الجمعة في ٢٤ تشرين الثاني ٢٠١٧ ، آخر تحديث : 09:44 م
YouTube Twitter Facebook RSS English French Portuguese
انطلاق المؤتمر القانوني العربي لدراسة المحكمة الدولية
 
 
 
 
 
 
١ شباط ٢٠١١
 
إنطلقت اليوم فعاليات المؤتمر القانوني العربي لدراسة المحكمة الدولية الخاصة بلبنان في قصر السلام في لاهاي - هولندا بدعوة من الهيئة العلمية لنشر الثقافة القانونية في العالم العربي.
ويشارك في المؤتمر متحدثون من أغلب الدول العربية يصل عددهم إلى نحو أربعين متحدثا يتوزعون على ثماني عشرة جلسة تتضمن الظروف الاستثنائية لإنشاء المحكمة الدولية الخاصة بلبنان، ودستورية إنشاء المحكمة، وتعريف جريمة الإرهاب بموجب النظام الأساس للمحكمة، واستقلال المحكمة الدولية، ودور المحكمة في تعريف الإرهاب، والمحكمة الدولية مقارنة بغيرها من المحاكم الدولية، والمحاكمات الغيابية بموجب النظام الأساسي للمحكمة، وعناصر ومفهوم القرار الاتهامي.

كما سيبحث المشاركون ضمانات المحكمة العادلة، وقواعد الإجراءات والإثبات بموجب النظام الأساسي للمحكمة، والحقوق الشخصية للمتضررين، وحقوق الدفاع أمام المحكمة، والعلاقة بين لجنة التحقيق ومراحل المحاكمة، وسلطة المدعي العام للمحكمة وعلاقة المحكمة بباقي الدول غير لبنان.

وحضر الجلسة الإفتتاحية، السفير اللبناني في هولندا زيدان الصغير، السفير اليمني في هولندا الدكتور نجيب عبيد، السفير السوداني في هولندا محمد حسن محمد علي، السفير العراقي في هولندا إبراهيم سعد إبراهيم، السفير القطري في هولندا ناجح دحدوح، والسكرتير الأول في السفارة الأردنية رغد السقا.

كما حضر وفد من المحكمة الدولية الخاصة بلبنان كزائرين ومستمعين إلى الجلسة الإفتتاحية فقط، بالإضافة إلى فاعليات قضائية وقانونية.

وبعد تعريف من عضو الهيئة العلمية لنشر الثقافة القانونية في العالم العربي البروفوسور أيمن سلامة، ألقى نائب رئيس محكمة تحكيم غرفة التجارة الدولية وقاض خاص في محكمة العدل الدولية سابقاً، الدكتور أحمد القشيري كلمة جاء فيها: "يسعدنى أن أشارك فى حفل إفتتاح هذه الندوة العلمية فى مقر حصن العدالة الدولية بمدينة لاهاى ، وأذكر فى بداية كلمتى بالمبدأ السماوى الذى أورده القرآن الكريم و الذى يعد أساسا خالداً لما يجب أن تقوم عليه الجماعة الدولية ومقتضاه أن من قتل نفسا بغير حق فكأنما قتل الناس جميعا. فالخطاب الربانى ليس موجها لقوم دون آخرين وإنما يعم كافة البشر على السواء، للمسلمين وغيرهم من المنتمين لديانات أخرى أو الذين لايؤمنون بأية ديانة، والنهى يتناول قتل أى نفس، أى شخــص بمعنى (person) أو ( tre humainê( معتبرا القاتـــل كمن قام بعمله الشائـــن وإرتكب جريمتـــه النكراء فــى حــق جميـــع البشـــر بمعنــى ((all people أو ( toute l'humanité).

وقال: "من هذا المنطلق الذى لا يأتيه الباطل من أمامه أو من خلفه يمكن التأكيد على أن القاعدة الأصولية في عالمية الشرعية الجنائية تجد جذورها البعيدة و العميقة في المفاهيم التي تعود إلى أكثر من 14 قرنا مضت، وليست كما قد يتصور البعض نتاج التطورات الحديثة التي ظهرت تطبيقاتها في النصف الثاني من القرن العشرين و بدأت تؤتي ثمارها في السنوات الأخيرة".

