الخميس في ٢٣ تشرين الثاني ٢٠١٧ ، آخر تحديث : 09:22 م
YouTube Twitter Facebook RSS English French Portuguese
نقاشات معمقة في اليوم الاول للمؤتمر القانوني العربي في لاهاي
 
 
 
 
 
 
١ شباط ٢٠١١
 
بعد انتهاء الجلسة الافتتاحية للمؤتمر القانوني العربي لدراسة المحكمة الدولية الخاصة بلبنان الذي انطلقت أعماله (الثلاثاء) في قصر السلام في لاهاي، والذي تنظمة الهيئة العلمية لنشر الثقافة القانونية في العالم العربي، بدأت أعمال الجلسة الأولى للمؤتمر تحت عنوان: "أهمية إنشاء المحكمة الدولية الخاصة بلبنان" برئاسة القاضي الدكتور وائل طبارة الذي افتتح الجلسة.

وقال طبارة: "في 29 آذار 2006، أي بعد حوالى السنة على استشهاد الرئيس رفيق الحريري، فوّض مجلس الأمن الأمين العام للأمم المتحدة إجراء مفاوضات مع الحكومة اللبنانية من أجل إنشاء هذه المحكمة ولوضع نظامها أيضا، ثم بعد حوالى ثمانية أشهر، من تاريخ 23-1-2007 و6-2-2007، أُبرم اتفاق لإنشاء هذه المحكمة بين الحكومة اللبنانية والأمم المتحدة ، ثم إن الحكومة اللبنانية عرضت على المجلس النيابي اللبناني تكريس هذا الاتفاق، إلا أن مجلس النواب لم يلبي الطلب، عندئذ طلبت الحكومة اللبنانية مجددا من الأمم المتحدة تجاوز مسألة عدم التصديق على الاتفاق من قبل رئيس المجلس النيابي اللبناني ، عندئذ قام الأمين العام للأمم المتحدة برفع طلب جديد إلى مجلس الأمن، ومجلس الأمن وبصورة طارئة واستثنائية قرر في 30-5-2007 وبموجب القرار 1757، استعمال صلاحياته القصرية التي يتمتع بها بموجب الفصل السابع من ميثاق الأمم المتحدة بحيث دخل الاتفاق حيز التفيذ وكُلّف الأمين العام للأمم المتحدة بإنشاء هذه المحكمة . بين حزيران 2008 وشباط 2009، اتخذ الأمين العام التدابير اللازمة لإنشاء المحكمة وتعيين أطرافها، أي قضاتها وسائر إداراتها".

اضاف: "في 1-3-2009، بدأت المحكمة عملها في مقرها الكائن في لاهاي. نحن اليوم في شباط من العام 2011 ، نتساءل عما اتخذ من إجراءات وما حصل من وقائع، إن هذا المؤتمر يهدف إلى إبراز ما هو حاصل لغاية تاريخه وما يمكن أن يحصل لاحقاً، إن المتكلمين سوف يتناولون المواضيع التي يطرحها إنشاء المحكمة ووضع نظامها ، من خلال إبراز أهميتها التاريخية وأهميتها بالنسبة للمبادىء القانونية الدولية التي سوف تكون محور أشغال وأعمال المؤتمر".

وتساءل: "هل للقضاء الوطني أن يعيد النظر ويضع يده مجددا على هذه القضية أم لا؟، لماذا أنشئت هذه المحكمة وما هي الخلفيات والدوافع لوجودها؟، هل أن القضاء الوطني اللبناني أصبح عاجزاً عن الفصل في أمثال هذه الدعاوى؟، لماذا بادرت الحكومة اللبنانية إلى تقديم طلب إلى الأمم المتحدة لإنشاء محكمة ذات طابع دولي وإيجاد نظام خاص بها؟، لماذا استجابت الأمم المتحدة من خلال مجلس الأمن الدولي إلى هذا الطلب وهل كان بإمكانها أن ترفض وما هي الأبعاد والأغراض منه؟، هل أن نشأة هذه المحكمة صحيحة برمتها ؟ والدولة اللبنانية من خلال إحدى السلطات لم تكرس هذه الاتفاقية داخليا؟".

وتابع: "لماذا لم تتمكن المؤسسات والسلطات اللبنانية من تنسيق الاتفاق بين الحكومة اللبنانية والأمم المتحدة؟ وهذا من أهم المواضيع التي تثير جدلاً حول قانونية ومشروعية هذه المحكمة وإمكانية تنفيذ قراراتها مستقبلاً، ماذا يعني تفويض مجلس الأمن للأمين العام للأمم المتحدة إجراء مفاوضات مع الحكومة اللبنانية من أجل إنشاء هذه المحكمة ووضع نظامها الأساسي؟،ماذا تعني عبارة أن يقوم مجلس الأمن باستخدام صلاحياته القصرية أو الاحتياطية في معرض إبرام الاتفاق لإنشاء المحكمة ووضع نظامها؟، بماذا تختلف هذه المحكمة عن مثيلاتها في العالم؟، كيف جرى تنفيذ قرارات المحاكم الدولية المنشأة في السابق ؟، هل يمكن وقف مسيرة هذه المحكمة وإصدار قرارتها؟ وكيف؟.

فاضل

ثم أعطيت الكلمة لأستاذ القانون الدولي في الجامعة الأنطونية في لبنان الأب الدكتور فادي فاضل الذي ألقى كلمة بعنوان "سياق إنشاء المحكمة والمرتجى من عدالتها".

وقال فاضل: منذ إنجاز لبنان استقلاله في العام 1943، والإغتيالات السياسية أمرٌ شائع، إن من باب تصفية الحسابات عموماً أو لتصفية الحسابات والنزاعات السياسية خصوصاً. فيُجرَّم القتلة ويحاكمون تارةً ولكن غالباً ما يكون اللاعقاب سيّد الموقف.

واشار الى ان هذا الواقع المهمّ المتصل بتحقيق العدالة أو غيابها، يُضاف أنه على مدى خمسة عشر عاماً من حرب أهليّة معقّدة، لم يكن صوت العدالة مسموعاً، بل مجرّد مسرحية مصالحة بين بعض الزعماء السياسيين على حساب الضحايا وإقصاء بعض القيادات وتهميشها، موضحا انه في هذا الإطار من تاريخ لبنان المعاصر، وقعت عملية اغتيال رئيس الوزراء السابق الراحل رفيق الحريري.

