الخميس في ٢٣ تشرين الثاني ٢٠١٧ ، آخر تحديث : 01:07 م
YouTube Twitter Facebook RSS English French Portuguese
شباب البقاع الشمالي: من عهود العشائر ومحاولة الاندماج في الدولة.. إلى عهد خزان "الحزب"
 
 
 
 
 
 
١٢ كانون الاول ٢٠١١
 
::سارة الشيخ علي::


البقاع الشمالي.. هذه الرقعة الممتدة من بعلبك إلى الهرمل، تشكل نموذجاً إجتماعياً فريداً، تكاد تكون العشائرية والحزبية والطائفية أساسه. والخطورة في هذا النموذج تكمن في مدى تأثّر الشباب في هذه الظواهر الإجتماعية وفقدانهم المواطنية كمبدأ ونظام حياة. لذلك لا بد من السؤال، هل يمكن إعتبار شباب البقاع الشمالي مواطنين فعالين إجتماعياً و سياسياً وإقتصادياً، في ظل سطوة العشائر والأحزاب؟

بداية، فإن الكثير من الباحيثن الإجتماعيين اتفقوا على تعريف "العشيرة" ، بالمجموعة العائلية العصبية. أما في بعلبك –الهرمل، فيصّح القول إنها "دولة في عائلة" لها نظامها و تقاليدها الخاصة.. و لكن المفارقة هنا، كيف استطاعت الأحزاب السياسية الطائفية تأطير هذه العشائر في كنفها وتحويل زعيم العشيرة إلى وكيل عنها. ولا شك أن ما حصل، يهدف الى استثمار الطاقات الشبابية الموجودة داخل العشائر لمصلحة بعض الأحزاب، التي أبقت على العشائرية في هذه المناطق لأسباب معروفة.

وفي مقدمة هذه الأسباب، بث الفرقة والشقاق في المجتمع اللبناني وإستخدام هؤلاء الشباب في مواجهة مشروع الدولة. وبرأيي فإن فهذه الأحزاب وجدت أنه من الأسهل لها أن تسيطر على هذا الكم الهائل من الطاقات الشبابية الموجودة داخل العشائرعبر "زعماء العشائر"، على عكس ما تفعل في المجتمعات التي لم تستطع فيها اللعب على الوتر العائلي. فاضطرت الأحزاب والحركات إلى صرف المبالغ الطائلة لتأطير وتنظيم و"أدلجة"، حتى تأمين وسائل العيش للشاب، للإمساك به من "إيدو يللي بتوجعو" – كما يقال. أي من الحاجة الملحة. ومن ثم عملت على إجباره على الإلتزام بموقفها السياسي، مع أو بدون اقتناع منه، لا يهم.

و من الأمثلة الحية، أن دكتوراً محاضراً في إحدى الجامعات، وهو ينتمي إلى عشيرة كبيرة، درس وعاش في فرنسا مدة طويلة. لكن عندما دقّ جرس الاستحقاق الإنتخابي هرع إلى حضن شيخ العشيرة ليلعب وبكل فخر، دور الولد "المطيع" فصوّت لمن أرتأته العشيرة. هذه عينة من الكثير من المتعلمين في المجتمع العشائري، الذين يعيشون حالة من الانفصام الحقيقي , فيكون الشاب المتعلم ضائعاً بين وظيفته كمحاضر جامعي أو مهندس أو طبيب، وبين ارتباطه بالعشيرة. لكن ربما قد يكون قبل لنفسه هذا الدور لأن وظيفته قد نالها بفعل واسطة زعيم العشيرة عند الحزب.

مثل آخر، تشتهر به منطقة بعلبك الهرمل كما تشتهر بقلعة بعلبك وحياكة السجاد و صناعة المونة، ألا وهو زراعة "الحشيشة". فأولاد العشائر في جرود الهرمل، سمح لهم ذاك "الحزب" الممسك بهم ببراثن الطائفية قانونا" و"شرعاً" بزراعة المادة المخدرة والاتجار بها "طالما أنهم لا يتعاطونها"!!! يقولون: "حرام بدون يعيشو ولادن"!! والأكثر من هذا أن الحزب نفسه هو من أمّن لهؤلاء الشباب الكادحين في سبيل لقمة العيش الحماية الأمنية اللازمة لتسهيل أعمالهم، على مبدأ "هيدا إبن عشيرة و ما أحد يطاله". الأمر نفسه يسهله "الحزب" لتجار السلاح. ربما لأن سلاح هذا الحزب وسلاح بعض العشائر وجهان لعملة واحدة. و السيناريو يعيد نفسه بالنسبة لسرقة السيارات من بيروت و المدن الكبيرة.
وعند هؤلاء ومن يحميهم، الغاية الشريفة تبرّر الوسيلة مهما ساءت!!

بعد كل هذا ، يطرح سؤال نفسه، "الحق على مين؟"

هل على شباب العشيرة نفسهم لأنهم قبلوا أن يكونوا سلعة مقايضة بين زعيم العشيرة و الحزب؟ أو على الحزب الذي ارتضى لأبناء طائفته ذلك؟ أو أنه مقصود تحويل هذه المنطقة إلى بؤرة فقر وجهل وانعزال، لإستخدامها دائما" "خزّاناً" للسلاح والمقاتلين والمتظاهرين والمقترعين. وماذا عن الدولة التي غضت النظر، راضية أو مجبرة، عن إستفحال العشائرية على حساب القانون واستفحال الفساد على حساب المسائلة، واستفحال البطالة على حساب التنمية، واستفحال الدويلات على لبنان الدولة.

ووقوفها جامدة أمام تراجع الأمان الإجتماعي والاقتصادي والمعيشي وضعف المستوى الفكري والثقافي في لبنان. فهي التي سمحنن سمحت للعشيرة و الحزب أن يصبحا في البقاع الشمالي بديلاً عنها والمؤسسة التي تؤمن لشباب المنطقة الأمان الإجتماعي و السياسي والشخصي حتى الأمان الإقتصادي. هؤلاء الشباب هم الضحية الأكبر، منذ قدوم العشائر إلى جرود الهرمل إلى عهد الرئيس فؤاد شهاب، الذي وإن حاول دمج العشائر في الدولة إلا أنه قوّى زعيم العشيرة على حساب شبابها. وصولاً إلى العهد الأسود، عهد الوصاية السورية الذي استخدم شباب العشائر معابر لفرض سيطرته و أدوات تشبيح. لكن اليوم، نراه هنا في البقاع الشمالي، عهد الوصاية العائدة بأسماء وأقنعة جديدة. مرة باسم الدين.. ومرات باسم "الحزب"!
 
لإضافة أي تعليق عليك أن تكون مسجلاً أو إضغط هنا للتسجيل
 
تعليقات سابقة
 
لا يوجد تعليقات على هذا الخبر