وأوضح أن "المحاكم الجنائية الدولية التي تم إنشاؤها بمناسبة جرائم راح ضحيتها العديد من الأبرياء فى العديد من البلدان لا يمكن النظر إليها باعتبارها ظاهرة إستثنائية تنتقص من السيادة الوطنية للدول التى وقعت على إقليمها تلك الأفعال التي فجرها مجرمون لترويع الأبرياء في شتى مناحي الأرض"، مؤكداً أن "التأصيل القانوني الذي نتبناه والمؤمن بسمو قواعد القانون الدولي والإتجاه إلى النظرة العالمية للعلاقات البشرية عبر الحدود الإقليمية التي تم تجاوزها بفضل ثورة الإتصالات الكونية والتكنولوجيا المتطورة بحيث صار العالم قرية مفتوحة لكافة أجناس البشر و الأفكار التى تغذى مختلف الجماعات. وإذا كانت المبتكرات الفكرية و العلمية قد أظهرت فى جوانبها الإيجابية قواعد قانونية مشتركة أو متقاربة لتنظم العلاقات عبر الدولية، فإن الإفرازات السلبية فى مجالات الأعمال غير المشروعة و الجرائم ضد الإنسانية توجب بالمثل إيجاد تنظيم فوق الدول يحدد أسلوب معالجة الإنحرافات و يفرض من القواعد ما يمكن أن يعهد به ليس فقط إلى سلطات الدول الوطنية الأعضاء فى الجماعة الدولية، وإنما تتجاوز ذلك إلى إستحداث قضاء على المستوى الدولي لردع الأشرار الذين يعيثون في الأرض قتلا وتخريبا و فسادا".

أضاف: "هذه الصلة بين المستويين: فوق الوطنى (supra national) ، والتنظيم المتروك للدولة في نطاق قوانينها ومحاكمها الداخلية ((sur le plan national ، قد تنبه إليها العديد من الفقهاء، وعلى رأسهم العلامة الفرنسى George Scelle منذ منتصف القرن العشرين عندما ذاع شأن نظريته حول أساس سمو قواعد القانون الدولى الذى يحدد الإطار لما يأتى دونه من تنظيمات وطنية، وهى النظرية المعروفة بإسم " الإزدواجية الوظيفية" (Le dédoublement fonctionne ).

واسترسل : "من المعروف أن البرفيسور Scelle كان من أوائل من لعبوا دورا كبيرا في جهود تقنين قواعد القانون الدولى من خلال لجنة الأمم المتحدة للقانون الدولى، حيث كان من الرعيل الأول للعلماء الأفذاذ الذين وضعوا معالم الطريق لتحديث وتطوير مختلف الموضوعات التى تهم الجماعة الدولية "La Communauté internationale") بالمعنى الذى أوضح معالمه أستاذنا الراحل (René- Jean Dupuy، سواء فى مسائل السلم والحرب وحل المنازعات بالوسائل السلمية و المسئولية الدولية أو تلك التى تجاوزت ذلك الإطار التقليدى لتركز فى العقدين الأخيرين على حقوق الإنسان و الجرائم الدولية و الجرائم ضد الإنسانية والإرهاب و العقاب لمرتكبيها أمام محاكم دولية وفقا لإجراءات وضمانات تكفل سيرالمحاكمات على نحو يتسق تماما مع مقتضيات الشرعية الدولية، بما فى ذلك ضوابط توفير محاكمة عادلة ( fair trial)، و إحترام حقوق المتهم الذي تفترض براءته حتي يثبت بالدليل القاطع إرتكابه الجريمة المنسوبه إاليه، و ما يعرف إصطلاحا بتعبير (الــ due process ).
وسجّل، بعيدا عن أي اعتبارات سياسية، مايلي:

(أولاً)- لا أعتقد أن هناك أدنى خلاف ممكن حول ضرورة أن يلقي جزاءه كل شخص إرتكب عملا إرهابيا و قام بقتل أشخاص أبرياء، و ذلك بعد أن تتم محاكمة عادلة له و يثبت لقضاة يتسمون بالحيدة و الإستقلالية قيامه بذلك العمل الإجرامي.

