الاربعاء في ١٦ كانون الثاني ٢٠١٩ ، آخر تحديث : 02:56 م
YouTube Twitter Facebook RSS English French Portuguese
هكذا يسرق جبران باسيل وهكذا يغطيه غابي ليون!
 
 
 
 
 
 
٣ كانون الثاني ٢٠١٣
 
:: طارق نجم ::

وفق ما جاء في الدستور اللبناني، فإنّ المبادئ العامة تنص على أنّ الإستملاك لصالح الدولة تسوغه دائماً المنفعة العامة وهذا بالتحديد ما ورد في المادة الدستورية رقم 15 والمادة الأولى من قانون الإستملاك. وللإيضاح، فإنّ المنفعة العامة في حقل الآثار ترتدي في الواقع طابعاً خاصاً يعتمد على القيمة التاريخية والعلمية للعقارات التي تصنف على أنها آثاراً مراد إستملاك الأراضي من أجلها وهذه أمور عادة ما تعود للمديرية العامة للآثار تقريرها وحدها والفصل فيها بحكم الإختصاص. بذلك، تكون الصفة الأثرية المُطلقة هي الملازمة للمنفعة العامة كما لتقدير الإدارة في ما تقوم بإستملاكه وفقاً للمعطيات العلمية التي تكون متوفِّرة لديها.

ووفق القانون فإنّ "الملكية في حمى القانون، فلا يجوز أن يُنزع عن أحد ملكه إلا لأسباب المنفعة العامة، في الأحـوال المنصـوص عليـها في القانون، وبعـد تعويضه مـنه تعويضـاً عادلاً." "المنفعة العامة" إذاً هي الكلمة الذهبية وليست المنفعة الخاصة وهذا ما اختلط على وزيرين في الحكومة الميقاتية هما غابي ليون وجبران باسيل.

ولأنه من الضروري التذكير بأحكام القانون في هذا الإطار، فإنه مما لا خلاف عليه أن العقارات المستملكة لصالح المديرية العامة للآثار هي من أملاك الدولة العامة عملاً بالمادة السادسة من قانون الآثار وتخضع لقواعد وأحكام القرار رقم 144 تاريخ 10/6/1925. ومن المعروف علماً واجتهاداً أن الأملاك العامة معدَّة لإستعمال الجميع أو لإستعمال مصلحة عمومية وهي غير قابلة للتصرّف أو للتملّك بمرور الزمن. وإذا كان القرار رقم 144/1925 تضمّن أحكاماً خاصة بإشغال هذه الأملاك، فإنّه قد فرّق صراحةً بين نوعين من إشغال الأملاك العامة منظِّماً بصورة رئيسية شروط كل منهما: الأول إشغال لمصلحة عمومية عن طريق إمتياز يُعطى بموجب قانون سنداً للمادة 89 من الدستور؛ والثاني إشغال لغير مصلحة عمومية عن طريق الإجازة به بصفة مؤقتة تُعطى بمرسوم لسنة واحدة قابلة للإلغاء ويمكن تجديدها بالرضى الضمني ومقابل رسم يدفعه الشاغل.

وإذا عدنا الى الوقائع التي مارسها الوزير جبران باسيل، يتناقل أهالي البترون كيف يعمد باسيل الى شراء كل ما يمكن أن تقع عليه عينه من الأبنية القديمة العهد في المنطقة ليحولها الى استراحات وملاهٍ ومنتجعات تدّر عليه المال الوفير. ومنذ فترة بدأ باسيل يسعى جاهداً، من خلال شركة "إرغا غروب" (Erga Group) إستناداً إلى دراسة ورأي أولي أعدَّهما له مكتب كعدي وكعدي (محامون وإستشاريون قانونيون)، للتوصّل إلى تنفيذ مشروع تأهيل وإستثمار أبنية قديمة في مدينة البترون لمنفعة سياحية خاصة بباسيل. هذه الأبنية تقوم على عقارات تحمل الأرقام 1294 و 1295 و 1296 و 1297 و 1298 و 1299 و 1300 و 1301 و 1302 كانت قد استملكتها المديرية العامة للآثار بموجب المرسوم رقم 1237 تاريخ 25/4/1978 لهدمها وإجراء حفريات أثرية بهدف إظهار المعالم العائدة إلى فترة القرون الوسطى. وبعبارة أخرى فإنّ هذه العقارات عملياً قد تحوّلت الى ملكية عامة ومازال جبران باسيل يسعى لوضع اليد عليها.

وإذا كانت المديرية العامة للآثار قد قامت بواجبها كاملاً لناحية تنفيذ مرسوم الإستملاك رقم 1237 تاريخ 25/4/1978 وفقاً للأصول المتَّبعة في قانون الإستملاك رقم 58/1991 وتعديلاته، وأصبح بالتالي هذا المرسوم في حمى من الإبطال طالما أن الإدارة لم تتجاوز الغاية التي من أجلها تمّ الإستملاك رغم عدم تنفيذها إلى الآن الحفريات الأثرية. لكن الوزير باسيل الذي هاله ان تتفلت من يده هذه العقارات التي كانت طموحاته أن يضع اليد عليها، فلم يتوانَ عن تبنّي ما تستخلصه الدراسة المذكورة أعلاه من دون أساس قانوني لناحية إعتبار هذا المرسوم "ساقطاً أو ملغياً وكذلك صفة ومبدأ المنفعة العامة المرتكز عليه" بما يمكّنه من تحقيق منفعته الخاصة التجارية عبر حمل الإدارة العامة على العدول عن المشروع الذي جرى من أجله الإستملاك وإنّ على الموافقة على تخصيصه العقارات المعنية في مشروع الإستثمار السياحي الذي يتوخاه.