وفيما تساءل: إزاء هذه الجريمة يقضي بمعرفة الوسائل التي من خلالها يجب إحالة منفّذي الجريمة والمسؤولين فيها أمام القضاء، أكد انه منذ اليوم التالي للجريمة، أي في الخامس عشر من شباط 2005، سارع مجلس الأمن، في إعلان رئاسي ومن خلال سلطة التوصيف المناطة به بموجب الميثاق الأممي إلى وصف الجريمة بالهجوم الإرهابي، مذكّرا بمندرجات القرارين 1373 و1566 الصادرين عنه، حيث يصف الإرهاب على أنه تهديد للسلم والأمن الدوليين من جهة، داعياً الدول إلى التعاون الكامل في محاربة الإرهاب من جهة أخرى.

وتطرق في مرحلة أولى إلى مسألة المساعدة الدولية في التحقيق وإنشاء المحكمة، قبل أن نبلور في مرحلة ثانية المعنى المتوخى من العدالة الدولية.

1 المساعدة الدولية: يلاحظ مجلس الأمن في قراره 1595 عدم قدرة السلطات اللبنانية على أن تقوم وحدها ومن دون مساعدة بتحقيق مستقل من شأنه أن يؤدي إلى محاكمة المسؤولين عن عملية الإغتيال. بل وأكثر، إذ إنه في القرار المذكور يرحب بموافقة الحكومة اللبنانية على القرار الذي سيتخذه مجلس الأمن بشأن إنشاء لجنة مستقلة دولية للتحقيق، ويرحب أيضاً باستعدادها للتعاون التام مع هذه اللجنة، في إطار سيادة لبنان ونظامه القانوني، على النحو الذي أُعرب عنه في الرسالة المؤرخة 29 آذار/مارس 2005 الموجهة من القائم بالأعمال بالنيابة للبنان لدى الأمم المتحدة إلى الأمين العام (S/2005/208).

من جهة أخرى، ودائماً في مرحلة التحقيق وتحت ولاية حكومة لبنانية تتمثل فيها معظم القوى السياسية، يأخذ مجلس الأمن علماً بالرسالة المؤرخة 13 كانون الأول/ديسمبر 2005 الموجهة إلى الأمين العام من رئيس وزراء لبنان (S/2005/783) التي تطلب إنشاء محكمة ذات طابع دولي لمحاكمة جميع من تثبت مسؤوليتهم عن هذه الجريمة الإرهابية.

واستخلص من هذه النقطة الأولى ملاحظتين اثنتين:

-إن السلطات اللبنانية عازمة على محاكمة المسؤولين عن هذه الجريمة التي وصفها مجلس الأمن بالإرهابية وأن الوسائل المتاحة لها لتحقيق هذه الغاية غير كافية (لا ننسى أن خمس عشرة سنة من الحرب وما تلاها من وصاية سورية طوال خمس عشرة سنة أخرى لم تكن مؤاتية لإجراء إصلاح معاصر للدولة ولإعادة بناء مؤسساتها).

- إن التلاقي بين السلطة السياسية المحلية والإرادة السياسية الدولية مسألة حاسمة في إنشاء لجنة مستقلة للتحقيق الدولي ومحكمة ذات طابع دولي مختصة لمحاكمة الأشخاص الذين تثبت مسؤوليتهم في الجرائم الإرهابية المذكورة.

وقال فاضل: الواقع أننا نعتقد أن أهمية إنشاء محكمة ذات طابع دولي لا تقتصر على تحقيق العدالة العقابية لإنهاء حالة اللاعقاب في جرائم الإغتيالات السياسية، ولكنها تكتسب أهمية قصوى، حيث نرى أن الوظيفة التصالحية للعدالة الجنائية الدولية يمكن أن تتبلور في إطار المحكمة الخاصة بلبنان.

واردف: "في ظل الظروف الراهنة، يأتي إنشاء المحكمة الخاصة بلبنان رداً على ضرورة إعادة إرساء السلام في لبنان، بعد أن لاحظ مجلس الأمن مراراً وتكراراً، خصوصاً في قراره 1757، أن الوضع في لبنان يشكل تهديداً للسلم والأمن الدوليين. ومنذ الوهلة الأولى، ننكبّ على مقاربة مسألة العدالة ضمن دينامية السلام والعكس بالعكس. وفي هذا السياق، يجمع رجال القانون وعلماء السياسة والفلاسفة على التمييز المحق بين العدالة الخاصة والعدالة العامة، وبين العدالة العقابية والعدالة الترميمية - التصالحية أو الوقائية، على حدّ ما يسمّيهما السيد أنطوان غارابون".

ولاحظ أنه يجري التخلي راهناً عن الحق في عدالة خاصة، قوامها الحصول على إدانة من أساء إلينا وإنزال عقوبة به، لمصلحة إحياء العدالة العامة، أي الخروج بحقيقة جماعية تعود بالمنفعة على المجتمع السياسي بأجمعه، مضيفا: ولكن، أكثر من إنتاج حقيقة منقذة أو الإعتراف بحق الضحايا، تميل العدالة العامة إلى إيجاد ظروف ميثاق سياسي جديد. فالهدف منها ليس الإقتصاص لمجرّد الإقتصاص، وبالتالي العقاب، بل إعادة إحياء العيش المشترك من خلال نشر ثقافة ديمقراطية. فميزة العدالة الترميمية تكمن في تغليبها المصالحة على كل ما سواها.

واكد ان منظور المصالحة يتميز عن العدالة العقابية بأنه أكثر حرصاً على السلام الذي يعترف بقيمته الحقة، فالسلام هو شرط لكل الأمور، بما في ذلك إحقاق العدالة ولكن استتباب السلام، بدوره، رهن بالمصير المخبّأ للضحايا، وبالتالي هو رهن بالعدالة، مفسرا أن العدالة والسلام مرتبطان بعلاقة توالُد متبادلة.

وسأل: فما الأفضل؟ النجاح في تهدئة صراع دموي وأزلي عبر المفاوضات لقاء عفو عام، أم المطالبة بالعدالة وصولاً إلى تهديد السلام؟ لقد كان الفيلسوف القانوني كارلوس نينو الذي عمل مستشاراً للرئيس ألفونسين لدى عودة الديمقراطية إلى الأرجنتين من أنصار العدالة الوقائية التي تدعو إلى حماية حذرة للمجتمع"، مشددا على ان العقوبة غير مستحبة ما لم "تقِ بشكل فعال ووفير من وقوع سوء أعظم من السوء الذي تتضمنه العقوبة بذاتها".