(ثانياً)- في الحالات التي يكون فيها متعذرا توفير المحاكمة العادلة للمتهم في إقليم الدولة التي أرتكبت فيها الجريمة الإرهابية و وفقا للقانون الجنائي الوطني أو نظراً لبشاعة الجريمة و إثارتها لمشاعر الجماعة الدولية، قد يكون من الأنسب أن تتصدي أجهزة الأمم المتحدة المختصة لمباشرة حقها الأصيل في إقامة محكمة ذات طابع دولي يتم في إطارها التحقيق بالنسبة للوقائع و الظروف المحيطة بتلك الجريمة أو الجرائم، و يقوم قضاتها الذين تتوافر فيهم الحيدة و الإستقلالية بتولي إجراءات المحاكمة العلنية و الشفافة للوصول إلي حكم نهائي بعد درجتين من درجات التقاضي تراعي في شأنهما كافة الضمانات المقررة دوليا من حيث المواجهة و ال ( fair trial ) و الــ ( due process ) و غيرها من الأصول العامة للإثبات فى المحاكمات الجنائية.

(ثالثاً)- بمراجعة القواعد التي تم علي هديها إنشاء المحكمة موضوع البحث و نظامها الأساسي و قواعد الإثبات و الإجراءات الواجبة الإتباع أمامها، لا يخالجني أدني شك في أن المحكمة قد توافرت لها كافة المقومات التي تجعلها قادرة علي تولي وظيفتها علي النحو الذي يكفل تحقيق العدالة و الوصول إلي حكم نهائي صادر بعد درجتي التقاضي يمكن الإطمئنان موضوعياً إلي سلامته و يستبعد في ظل المساهمة الإيجابية لهيئة الدفاع و المراقبة الدقيقة لمجريات الأمور من جانب الخبراء القانونيين العرب و زملائهم المحايدين الذين ينتمون إلي دول أخري أن تنحرف المحكمة عن قيامها بدورها علي نحو سليم.

(رابعاً) و أخيرا، فإنه بالتحليل الموضوعي الدقيق لباكورة ما تم من إجراءات مبدئية في إطار المحكمة منذ بدء دخولها حيز النفاذ في شهر مارس عام 2009، بدءا من قرار قاضى ما قبل المحاكمة ( The PRE- Trial Judge ) الصادر في 26 مارس ( آزار) من ذلك العام و حتي قراره الصادر في 29 إبريل (نيسان) 2009 بالإفراج عن المتهمين الأربعة الذين كانوا موقوفين من جانب السلطات اللبنانية ( الصفحات من 305 إلي 373 من النصين الفرنسي و الإنجليزي المنشورين في الجزء الأول من مجموعة المستندات الأساسية للمحكمة الخاصة بلبنان، و الصفحات من 123 إلي 155 من النص العربي المنشور في ذات المرجع) ، لا يسعني سوي أن أقرر بكل إطمئنان أن ما ورد في تلك القرارات من تسبيب و نتائج يتسم بأنه علي مستوي رفيع من العمل ذي الطبيعة القضائية البعيد عن كل تحيز أو محاولة تسيس، مما يبعث الثقة إذا إستمر هذا النهج أن يأتي قضاء المحكمة عادلاً و غير مخيب للأمال المعقودة عليها. و أية تعليقات سلبية حالياً لا أعتقد أنها مبررة. فلندع المحكمة تقوم بمهمتها في هدوء و دون صخب حتي يحين الوقت لتقييم ما تقوم به و معرفة ما مدي إمكانية تحقيق الأمل المعقود عليها في تحقيق محاكمة عادلة لمن يثبت موضوعياً بالدليل القاطع أنه قد إرتكب بالفعل تلك الجريمة النكراء أوعلى العكس أن تعجز المحكمة عن ذلك لتهافت الأدلة و تعذر الوصول إلي الفاعل الحقيقي و من كانوا وراءه.

بدوره، قال استاذ القانون الدولي في جامعة تونس وعضو لجنة القانون الدولي للاتحاد الافريقي (تونس) الدكتور رافع بن عاشور: في مستهل هذا المؤتمر الذي تعقده الهيئة العلمية لنشر الثقافة القانونية في العالم العربي من هذا القصر الذي هو قلعة القانون الدولي منذ قرابة القرن لدراسة المحكمة المحكمة الدولية الخاصة بلبنان أن أتناول الكلمة لأحمل لكم بداية تحية مضاعفة: تحية بلد تونس الذي شد إليه الإهتمام العالمي خلال الشهر الماضي إثر إنتصار ثورة شعبه الأبي على الحكم الإستبدادي ومطالبته بإرساء دولة ديموقراطية تقوم على هيمنة الحق والتعاون .

