الاثنين في ٢٠ تشرين الثاني ٢٠١٧ ، آخر تحديث : 03:31 م
YouTube Twitter Facebook RSS English French Portuguese
احتكار السلاح... والاحتكارات الأخرى
 
 
 
 
 
 
15-03-2011
 
::الياس حرفوش::


تغيّر «حزب الله» كثيراً منذ قبوله دخول ساحة العمل السياسي في لبنان. فالحزب الذي كان عمله المقاوم ضد إسرائيل يحظى بما يشبه الإجماع الداخلي والإقليمي، بات منهمكاً باستثمار رصيد المقاومة الذي كسبه في الماضي في سبيل تحسين موقعه السياسي في مواجهة خصومه في الداخل. وبهذا لم يعد الحزب يشذ عن كثيرين من أسلافه من أصحاب شعارات المقاومة في المنطقة، لا في سلوكه ولا في أسلوبه. فحملته الأخيرة على معارضيه تتجاوز النقد السياسي المتعارف عليه واحترام حق الآخر في الاختلاف إلى توجيه التهم لهؤلاء المعارضين بالخيانة والعمالة للأجنبي، وأحياناً للإسرائيلي أيضاً. وبحجة انه حزب مقاوم، بات يمنح لنفسه الحق في الاحتكارات التي يمارسها، وليس احتكار السلاح إلا واحداً منها، مع أن ظروف المقاومة تغيرت تغيراً جذرياً، في السنوات الخمس الأخيرة، لناحية الشروط والقدرة العملانية، بسبب الترتيبات التي يفرضها القرار 1701 على الوضع الميداني في المنطقة الحدودية. وهو الوضع الذي له ما يشبهه على الحدود الصامتة الأخرى بين إسرائيل وما بقي من دول المواجهة، من دون أن يعدّل ذلك من لغة وشعارات «الممانعة» التي ترفعها تلك الدول.

وفي إطار معركته الداخلية منح «حزب الله» نفسه الحق في توزيع شهادات الوطنية، ومعه الحق في قيادة مشروع المواجهة ضد إسرائيل و»المخططات الإمبريالية والصهيونية». فهو يصنّف نفسه رائداً لفكر «الممانعة» وزعيماً بلا منازع للجهات التي تتبنى هذا الفكر في المنطقة. وليس ما يفعله الحزب جديداً، إذا قورن بالتراث الذي خلّفته الحركات والتيارات المشابهة، من ناصرية وقومية وبعثية وإسلامية وغيرها، والتي باسم شعارات تحرير فلسطين ومواجهة مشاريع الهيمنة الغربية، تسلقت إلى منصات الحكم واحتكرت مقدرات الشعوب العربية، لعقود من الزمن. لكن لا التحرير الموعود تحقق ولا مشاريع الهيمنة أُحبطت. بل على العكس، انتهى الأمر بعدد من تلك الأنظمة إلى السعي لكسب ود أصحاب مشاريع الهيمنة تلك والقائمين عليها، بهدف وحيد هو الاحتفاظ بالكرسي.

لقد ساهمت المواجهة مع إسرائيل، المديدة منذ اكثر من ستة عقود، في نشوء أحزاب وتنظيمات في المنطقة العربية، وجدت في وظيفة المواجهة مع إسرائيل وسيلة صالحة للاستثمار الداخلي في مواجهة خصومها. فاستخدمتها في سبيل كمّ الأفواه وتعزيز المعتقلات والسجون، وقطع الطريق على كل تحرك ديموقراطي، وكل ذلك تحت شعار أن «لا صوت يعلو فوق صوت المعركة». بنتيجة ذلك تم تخوين كل صوت معارض، ولو كانت معارضته بهدف الإصلاح الداخلي وحسب، لأن المعارضة تلك كانت تُعتبر «خيانة» للهدف القومي الأسمى، هدف التحرير. لكن التحرير ظل بعيد المنال، بفعل تفكك الجبهة الداخلية، كنتيجة طبيعية لسياسات الهيمنة والتسلّط، وكذلك بفعل التفاوت الكبير في ميزان القوى، والذي يحتاج توفيره بالدرجة الأولى، وقبل السلاح والعتاد الحربي، إلى بنية داخلية سليمة ومتماسكة.

إلى اين أدى كل ذلك؟ إلى عجز كامل على ساحة المواجهة. وإلى انهيار كبير للقدرة الدفاعية العربية. وإلى تحكّم أنظمة مفكّكة برقاب شعوبها، وتعاني على جبهة الداخل اكثر بكثير من معاناتها على خطوط المواجهة الحدودية.

لقد دفعت التركيبة الطائفية في لبنان «حزب الله» إلى انهماك اكبر بالسياسة الداخلية وإلى تلوّن نشاطه باللون المذهبي مقارنة بالالتفاف الوطني الذي كان يتمتع به في السابق. وباتت العدّة التي يستخدمها في مواجهة خصومه هي كفاءته في مجال المقاومة و»الممانعة»، التي يقول انه يتفوق فيها على سواه. غير أن من تبعات الكفاءة هذه أنها تتعارض مع أصول العمل الديموقراطي السليم، الذي يقوم على المساواة في الفرص بين المتنافسين. وهو ما دفع «حزب الله» إلى استخدام أدوات كانت معدة أصلاً للمواجهة مع إسرائيل، في مواجهته الداخلية، بعدما بات يعتبر أن كسبه هذه المواجهة لا يقل أهمية عن كسبه المواجهة الأخرى، إن لم يكن يعوّض عنها.
المصدر : الحياة
 
Pour ajouter des commentaires, vous devez être connecté ou enregistré
 
Commentaires
 
No Comment