وقال: "إذا تناولنا الجريمة ضدّ الإنسانية أو الجريمة الإرهابية باعتبار أنها ليست جريمة ضدّ القانون الطبيعي فحسب بقدر ما هي انتهاك لعلاقة محددة، عندذاك تكتسب العدالة معنى إعادة إحياء تلك العلاقة (فنفهم بشكل أفضل، في هذه الحالة، لِما يتمّ تفضيل العار على دخول السجن: فهي عقوبة تشكل العلاقة الناقل الفعلي لها).

ولفت الى ان العدالة الترميمية تتطلع إلى المستقبل، في وقت ينظر الحكم العقابي بكامله إلى الوراء، موضحا ان الأصحّ هو القول إن هذين النموذجين للعدالة لا ينظران من المنظار نفسه إلى الماضي: فما يكون أخلاقياً وقانونياً للنموذج الأول يتحول إلى عملي وسياسي لدى الآخر.

واعتبر انه يستحيل فهم هذا الدور الجديد للقانون ما لم يتمّ التخلي، من جهة، عن الخطاب الإنتصاري الذي يعطي القانون والعدالة قوة شبه سحرية، ومن جهة أخرى، عن خطاب ديماغوجي سياسي الذي يمحو كل بعد معياري للواقع لمصلحة الإفلات من العقاب، مؤكدا ان الصعوبة الرئيسة تكمن في التفكير من الناحية القانونية في تلك الأوجه الجديدة للعدالة وبالتالي في تحديد العلاقات الجديدة بين القانون والسياسة.

واسترسل: هذا التمييز بين مكانة القانون من جهة، وموقع الأخلاق والسياسة والتاريخ من جهة أخرى، يسمح بفهم أفضل للدور الذي تضطلع به العدالة. فالدور الموكَل إلى العدالة لا يقضي بالتحديد في الترميم والمصالحة، بل في إحياء شروط عملية إعادة البناء التي تجري في مكان آخر، مع جهات فاعلة أخرى، في العالم المعاش وليس في العالم الرمزي للنطاق القضائي. فالعدالة تنحصر في دور غير مباشر يهدف إلى توفير شروط عملية إعادة البناء وتسهيلها. ولمّا كان هذا الدور غير مباشر، فهو بالتالي جزئي حتماً، وهو يحتاج إلى ما يتممه ليتحقق. وهذا إقرار بأن العدالة جزء من السياسية نوعاً ما، وأنه لا بدّ بالتالي من التعاطي معها من الناحية السياسية وليس على أنها مستقلة أو أسوأ، على أنها مناهضة للسياسة. من هنا نرى أنه لا يمكننا تحميل العدالة وزراً يفوق طاقتها وليس من اختصاصها، ولا سيما إعادة ترميم مساحة العيش المشترك. فهذا يقع على عاتق المجتمع السياسي والمجتمع المدني. وفي الوقت عينه لا نستطيع أن نُخرج العدالة من دائرة الشأن العام، أو بالأكثر أن نضعها في خانة مناهضة للسياسة.

وختم: توخياً لإحقاق عدالة ترميمية للحيز العام والعيش المشترك، على شتى الأطراف المعنية أن تعطي موافقتها وتنخرط في المسار. وهنا يكمن موطن الضعف في القضية اللبنانية وهو من مسؤولية مجمل الطبقة السياسية. في ما مضى، كانت الأكثرية تقارب الإتهامات بالإغتيال من وجهة نظر سياسية وها هي المعارضة التي أصبحت اليوم أكثرية، تقارب القرار الإتهامي من زاوية سياسية. ومع أن المحاكمة الغيابية تسمح للعملية القضائية بإحراز تقدم بالرغم من التحديات والصعوبات المتصلة بتوقيف هذا المتهَم أو ذاك، إلا أن خطأ التقدير من جانب الطبقة السياسية يشكل عائقاً في وجه تحقيق العدالة الترميمية، ما ينبغي أن نستخلصه مما جاءت به المحكمة الخاصة بلبنان هو أنه يفترَض أن يشكل منطلقاً لتعزيز الثقافة العربية في القانون الدولي للمطالبة بشتى السبل القضائية الدولية المؤاتية بإحالة مرتكبي الجرائم الجماعية التي تقع الشعوب العربية ضحيةً لها إلى القضاء، سواء أمام المحكمة الجنائية الدولية أو عن طريق ممارسة الإختصاص الدولي.

سلامة

ثم ألقى أستاذ القانون الدولي في جامعة القاهرة الدكتور أيمن سلامة كلمة مرتجلة، قال فيها: "في الواقع أخشى أن أكون أكرر ذات العبارات الحاكمة المحكمة لأساتذتي، ممن سبقوني في الجلسة الافتتاحية وايضا الزميل العزيز الدكتور فادي والدكتور طبارة. ولكن دعوني أرسل أمورا أزعم أنها متفردة وجديدة في شأن أهمية إنشاء المحكمة الخاصة بلبنان، حول تفعيل مجلس الأمن للاتفاقية الدولية بين الحكومة اللبنانية ومنظمة الأمم المتحدة".

وذكر بأن هذه المحكمة ليست الأولى التي تعنى باختصاص الموضوع القضائي في جرائم الإرهاب، فقد سبقتها نورمبرغ والدوائر الاستثنائية لجرائم الحرب في كمبوديا، كما سبقتها المحكمة الجنائية الدولية ليوغوسلافيا والمحكمة الجنائية الدولية الخاصة بسيراليون.