وثانياً محبة أفريقيا باعتباري عضواً في أول لجنة أنشأها الإتحاد الإفريقي سنة 2009 والتي تهتم بتدوين القانون الدولي الإفريقي وتطويره والتشجيع على الإهتمام به واحترامه.

وأوضح أن هاتين التحيتين تحملان في الواقع والحقيقة نفس الرحم وتشتركان في تحقيق أهداف هذا المؤتمر، الكل يصب في نفس المحيط ، وهو محيط علوية القانون وسيادته ومقاومة الفساد والتصدي للإفلات من العقاب مهما كانت الصفة، خصوصاً ان الجرائم من حق الأبرياء ولا مجال للتغاضي عنها أو معالجتها بالرأفة والرحمة.

اضاف: "يشهد المجتمع الدولي نقلة نوعية ذات أثر في بعث أول المحاكم الجنائية الدولية الخاصة بيوغوسلافيا ورواندا وكان هذا أول الغيث إلى أن تم ما لم يكن في الحسبان وتحقق حلم الفلاسفة والمفكرين ورجال القانون عندما تم وضع نظام عام 1998 بإنشاء المحكمة الجنائية الدولية والتوقيع والمصادقة عليه ودخولة حيز التنفيذ عام 2002 رغم معارضة دول عظمى وعلى رأسها الولايات المتحدة الاميركية"، مؤكداً ان انشاء محكمة لبنان الدولية رغم خصوصيته وما أحيط به من ملابسات وما يحيط به بعد من ملابسات يندرج في هذا المسار الحقوقي القانوني.

وختم بالقول: "وفقت الهيئة الإعلامية لنشر الثقافة القانونية في اختيارها لموضوع هذا المؤتمر وفي استدعائها لهذا الجمع المشهود من العلماء العرب الأفاضل لتدرس موضوع المحكمة الدولية الخاصة بلبنان دراسة عقلانية موضوعية منزهة ورصينة بعيدة عن المزايدات والجدل العقيم".

ثم قال قيدوم المستشارين القانونيين في مكتب المدعي العام في المحكمة الجنائية الدولية في رواندا، وأستاذ العلوم الجنائية في جامعة محمد الخامس (المغرب) القاضي دكتور محمد عياط: "ان قطار القانون الجنائي الدولي قد تحرك وانطلق منذ زهاء عقدين كاملين بعد ركود طويل دام حوالي نصف قرن. إنطلق القطار وتحرك وقطع اشواطاً طويلة ومهمة. لقد انشئت سبع محاكم منذ سنة 1993، اما جنائية أو دولية. ولا يبدو لي ان مسيرة القانون الجنائي ستتوقف ونحن في العالم العربي لا يمكننا ان نقف كالمتفرج ازاء هذه المسيرة".

ورأى أن "ابتعادنا عن حلبة صراع القانون الجنائي الدولي لا يحصننا ولا يعصمنا ان نكون من جملة ضحاياها، وتالياً يجب ان نركب القطار بنية المساهمة في صياغة وتحديد وجهة مسيرتها وإلا فسنكتشف يوما ما أننا مجرد اسماك ميتة يحملها التيار".

أضاف: "من حقنا ومن واجبنا ان نفهم ما يحدث وان نؤثر في ما يحدث في حالبة القانون الدولي الجنائي. وهذا لا يمكن ان يتحقق الا بالبحث الجاد والحوار العلمي العميق في مجال القانون الدولي الجنائي والمجالات القانونية المرتبطة به والمؤثرة فيه".

ولاحظ أنه من هنا تتبدى اهمية هذا المنتدى الذي اختيرت له احدى عواصم القانون الدولي على العموم مدينة لاهاي. واريد ان اضيف ملاحظة علمية:ان المحاكم الجنائية الدولية آلية من آليات تفعيل حقوق الانسان. محكمة يوغوسلافيا السابقة، رواندا وسيراليون... كلها انشأت لمحاربة ثقافة الافلات من العقاب ولحماية حق الحياة والسلامة من الممارسات التعسفية كالتهديد والتمييز العنصري وغيره.