وإذا كانت مساعي الوزير باسيل "الطموحة" لم تقترن بإيجاب في عهد وزراء الثقافة السابقين، إلا أنّه في عهد الوزير غابي ليون باتت الطريق معبَّدة لطموحاته الخاصة التي ستدرّ له أرباحاً على حساب المصلحة العامة. فها هو الوزير الهمام غابي ليون يحقق لباسيل مبتغاه ويرسل في شهر كانون الأول 2011 الأثريين المتعاقدين لدى المديرية العامة للآثار، السيدة سمر كرم والسيد أسعد سيف، للإجتماع في منزل الوزير باسيل بحضور مستشارين والمهندس انطوان فشفش والمحامي انطوان كعدي. أسفر هذا الإجتماع عن الإتفاق على وضع خطة عمل تشمل الأعمال الأثرية وأعمال الترميم المفروضة في العقارات المعنية كي يصار إلى تمويل تنفيذ هذه الأعمال من قبل شركة "إرغا غروب" بما سيؤمِّن لها لاحقاً حقّ إستثمارها.

إثر افتضاح الأمر، وتداركاً لأي طارئ يمكن أن يعيق مشروع الإستثمار المطلوب، لجأ باسيل إلى عملية مقنَّعة تحقيقاً لغاياته التجارية مستعيناً ببلدية البترون التي، فجأة وبسحر ساحر، طلبت من وزارة الثقافة الترخيص لها بترميم وإشغال نفس العقارات لإقامة نشاطات ثقافية وسياحية (منها- وهنا بيت القصيد- أمكنة إستراحة وإيواء) مع إستعدادها لتحمّل كافة النفقات كما مع حق التعاقد مع الغير طيلة فترة الإشغال لتنفيذ الإستثمار. وزير الثقافة الذي نسق "التمريرة" مع باسيل، تلقف "الكرة" وحولها بكرمه البالغ إلى مرسوم مشروع رفعه سريعاً إلى مجلس الوزراء اللآزم ضارباً بعرض الحائط جميع القوانين سالفة الذكر، محدِّداً بذلك مدة الترخيص بعشرين عاماً مع إمكانية تجديدها لفترات إضافية وكل ذلك لقاء رسم إشغال رمزي سنوي قدره "ألف ليرة لبنانية فقط لا غير" كما وأنه، إذا دعت الحاجة، يمكن وضع إتفاق بالتراضي مع بلدية البترون بناء على طلب هذه الأخيرة.

بالمناسبة، هذه ليست أولى المرات التي تستملك فيها وزارة الثقافة عقارات تحت حجة استملاك للمنفعة العامة لنعود فنرى هذه العقارات بإيدي القطاع الخاص! فعلى سبيل المثال، تعهدت وزارة الثقافة لأصحاب منزلين في في بلدة بيت شباب أن تلتزمهم كبيوت أثرية وقد جرى الاستملاك على هذا الأساس. وما يروى أنّ السيدة آني طعمة (وهي تحمل شهادة دكتورا بالعلوم الاجتماعية من جامعة القديس يوسف وقد اوكل اليها الوزير ليون ادارة عدة مشاريع تابعة للوزارة) عرضت عليه ان تتواصل مع معالي الوزير كي يتمّ تحويل المنزلين الى منزلين آثريين. وتعهدت الوزارة بأن تعوّض لأصحاب المنزلين حالما توافق وزارة المالية على ذلك وعلى ان يتم الترميم على نفقة وزارة الأشغال العامة. ولكن تبيّن لاحقاً أن من وضع اليدّ عليهما ويشغلهما حالياً هما من اقرب المقربين لغابي ليون احدهما شقيق زوجته بحسب مصادر مطّلعة في بلدية بيت شباب التي لم يعجبهما اقدام ليون على تمرير مثل هذه الصفقة لصالح أقربائه. صاحب المنزلين الأصلي الذي ورثهما عن عائلته، يقطن فرنسا ولا يزور لبنان الا نادراً، سبق له وراجع الوزارة بخصوص مصير العقار الذي اصبح يشغله الناس في وقت كان تلقى وعوداً أن يتمّ تحويل العقار الى ما يشبه المتحف. وهنا كان ردّ الوزارة بكل صلف أنها لا تملك أي معلومات حول هذا الموضوع. وعندما تحرّك صاحب المنزل وتقدم بشكوى الى وزارة الداخلية فوجىء بردّ من الداخلية ان ما يتكلم عنه هو مبنى عام وبالتالي لا يمكن فعل شيء بهذا الخصوص ... وهنا تمّ تمييع القضية بين الوزارتين!

فعلاً ليس هناك من تعارض لنوع ومدة الإشغال مع ما هو محدَّد في قانون الأملاك العمومية الصادر بموجب القرار رقم 144س تاريخ 10/6/1925 !!! وفعلاً ليس هناك من تنازل مخفي من قبل البلدية لصالح منفعة تجارية يتوخاها طرف ثالث بات أكثر من معروف !!! وهنا، رحمة ورأفة بالشعب اللبناني وجيوبه، نناشد رئيس مجلس الوزراء في التنبّه إلى ما يدور في كواليس وزرائه فوق القانون في سبيل المنافع الخاصة الضيقة على حساب المنفعة العامة وخزينة الدولة اللبنانية.
المصدر : خاص موقع 14 آذار
 
لإضافة أي تعليق عليك أن تكون مسجلاً أو إضغط هنا للتسجيل
 
تعليقات سابقة
 
لا يوجد تعليقات على هذا الخبر