اضاف: كل هذه المحاكم وكل هذه الأنظمة سواء كانت خاصة وحتى المحكمة الجنائية الدولية الدائمة بموجب النظام الأساسي لروما الموقع في العام 1998 الذي دخل حيز التنفيذ في يوليو 2002. كل هذه المحاكم تقاضي وتحاسب وتعاقب على الجرائم الإرهابية لأن الأمم المتحدة ليست كمنظمة دولية في العام 1945، ولكن الأمم المتحدة كجماعة دولية متحدة قوامها 26 دولة في عام 1942 أي قبل إنشاء المنظمة الدولية، عزمت على مقاضاة الجرائم الارهابية، ولم يكن أيضا الفقيه والقاضي الأميركي الذي عُرّض إليه بإرساء وإنشاء النظام الأساسي للمحكمة الجنائية الدولية العسكرية لنورمبرغ لمحاكمة كبار مجرمي حرب النازيين، فلم يكن هو السابق أو المبادر بضرورة المحاكمة ، وإنما كان الرئيس الأميركي روزفلت في 25 أكتوبر 1941 حين صرح بأن الارهاب والترويع لا يمكن أن يجلب السلام لأوروبا إنه لا يفعل شيئا سوى بث بذور الحقد الذي سيؤدي يوما إلى قصاص رهيب.

وتابع: ربما نحن محقون بأن هذه المحكمة هي المحكمة الوليدة الاولى والسابقة، وهذا فخر لنا وفخر للعدالة الجنائية الدولية وفخر أيضا لمسيرة إنهاء ثقافة الإفلات من العقاب وإرساء مبادىء المحاسبة والمكاشفة والملاحقة والمعاقبة على الجرائم الدولية الخطيرة التي تهز الإنسانية في ضميرها، جرائم الحرب وجرائم ضد الإنسانية وجرائم الإبادة الجماعية، ثم تتفرد المحكمة باقتصارها على الجريمة الارهابية.

وتوجه الى الحضور، قائلا: لكن دعونا نركز على أهمية هذه المحكمة. فهذه المحكمة ستكون المحكمة الأولى التي سيكون لها الفضل في تعريف جريمة الارهاب الدولية بمقتضى القوانين الوطنية اللبنانية الارهابية، ولا شك في أن القضاة اللبنايين سيكون لهم الفضل في تفسير وكيفية إنفاذ القوانين اللبنانية الوطنية المعنية بالملاحقة والعقاب على جريمة الارهاب. هذه المحكمة وأهميتها تكمن في أنها المحكمة الأخيرة حتى اللحظة الآنية في محطات قطار العدالة الجنائية الدولية الذي أشار إليه الدكتور محمد عياط ، وهي تحاول جاهدة أن تستحوذ على كل الايجابيات وكل الإنجازات غير المسبوقة لسائر المحاكم الجنائية الدولية الاخرى سواء كانت محاكم خاصة كما في يوغوسلافيا في العام 1993 ورواندا في العام 1994 ، أو كانت محاكم ذات طابع دولي كما في سيراليون وتمور الشرقية وكوسوفو والدوائر الاستثنائية لمحاكمة جرائم الحرب في كمبوديا أو حتى المحكمة الجديدة المنشأة في يوغوسلافيا في العاصمة البوسنية ساراييفو ، وهي دوائر محاكمة جرائم الحرب.

واشار الى ان الضمانات الواردة ومعايير العدالة الجنائية الدولية التي أتى بها ذلك النظام الأساسي للمحكمة لم تتوصل إلى هذه الضمانات المحكمة الجنائية الدولية الدائمة، مؤكدا ان هذه المحكمة خطوة هامة في سياق كيفية المحافظة على السلم والأمن الدوليين، لأن مجلس الامن حين أنشأ محاكم يوغوسلافيا وحين أنشأ محاكم رواندا وحين أصدر قرار الإحالة الشهير 1593 في آذار2005 بمقتضى الباب السابع من ميثاق الأمم المتحدة واستفادةً من النظام الاساسي لمحكمة روما المادة 13 فقرة ب، مجلس الامن في هذه الأحوال لم يستهدف معاقبة المجرمين ولا ردع الجناة المستقبليين ولا تعويض الضحايا.

اضاف: مجلس الامن استخدم آليات العدالة الجنائية الدولية سواء الهيئات القضائية الفرعية المؤقتة التي تندرج تحت عباءة مجلس الامن، مثل يوغوسلافيا ورواندا بموجب ميثاق الأمم المتحدة أو آلية الجنائية الدولية بموجب المادة 13 فقرة ب، مجلس الامن لا يهدف في النهاية إلا إلى تحقيق المقصد، لمنظمة الأمم المتحدة وسائر الأجهزة الرئيسية والفرعية الدائمة أو المؤقتة لمنظمة الأمم المتحدة وهي تحقيق السلم والأمن الدوليين ومجلس الامن في كل هذه القرارات بإنشاء محاكم أو بإحالة إلى محاكم، فهو يكرر العبارة الجليلة التي رددتها محكمة العدل الدولية الجهاز القضائي الرئيسي لمنظمة الأمم المتحدة في القضية الشهيرة، وهي قضية ليبيا ، قضية لوكربي عام 1993، حين أشار قضاة هذه المحكمة بأن الباعث الرئيسي لوجود محكمة العدل الدولية هو حفظ السلم والامن الدوليين. محكمة العدل الدولية تتحدث عن نفسها باعتبارها هيئة اساسية وجهاز رئيسي من أجهزة منظمة الامم المتحدة.

وذكر بأن مجلس الامن، ومنذ أحداث سبتمبر عام 2001، آل على نفسه إلا أن يتبنى اتخاذ قرارات بموجب البند السابع، ملزمة ليس فحسب للحكومة اللبنانية ولكن لسائر أعضاء منظمة الأمم المتحدة باتخاذ إجراءات وتدابير فاعلة لمحاربة ومكافحة جريمة الارهاب الدولي، معتبرا ان الأهمية لرجال القانون والفقه والقضاء والاكاديمية العربية تكمن في أن هذا سياق فريد متميز أتى إلى السياق العربي وأتى إلى البيئة العربية بعد الرسالة الصريحة التي وٌجّهت من رئيس الوزراء الأسبق الرئيس فؤاد السنيورة إلى الأمم المتحدة يطالبها بإنشاء محكمة، سواء كانت هذه المحكمة في لبنان أو في خارجه، ومجلس الأمن اهتم بهذه المسألة.