وذكّر بأن المحاكم الجنائية أنشئت لحماية حقوق الانسان الاساسية ولمحاربة الافلات من العقاب ومن ضمنها الحكام والاقوياء خاصة من العقاب ومن العبث بحقوق شعوبهم، لافتاً إلى أن المخطط السليم هو ان نحتضن هذه الاليات على ما فيها من العيوب لأن كلها لا زالت وليدة وفي بدايتها ولا نطلب من الوليد ان يبدأ بالجري.

وتابع: "يجب ان نحتضن الاليات ونساهم في تطويرها وتوجيهها الوجهة السليمة والقويمة. يجب ان نتملكها لأننا لنا الحق في هذا التملك علما انها ليست الآلية الوحيدة لمنع محاولة الافلات من العقاب انها آلية وهناك آلية اخرى لتطهير الماضي بطريقة عادلة ومنصفة والمساهمة في تضميد جراح الشعوب وتوجيهها نحو مصالحة فعالة".

وختم قائلاً: "نحن الآن ضيوف لبنان واللبنانيين في محفل من محافل العلم والعرفان الاكيديمية الدولية، لاهاي، وهي فرصة ثمينة للنقاش العلمي القانوني.كلما فكرت في لبنان، حضرني قول عن لبنان: عاش الجمال مشرداً ينشد مسكنا حتى انكشفت له فألقى رحله وتوطن. والجمال لا يحيى ويزدهر الا في رفقة العدل والانصاف ونحن هنا في هذه المسيرة المتميزة لتحقيق العدل واتمنى لهذا المنتدى التوفيق وهو اهل له".

من جهته، رحّب رئيس الهيئة العلمية لنشر الثقافة القانونية في العالم العربي الدكتور عبد الحميد الأحدب، بالحضور، وقال: "أهلاً بكم الى مؤتمر ترسيخ فكرة دولة القانون المتلازمة مع مفاهيم المساءلة والحرية والاستقرار والعدالة في المجتمع العربي. أهلاً بكم في هذا المؤتمر الذي يسعى الى ادارة نقاش حول المحكمة الدولية الخاصة بلبنان ومسارها. أهلاً بكم من أجل نقاش علمي صريح في اطار قانوني يدرس نظام هذه المحكمة الدولية والقوانين المرتكزة اليها والإجراءات التي تعتمدها للوقوف على مدى انسجامها مع أعلى معايير الشفافية والنزاهة بردِّ ذلك كلِّه الى معايير العدالة الدولية المستقرة".

وأوضح أن "هذا المؤتمر تأخر كثيراً عن موعد انعقاده... صحيحٌ أنّ هذا المؤتمر خُصِّصَ "للمحكمة الدولية الخاصة بلبنان" والتي يُثارُ حولها جَدَلٌ كثير... أكثرُهُ سياسي وأقلُّه قانوني! ولكنْ قبل المحكمة الخاصة بلبنان كان يجب أن يُعقد هذا المؤتمر... وما كانَ يجب أن نصل إلى لاهاي... من زمان كان يجب أن يطلب القانون "بوليس النجدة" و"المطافئ"... فمن زمان بدأ اغتيال القانون والقضاء في العالم العربي، فلم يعد هناك من يحاسب ولا من يراقب".

وذكّر بأنه في العام 1953 سارت في شوارع القاهرة تظاهرات رفعت صوت وشعار "لا للحرية ولا للدستور" وكانت أول تظاهرة في الدنيا ضد الحرية وضد الدستور والقوانين. وسار المتظاهرون إلى مجلس الدولة في مصر الذي كان يرأسه العلامة عبدالرزاق السنهوري، الذي وضع القانون المدني لاثني عشر بلداً عربياً... فاقتحمت تظاهرات "اللا حرية واللا دستور" حرمة محكمته واعتدت عليه ضرباً وألحقت به الأذى الذي أهرق دمه... وغضبت مصر وقتها غضباً شديداً وأُصيبت بالذهول!
أضاف: "ويوم أُهرق دم عبد الرزاق السنهوري، سقط الحق والقانون في العالم العربي!!! وكان يومها هو اليوم الفاصل الذي كان يجب أن يتداعى فيه رجال القانون إلى مؤتمرٍ لصيانة الحق والقانون. فلا حرية بلا قانون ولا قانون بلا قضاءٍ حرٍ مستقلٍ يحمي العدالة".

