاوف متعصبة على ما تعتبره نقاوة العنصر الأوروبي وعلى تفوق الثقافة الأوروبية من موجات النازحين واللاجئين الذين يتدفقون إلى أوروبا من افريقيا وآسيا، بما في ذلك الشرق الأوسط.

وتتمثل هذه الحركات الحزبية الصاعدة في ألمانيا بـ«حزب البديل». وهو الحزب الذي خرج من تحت الصفر ليصبح ثالث حزب سياسي في ألمانيا..

لقد خسرت الأحزاب المماثلة له في فرنسا وهولندا. ونزلت خسارة الحزبين برداً وسلاماً على الحكومات الأوروبية وعلى العالم. ولكن العكس حدث في ألمانيا، وفي ألمانيا بالذات.. الأمر الذي يفتح أبواب القلق على مصاريعها.

ولعل أهم ملاحظة سجلها المراقبون السياسيون حول هذا الأمر هي أن معظم الأصوات المؤيدة التي حصل عليها الحزب في صناديق الاقتراع جاءت من القسم الشرقي من ألمانيا. أي من القسم الذي كان خاضعاً للهيمنة السوفياتية. من هنا التساؤل: هل أن لهذه الخلفية علاقة بالنتائج التي ترجمتها صناديق الاقتراع؟

في الواقع ورغم مرور ربع قرن على الوحدة بين شطري ألمانيا فلا يزال هناك تفاوت اجتماعي وانمائي بينهما. ويشكو الشرقيون من أن مداخيلهم أقل، وكذلك تعويضاتهم العائلية. وبسبب ذلك فقد شهد القسم الشرقي من المانيا بين عامي 1990 و2015 هجرة ما نسبته 15 بالمائة من السكان إلى الغرب. أما الذين بقوا في مدنهم وبلداتهم فقد اعتبروا بمثابة «الخاسرين».

هؤلاء هم أنفسهم الذين اقترعوا لمصلحة الحزب البديل.. وهم الذين أوصلوه إلى البوند ستاغ.

عندما تدفق المهاجريون (حوالي المليون) إلى فرنسا وقررت المستشارة الألمانية انجيلا ميركل استيعابهم في المجتمع الألماني، ارتفعت شعارات في القسم الشرقي من المانيا تندد بهذا القرار وتدعو إلى العمل أولاً على استيعاب الألمان الشرقيين قبل دعوتهم إلى استيعاب المهاجرين. فالشعور بالدونية وبالإقصاء عبّر عن ذاته في رفض الحكومة وسياساتها. وهو الرفض الذي ترجمته صناديق الاقتراع فوزاً للشعبوية في ألمانيا بما تحمله من افكار متطرفة وخطيرة.

لم يصوّت «الألمان الشرقيون» للحزب اليساري، كما كان يُفترض أو يُتوقع. صوّتوا للحزب المتطرف في يمينيته. وكان ذلك نوعاً من التصويت السلبي الموجه إلى سياسة الحزب الديموقراطي المسيحي الحاكم بزعامة ميركل.

في ضوء ذلك يبدو أن قضية المهاجرين إلى أوروبا (بما فيها ألمانيا) تشكل التحدي الأهم الذي يواجهه الاتحاد الأوروبي. فقد أثارت هذه الهجرة مخاوف جدية على الهوية. وذهبت هذه المخاوف في نرجسياتها إلى حد تحريك العصبيات القومية داخل العديد من الدول الأوروبية على النحو الذي عكسه الاستفتاء الكاتالوني الأخير.. والذي لاقى صدى إيجابياً لدى جماعات ثقافية وعرقية أخرى في العديد من الدول الأوروبية.

مع ذلك تبقى ألمانيا بقوتها الاقتصادية والمالية نموذجاً يخشى عليه، وهي تبقى بحصول اليمين المتطرف على المركز الثالث في البوند ستاغ نموذجاً يخشى منه!
المصدر : المستقبل
 
لإضافة أي تعليق عليك أن تكون مسجلاً أو إضغط هنا للتسجيل
 
تعليقات سابقة
 
لا يوجد تعليقات على هذا الخبر