وقال: وكما أشار نقيب المحامين الأسبق في الجمهورية اللبنانية(ميشال ليان) في رسالته المتلفزة بأن المجلس أرسل لجنة لتقصي الحقائق، ثم لجنة تحقيق مستقلة ثم أيضاً أرسى وفعّل مجلس الامن الاتفاقية الدولية الثنائية التي عقدتها الحكومة اللبنانية ليس لتحقيق مآرب سياسية أو تجارية أو جمركية أو بريدية للجمهورية اللبنانية أو للأمم المتحدة ، ولكن كان الهدف الأسمى من هذه الاتفاقية هو تحقيق السلم والأمن الدوليين ومجلس الأمن طبق في هذا الاعتبار النصوص الصريحة اللفظية الحرفية للمادة 24 والتي تحدد أنه حتى يكون عمل الهيئة فعالاً وسريعا، ومن ثم تدخل مجلس الأمن لإنفاذ الاتفاقية الدولية الثنائية وذلك لتنفيذ القرارات السابقة التي اتخذها مجلس الامن.

وامل في تكون هذه المسيرة ابتدائية لا تنتهي ولا تجهض في مسيرة العدالة الجنائية، مشددا على أنه يجب أن نسير ونساير الجماعة الدولية في إرساء مبادىء محاربة الإفلات والعقاب المستشرية في المنطقة العربية، وايضا ارساء مبادىء المساءلة والمحاسبة والمكاشفة باعتبارها قيمة مهمة من قيم الديمقراطية .

وختم: للأسف هناك حقيقة واقعة مؤلمة، ان المنطقة العربية هي أكثر المناطق الجغرافية في العالم تشهد انتهاكات جسيمة لحقوق الإنسان، وهي أفطر وأنضر وأعدم منطقة جغرافية في العالم ترسي آليات وأنماط العدالة الجنائية الدولية.

حوار

ثم بدأت مناقشة حول محور الجلسة حيث وجه أحد المشاركين سؤالاً حول مدى إمكانية تفويض مجلس الامن للأمين العام للأمم المتحدة إجراء مفاوضات حول إنشاء المحكمة، كما سأل: "هل مجلس الامن له صلاحية؟ وأين هذه الصلاحية في النص القانوني؟ وإذا كان مجلس الأمن يملك هذا التفويض، فهل يملك أن يفوض في هذا الموضوع الامين العام للأمم المتحدة؟ وإذا حصل هذا التفويض هل يمكن للأمين العام أن يتجاوز الميثاق؟".

أجاب الدكتور طبارة قائلاً: "في ما يتعلق بمسألة التسميات، والعلاقة بين الأمين العام ومجلس الأمن الدولي. في الواقع هناك صلاحيات عادية وصلاحيات استثنائية . إن مجلس الامن الدولي مارس صلاحيات استثنائية وكله كان خارج عن الأصول العادية. القانون الدولي ليس قانوناً ثابتاً ونهائيا ، وانما هو قابل للتغيير ، وبمفهوم أحكام قصرية وهي في الواقع احتياطية ، وهي نوع من المبادىء التي تحاول سد الثغرات. الامين العام ومجلس الامن يحاولان من خلال هذه المبادىء الخروج من الأصول العادية إلى أصول جديدة . وحتى يبقى لبنان ضمن التشريعات الداخلية ، ينبغي أن يكون مجلس النواب سيدا عليها وعندئذ تسمو الاتفاقية الدولية على القوانين الداخلية . ما حصل أن لبنان بجهازه النيابي لم يوافق على إدخال الاتفاق الدولي بين الأمين العام للأمم المتحدة والحكومة اللبنانية ضمن التشريع الوطني. لأول مرة تثار هذه المسألة الحساسة وأتصور أن كل النزاعات التي يمكن أن تنشأ حول مشروعية تنفيذ القرارات التي ستصدرها المحكمة ستنتج عن هذا التساؤل: هل يمكن تنفيذ اتفاقية دولية رفضها لبنان. نحن نعلم أنه في نظام المحكمة يُمنع إعطاء عفو عن جميع الجرائم بمعنى أن الهيئة الدولية هي من تقوم بحل جزء كبير من المشاكل، وتعلم مسبقا بما يمكن أن يحدث حول صدور عفو عام أو خاص أو غير ذلك، كل ذلك من اجل استمرار مسيرة القانون الدولية. إن الإجابة عن هذا السؤال أمر سابق لأوانه، وقد نستطيع بنهاية المؤتمر إعطاء الإجابة.

ثم تحدث الدكتور أيمن سلامة، وقال: "أود إبداء رأيي الذي قد لا يكون رأي المرجعية القانونية لتعاملات ومعاملات الدول الـ192 بما فيهم الجمهورية اللبنانية، ليس مع مجلس الأمن ولا مع أي جهاز آخر لكن مع كل أجهزة الأمم المتحدة، ليست هي المعاهدة الدولية ولا العرف الدولي ولا آراء فقهاء القانون الدولي ولا المبادىء العامة للقانون الدولي. المرجعية الأولى إن لم تكن الحصرية هو ميثاق منظمة الأمم المتحدة الذي عالج هذا السؤال الجدلي منذ عام 1945 وحين صرحت حرفيا المادة 103 من الميثاق بأنه إذا تعارضت إلتزامات الدول الأعضاء في الأمم المتحدة التي ترتبط بها وفقا لأحكام هذا الميثاق مع أي التزام دولي فإن النافذ هو ذلك الميثاق. أتت محكمة العدل الدولية في العام 1993 والقضاة في المحكمة في قضية لوكربي، وبعد أن فصلت وأصدرت أمراً بأن المحكمة لها ولاية قضائية على اتخاذ وإصدار تدابير وقتية ضد الولايات المتحدة الأميركية والمملكة المتحدة وقبول طلب الجماهيرية العربية الليبية، تدخل مجلس الامن وأصدر قراره الشهير بموجب البند السابع من ميثاق الأمم المتحدة ، فغُلّت يد العدالة الدولية وقضاة العدل الدولية أصدروا بإجماع 11 قاضٍ ضد 5 قضاة ، وكان يشرف الجامعة العربية في ذلك الوقت القاضي الدكتور أحمد صادق القشيري. أصبح ليس لدينا من سلطة ولا من اختصاص ولا من كلمة بعد أن أصدر مجلس الامن قرار بموجب الباب السابع من ميثاق الأمم المتحدة. في الحالة اليوغوسلافية لم يكن يحتاج مجلس الأمن لتفاقية، في الحالة الرواندية مجلس الأمن لم يكن يحتاج للاتفاقية، ولكن مجلس الأمن في الحالتين اتخذ قرارا انفراديا ومجلس الأمن لا يستطيع وليست له من سلطة أن يرفض طلب الدولة اللبنانية التي تستجير مجلس الامن لأن الأخير واجب عليه في حالة الطلب اللبناني كما في الحالة الرواندية ، وفي الحالة الكمبودية وبعد 30 عاماً من ارتكاب جرائم الإبادة ضد الغنسانية، أصرّت الأمم المتحدة على إنفاذ هذه المحكمة ذات الطابع الشاذ الاستثنائي الذي يتخذه الكثيرون في واقعنا القانوني العربي بأنه مثالاً يحتذى".