وتساءل: "لماذا وصل العالم العربي إلى حيث يتخبطُ اليوم؟ أليس لأن الحرية والدستور أصبحا "عميلَين للاستعمار"؟ لم تعد للقانون شعبيةٌ تحميه، ولم تعد للقضاء حُرمةٌ ومقدَّساتٌ تصونُهُ... لهذا حصلت مجزرةُ القضاء في مصر سنة 1969، حيث صُرف ألوفُ القُضاة إلى المعاش، لأن القضاء تجرأ وتنزه وحكم. ولم يُعقد أيُّ مؤتمرٍ قانوني أو قضائي في العالم العربي في ذلك الوقت ولا بعد ذلك الوقت لبحث حماية القضاء".

واستطرد: "وانتهى الأمر إلى حديثٍ تلفزيوني للرئيس العراقي السابق صدام حسين يعرِّف فيه القانون، ويقول: القانون "هو ما أكتبه أنا...!" هذه هي حالة العالم العربي الذي يفتقر اليوم الى القانون والحرية والعدالة!... فليس غريباً إذاً أن يشهد هذا العالم العربي في العقود الأخيرة العديد من الانتهاكات الجسيمة لحقوق الإنسان، وأن تستشري ثقافة الإفلات من العقاب، وأن يؤدي الفشل في تقديم القتلة إلى العدالة، إلى تكرار ارتكاب هذه الانتهاكات.

كما أكد الأحدب "أنّ جريمةَ اغتيال الشهيد الرئيس رفيق الحريري ورفاقه لم يكن حادثاً انفرادياً طال شخصيةً عاديةً بل كان حَدَثاً إرهابياً خطيراً كما كَيَّفَهُ مجلس الأمن الدولي الذي اعتبر أنه "يُهَدَّدُ السلم والأمن الدوليين" باعتباره حلقة بارزة غير منقطعة من سلسلة جرائم إرهابية مروِّعة وقعت في لبنان وطالت العديد من الشخصيات اللبنانية".

وأشار إلى "أن انعقاد هذا المؤتمر يعكس الإيمان بأنَّ العملَ القانونيَّ والقضائيَّ عملٌ من أعمال العبادة، له طقوسه ومراسيمه وطهارته وحرماته، وحلّ أزمة سلطة القانون والقضاء في العالم العربي، يؤدي تلقائياً إلى حل مشكلة الحرية والكرامة العربية، فالقانون هو القانون، والقضاء هو القضاء، ووصْفُهُما بالعمالة للاستعمار والصهيونية هو أداةٌ لتثبيت الاستبداد في هذا الوطن العربي الكبير، لأن العدالة هي بنت أصل، ولا فرق بين عدالةٍ وعدالة إلا بقدرتها على حماية الحرية وحقوق الإنسان".

وتابع: "إذا أردنا عالماً عربياً تجري من تحته الأنهار، وأن يكون العرب فيه خير أمةٍ أُخرجت للناس، فيجب للحقيقة أن ترى النور، وللعدالة أن تسود، ولضحايا الظلم أن ينْعُموا بسيادة القانون والقضاء"، متسائلاً:" كيف سندخل لمعالجة موضوع مؤتمرنا بالمستوى العلمي المطلوب، وبالجرأة العلمية التي تفرض احترامها على هذه النخبة من خبراء القانون في العالم العربي المشهود لهم بالموضوعية والحيادية ؟"أرجو أن تتقبلوا هذا الاقتراح.

أضاف: "لقد تشرَّفت "الهيئة العلمية لنشر الثقافة القانونية في العالم العربي" بدعوة العالم القانوني الدكتور عون الخصاونة، وهو عضو في "محكمة العدل الدولية" لكي يشارك في هذا المؤتمر، فاعتذر وكتب يقول:" لقد لاحظت من مطالعتي للوثيقة المتعلقة بأهداف المؤتمر أن" " هناك أموراً اعتبرُها جدليةً قد وُضعت على أنها مقدماتٌ منطقية " "محسومة منها على سبيل المثال أن لمجلس الأمن صلاحيةًً مطلقة " "في تكييف جرائم على أنها إرهابية أو أنها تمس الأمن والسلم" "الدوليين، وأنا أعتقد أن هناك إطاراً واسعاً ولكنه محصور لما يحق" "لمجلس الأمن أن يضعه في الفصل السابع من ميثاق الأمم المتحدة،" "كما أن لدي شكوكاً حول إقامة المحاكم المختلطة أو شبه المختلطة،" "ولا أرى أن من مصلحة المؤتمر أن أعبِّر عن آرائي هذه والتي" "أعتقد أنها قد لا تخدم أهدافه، وبالمقابل فأنا لستُ ممن يقول كلاماً" عاماً لا يعني به شيئاً." "لهذا أرجو قبول اعتذاري عن المشاركة مقروناً بدعائي لكم وللمؤتمرين بالنجاح والتوفيق".