بعد ذلك، عقّب الدكتور طبارة على ما ورد من قبل أحد المشاكرين، بالقول : "إن مجلس الامن عند مقاربته حالة اغتيال الرئيس رفيق الحريري كجريمة ارهابية، لم تكن مقاربته مبنية على أنه هيئة قضائية، بل على أنه هيئة سياسية له الصلاحية بموجب ميثاق الأمم المتحدة أن يحفظ الامن والسلم الدوليين. أذن، همه الأساس هو كيفية الحفاظ على السلم والأمن الدوليين وخاصة على إعادة إرساء السلام في لبنان، بعدما أعطى توصيفا على أنها إرهابية، شكلت تهديدا للسلم والأمن الدوليين والمحليين في لبنان. وبالتالي ، فالعدالة ليست بحد ذاتها الهدف بل هي الوسيلة التي وضعها مجلس الأمن كإطار من اجل إعادة إرساء السلام في لبنان، ومن هنا تأتي آلية تفويض الأمين العام ، تأتي آلية الأخذ بالعلم من ناحية المسار في المفاوضات وإنفاذ الاتفاقية . إذن، مجلس الامن قارب هذه الحالة ولا يزال يقارب الحالات إن كان في يوغوسلافيا السابقة أم في رواندا أم في سيراليون أم في لبنان كحالات تشكل تهديداً للسلم والأمن الدوليين" .

ثم علّق الدكتور نصري دياب على هذا الموضوع، قائلاً: " أيضا نذكر أن هناك علاقة عضوية بين الأمم المتحدة وقراراتها والدستور اللبناني. في مقدمة الدستور، حيث توجد الفقرة ب التي تقول إن لبنان عربي الهوية والانتماء وهو عضو مؤسس وعامل في جامعة الدول العربية كما هو عضو مؤسس في منظمة الأمم المتحدة ملتزم مواثيقها. هذه الفكرة مهمة من اجل معرفة أن القرارات المتخذة من قبل الأمم المتحدة يمكن النظر إليها بطريقة عضوية ضمن النظام القانوني اللبناني وليس مجرد قرار صادر من هيئة عامة."

بعد ذلك، قدم الدكتور ماجد فياض مداخلة جاء فيها: " حضرة الرئيس، رغبة في تصويب المصطلح القانوني، أبدي تصويبين وأسأل سؤالا، أولا في ما خص المحكمة الخاصة بلبنان، ولأن البعض منا يستخدم كما في العنوان أيضا تعبير المحكمة الدولية الخاصة بلبنان، إن هذه المحكمة ليست دولية وإنما هي محكمة ذات طابع دولي، هذا في ما خص التصويب الاول. في ما خص التصويب الثاني وبكل احترام لشخصكم الكريم، فقد ذكرتم وأنتم تجيبون على سؤال الزميل الكريم الحاضر في القاعة من أن لبنان قد رفض إدخال الاتفاقية في التشريع اللبناني . إن لبنان بما هو دولة ذات سيادة وسلطاته الدستورية سواء كانت تشريعية أم تنفيذية أم قضائية كما نص الدستور اللبناني، ومن خلال واقع عدم عرض مشروع الاتفاقية على مجلس النواب لأنها أرسلت إليه ولكن المجلس لم يدرجها في جدول أعماله ولم تناقش بإرادة وقرار من الرئيس، فهذا يعني أن الاتفاقية حتى تاريخه لم تناقش في مجلس النواب ليكون لبنان قد رفضها أو قبلها لكي ينتهي المسار الدستور إما بالتصديق على الاتفاقية أو بعدم التصديق. إذن، لا نستطيع أن نقول إن لبنان قد رفض إدخالها حتى هذه الساعة في التشريع اللبناني . إننا نعرف، وهذا ما استند إليه رئيس المحكمة الخاصة بلبنان طونيو كاسيزي، وهو أنه عندما يقدم بلد على خطوات تنفيذية لما هو معاهدة أو شبه معاهدة، وعندما تكون هذه الخطوات تنفيذ للمضمون فكأنما أقر الاتفاقية نفسها ، ولنتذكر أن لبنان قد وقع مذكرة تفاهم مع المحكمة الخاصة وأن وزير العدل كما النيابة العامة التمييزية قد أقدمت على خطوات متعددة في سبيل تيسير مهمة لجنة التحقيق الدولية ومن ثم مهام المدعي العام الدولي بعد تحوله من محقق دولي ، أي السيد دانيال بلمار، إلى مدع عام دولي، كان ذلك من أجل التصويب القانوني في الأمرين . أما بالنسبة للسؤال، فهو موجه للدكتور أيمن سلامة، وأتمنى أن يفسر قوله بأن المحكمة الخاصة بلبنان ستطبق وستكيف مفهوم الارهاب من خلال تطبيق القانون اللبناني وإلى حد كبير ستكون للمحكمة الخاصة مساهمة من دون شك لأن النظام الأساسي للمحكمة قد نص على وجوب تطبيق العقوبات في ما خص العقوبة ولكي نحدد العقوبة لا بد من أن نحدد المسؤولية وتاليا إلى أي حد نكون في القانون الدولي الجزائي وفي ما خص بالتحديد ما اقرته صكوك الأمم المتحدة بشأن الارهاب يكون هناك من تجاور بين القانون اللبناني ومفاهيمه وبين ما أقرته صكوك الأمم المتحدة . إلى أي حد يكون بالإمكان لهذه المحكمة أن تطبق مفهوم الارهاب وأن تكيفه من خلال القانون اللبناني".

وكانت للدكتور سلامة الإجابة على هذا السؤال، إذ اوضح بأن "اسم المحكمة هو المحكمة الجنائية الخاصة بلبنان. أما بالنسبة للدستور والمعاهدات واتفاقية فيينا لقانون المعاهدات الدولية لعام 1969، فهذه المسألة محسومة . الدساتير تلزم الدول. الحقيقة أننا نغفل حقيقة إن مجلس الأمن ليس بقضائي ولا قانوني ولا فقهي ، هو مجلس أمني سياسي لا ينظر ولا يجب عليه أن ينظر في القانون الدولي، لأن الدول الأعضاء هي من طلبت من مجلس الأمن أن يكون تدخله سريعاً وفعالاً بموجب المادة 24، وأن مجلس الأمن كما قال القاضي الشهير أودا، له أن يخالف ويعطل ويرجىء القانون الدولي حفاظا على السلم والأمن الدوليين".

الجلسة الثانية

بعد الاستراحة، انطلقت الجلسة الثانية من المؤتمر القانوني العربي لدراسة المحكمة الدولية الخاصة بلبنان تحت عنوان "مجلس الأمن وحقوق الانسان" وأدارها المحامي فريد مطر من لبنان.

بداية، تحدثت القاضية أمنة القلالي من مكتب المدعي العام في المحكمة الجنائية الدولية في لاهاي، حيث تمحورت كلمتها حول العلاقة بين مجلس الأمن وحقوق الانسان فقالت أن المحكمة الجنائية الدولية تضطلع بمهمة محاكمة أكبر المسؤولين عن جرائم الحرب أو الجرائم ضد الانسانية التي هي في النهاية انتهاكات جسيمة لحقوق الانسان".

وأعطت لمحة تاريخية عن تطور علاقة مجلس الأمن بحقوق الانسان ومختلف المراحل التي مرت بها، فأشارت الى ان حماية حقوق الانسان هي من المبادئ الأساسية التي يقوم عليها ميثاق الأمم المتحدة كما تنص ديباجتها والمادة الأولى التي تنص على ان احترام حقوق الانسان من اهداف الأمم المتحدة التي قامت بصياغة العديد من المعاهدات الخاصة بحقوق الانسان.



وإذ اشارت الى ان جهاز الأمن شهد فترة من الجمود في أثناء الحرب الباردة نظرا لحق النقض واليوم، رأت أن مجلس الأمن عاد يتمتع بصلاحيات مهمة ويلعب دوراً كبيراً في ارساء وحماية حقوق الانسان، خاصة بعد سقوط جدار برلين حين تمت إعادة إحياء المجلس كجهاز فعلي وكان الأداة الأكثر فاعلية في عمل المجلس حيث الالتجاء الى الفصل السابع يمكّن مجلس الأمن من اتخاذ قرارات ملزمة في وجود حالات تهدد السلم أو وقوع عدوان.

ورأت القاضية قلالي ان العلاقة بين مجلس الأمن وحقوق الانسان تعطي المجلس بعداً جنائياً لحماية حقوق الانسان من خلال بعث محاكم جنائية دولية خاصة كبعض الحالات التي اعتبرت كوارث انسانية كما حصل في في يوغوسلافيا ورواندا، مشيرة الى ان "وقع هذه المحاكم الريادية في مجال القانون الجنائي كبيراً وقد قامت بإعادة إحياء القانون الانساني الدولي وقانون الحرب حسب التطورات التي شهدتها الحروب العصرية التي لم تعد حروب دولية بل أصبحت حروب أهلية دفع فيها المدنيون الثمن الكبير."

وتطرقت إلى شؤون وآليات عمل المحكمة الجنائية الدولية والعلاقة التي تربطهما في مجلس الأمن، فقالت ان المحكمة الجنائية الدولية خلافاً للمحاكم الأخرى - ومنها محكمة لبنان- لا توجد علاقة عضوية بينها وبين الأمم المتحدة، مشيرة الى ان المحكمة منظمة مستقلة قائمة بذاتها بمقتضى ميثاق دولي هو ميثاق روما الأساسي لسنة 1998والتي دخلت حيز التنفيذ في 1 يوليو 2002.

عبدالناصر

ثم ألقى الدكتور مانع جمال عبد الناصر، أستاذ القانون الدولي العام وعميد كلية الحقوق في جامعة باجي مختار عنابة في الجزائر، مداخلة بعنوان "دور مجلس الأمن في مجال حماية حقوق الإنسان كمظهر لحفظ السلم والأمن الدوليين".

واعتبر أن قضية حقوق الإنسان لاقت اهتماما كبيرا في برامج الأمم المتحدة منذ أمد طويل، ولكنها أصبحت أكثر إلحاحا في أعقاب هجوم 11 سبتمبر 2001 مع حدوث أعمال إرهابية في العالم.

أضاف عبد الناصر: أن الأمم المتحدة مع إدانتها الإرهاب إدانة قاطعة بغض النظر عن دوافعها، فقد أعطت أولوية لمسألة حقوق الإنسان في سياق تدابير مكافحة الإرهاب، بحيث كانت الجزاءات المتخذة من طرف مجلس الأمن بخصوص قضايا الإرهاب تأخذ شكل جزاءات يفرضها على الدول التي يرى أن لها صلات بأعمال إرهابية معينة.

وأكد أن مسؤولية النهوض بمهام الأمم المتحدة في مجال إشاعة أو تشجيع الاحترام العالمي لحقوق الإنسان تقع أساسا على عاتق أجهزة الأمم المتحدة التي منها مجلس الأمن صاحب المسؤولية الأولى عندما يكون الإخلال بالسلم والأمن الدوليين ناجما عن انتهاكات جسيمة وواسعة لحقوق الإنسان، حيث أسند له ميثاق الأمم المتحدة التبعات الرئيسة في مجال حفظ السلم والأمن الدوليين.

وأوضح ان التطور الأهم والأعمق الذي شهده القانون الجنائي الدولي قد جاء في سنة 2007، وذلك من خلال إنشاء محكمة خاصة بلبنان أسند إليها مهمة تطبيق القانون الداخلي اللبناني ومحاكمة الأشخاص المسؤولين عن جريمة اغتيال رئيس وزراء لبنان الأسبق رفيق الحريري ومرافقيه، مشيراً إلى ان المحكمة التي تتميز بأنها ذات طابع دولي تختص بالنظر في الجريمة الإرهابية، حيث أن العمل الإرهابي المعروض أمام المحكمة يخضع للفصل السابع من ميثاق الأمم المتحدة، إذا تم تكييفه من قبل مجلس الأمن بأنه يهدد السلم والأمن الدوليين.

أضاف "بهذا يكون مجلس الأمن قد تعامل مع جريمة اغتيال الرئيس الحريري على أساس أنها جريمة إرهابية تهديد للسلم والأمن الدوليين، ولا تدخل في اختصاصات المحكمة الجنائية الدولية الدائمة التي تنظر في جرائم الحرب وجرائم الإبادة الجماعية والجرائم ضد الإنسانية."

النويصر



ثم تحدث المحامي خالد النويصر من السعودية، فاعتبر أن التحديات التي تمر بها المنطقة، رغم مراراتها وقسوتها، قد تكون بمثابة مخاض يفضي في نهاية الأمر إلى مزيد من الحرية والكرامة للإنسان، مضيفاً ان ضمان حماية حقوق الإنسان كانت أهم الأسباب التي قامت من أجلها الأمم المتحدة في العام 1945م، وذلك لتعزيز وترسيخ هذه المفاهيم.

ورأى ان موضوع حماية حقوق الإنسان يحظى باهتمام بالغ ويشكل تأثيراً غير محدود في بنية وتشكيل الأنظمة الحديثة والتعامل مع المنظمات العالمية والعلاقات السياسية والاقتصادية والاجتماعية بين دول المجتمع الدولي، مضيفاً أن "مجلس الأمن اضطلع في السنوات الأخيرة بدور متزايد في مجال حقوق الإنسان من خلال القرارات المتعلقة بعمليات حفظ السلام ونشر خبراء لرصد حالات إنتهاك هذه الحقوق."

وأمل في أن يكون في مجلس الأمن معيار واضح يحدد الدور الذي يُفترض أن يلعبه عند حدوث انتهاكات لحقوق الإنسان في أي مكان بالعالم، فضلاً على تحديد الآليات لمعالجتها، معتبراً أنه "طالما الإنسان وحقوقه هما القضية الجوهرية وليس الاعتبارات السياسية ومصالح الدول فقط، فإنه سوف يؤدي إلى مزيد من الأمن والسلام العالمي."

فاضل

وتساءل فاضل عما إذا كان الإطار القانوني للتقرير بين مجلس الأمن الدولي والمحكمة الخاصة بلبنان يمثّل ضمانات أو سيفاً ذي حدَّين، وقال: إن إنشاء المحكمة الخاصة بلبنان يتمحور حول إعادة الأمن والسلام إلى البلد، مشيراً إلى أن مجلس الأمن هو المحفل المُكلَّف، بموجب ميثاق الأمم المتحدة، الحفاظ على الأمن والسلم الدوليين.

أضاف: "في حال حصول أي خلل بهذين الجانبين، هل يمكن أن يذهب مجلس الأمن إلى اتخاذ خطوة يُعلِّق أو يلغي بموجبها أعمال المحكمة، أو يُعدّل ولايتها؟ ربما من الممكن أن يقوم مجلس الأمن الدولي بخطوة مماثلة من الناحية القانونية، ولكن مبدأ فصل السلطات الغالي جداً على قلب الرأي العام ولا سيما المجتمع الغربي قد يكون سيفاً ذي حدّين في مجلس الأمن. وفي المقابل وبالعودة إلى المراجعة التي أجراها مجلس الأمن في 5 تشرين الثاني 2010 المرتبطة بالوضع في لبنان وبالمحكمة الخاصة، في ضوء الأحداث التي اندلعت27 تشرين الثاني، لن يكون من المفيد أن تتخذ السلطات اللبنانية إجراءات أو موقفاً رسمياً يتعارض مع التزامات لبنان الدولية ويهدّد حسن سير المحكمة الخاصة."

ولاحظ أنه "بالإمكان إصدار أحكام غيابية، مما يعكس تنبُّه الطريفين اللبناني والدولي إلى الطابع المعقَّد الذي تكتسيه عملية توقيف المشتبه بهم الفارّين. ويعني هذا الأمر أن الطرفين كانا حريصين على عدم حصول أي خلل في حسن سير المحكمة الخاصة بسبب الصعوبات الظرفية"، لافتاً إلى أن السلطات اللبنانية يجب أن تعي أنها قادرة على إيجاد طرق، من الناحية القانونية ومن خلال التعاون مع المحكمة الخاصة، من شأنها أن تصون الوحدة الوطنية من دون الإخلال بالتزامات لبنان الدولية."

وأشار إلى أن مجلس الأمن مخوّل، "بموجب القرار 1757، التدخُّل في مرحلة معينة من إنشاء المحكمة الخاصة، ألا وهي مرحلة تنفيذ الاتفاق بين الأمم المتحدة ولبنان (...) مما يعني أن مجلس الأمن يمكنه التدخل في حال وقوع أي مشكلة قد تهدد سير المحكمة."

وخلص إلى أنه يمكن تفهُّم مخاوف البعض المتعلقة بالصلاحيات الممنوحة لمجلس الأمن بموجب ميثاق الأمم المتحدة، لا سيما في ضوء غياب أي وسيلة للجوء إلى سلطة قضائية تراقب أعمال المجلس. مشيراً إلى أنه في ظل عدم وجود هيئة قضائية مباشرة لمراقبة قرارات مجلس الأمن، يصبح التحرُّك الأنسب الذي يمكن أن يقوم به لبنان هو توسُّل الخيار الدبلوماسي الكفيل بالتأثير على توجهات المجلس.

الجلسة الثالثة

في بداية الجلسة الثالثة والتي أدارها المحامي كمال ابو ظهر (لبنان)، ألقى استاذ كلية العلوم القانونية والسياسية والإجتماعية في تونس الدكتور لطفي الشاذلي كلمة جاء فيها: "مثل استشهاد الوزير الأول اللبناني السابق رفيق الحريري بتاريخ 14 شباط 2005 ، واثنين وعشرين من رفاقه إضافة إلى عشرات الجرحى زلزالا حقيقا أعاد تشكيل منطقة الشرق الأوسط وذلك إضافة إلى لبنان، ومازالت ارتجاجاته مؤثرة في العالم العربي".

وأكد أن للبنان مكانة خاصة في قلب كل عربي يتوق إلى التعايش بين الحضارات وبين الأديان ، وإلى تلاقح هذه الحضارات لا إلى تناحرها وهي نقطة التقاء وحيدة بين الشرق والغرب".
 
لإضافة أي تعليق عليك أن تكون مسجلاً أو إضغط هنا للتسجيل
 
تعليقات سابقة
 
لا يوجد تعليقات على هذا الخبر