واعتبر "أنّ الهيئة العلمية لنشر الثقافة القانونية في العالم العربي تستميح المستمعين عذراً بتلاوة رسالة الدكتور الخصاونة... وهي لا تشك بأنه يوافق على الحوار العلني حول هذه النقطة! ان هيئة نشر الثقافة القانونية اذ تطرح عبر ما قاله القاضي الخصاونة الرأي المعاكس، فلكي تؤكد علمية هذا المؤتمر وحياده، وبحثه الحقيقي عن العدالة وعن الحق والقانون، لنصل فعلاً إلى الحرية... لقد تعمدنا أن نطرح الفكر المناقض لفكرٍ قانوني في اتجاهٍ معاكس... لكي نقول تعالوا نتناقش".

ولفت إلى أن هناك سبعة عشر موضوعاً مطروحاً على جدول أعمال هذا المؤتمر ونخبة رجال القانون العرب ستبحث وتناقش، مضيفاً: "نترك التسيُّس وعدم التسيُّس... ونركِّز على المساءلة وعلى المحاسبة، على استقلال القضاء وعلى عدالة سلطة القانون، ونبحث كيف نكون مع الدستور ومع الحرية، وليس ضد الدستور وضد الحرية، وكيف تكون الحرية والدستور طاهرين من أي رجسٍ وافتراء وتوسل سياسي رخيص، ونبحث في صلاحية مجلس الأمن في تكييف الجرائم على أنها إرهابية، لأنها تمسُّ الأمن والسلم الدوليين، هذه ليست أول محكمة دولية بعد نورمبَرْغ... لقد أنشأ المجتمع الدولي بواسطة الأمم المتحدة مجموعةً من المحاكم الدولية لمحاسبة ومعاقبة جرائم الإرهاب والجرائم المرتكَبة ضد الإنسانية، من سيراليون إلى كمبوديا الى رواندا إلى تيمور الشرقية، إلى يوغسلافيا إلى كوسوفو... و... و... ولكن هذه المحكمة الدولية لها وضعٌ خاص وهي الأولى في العالم العربي!

ودعا إلى التأمّل في مواقف الفقه والاجتهاد على الصعيد الدولي الذي كرَّس عدَّة مبادئ لحماية حقوق الإنسان من أهمِّها:

1- إن الحقوق بحكم طبيعتها تمثل قيماً عابرة للحدود، مما يعني حقَّ المجتمع الدولي في متابعتها ومراقبتها دون أي اعتباراتٍ أو قيود.

2- إن مجلس الأمن يُعَدُّ من الأجهزة الرئيسية للأمم المتحدة، وقد أناط به ميثاقُ الأمم المتحدة مهمةَ الحفاظ على السلم والأمن الدوليين، واعتبر بموجب البند السابع أن قرارات مجلس الأمن الزامية، لهذا، نصَّت المادة 25 من ميثاق الأمم المتحدة بأن "يتعهَّد أعضاء الأمم المتحدة بقبول قرارات مجلس الأمن وتنفيذها وفقاً لهذا الميثاق".

3- إن منظمة الأمم المتحدة بطبيعتها القانونية الدولية ليست مجرَّد تنظيم ولا هي نظامٌ بنفس نمط نظام فصل السلطات في الدول، والذي لا يستقيم مع طبيعة الأمم المتحدة.

4- لا يمكن لدولةٍ صغيرة خارجة من نزاعٍ أن تُنشئ آلياتٍ مناسبةً للمحاسبة والعدالة دون مساعدةٍ دولية كبيرة، ومن ثم مشاركة دولية أيضاً ؟ لا يمكن لهذه الدولة ان ترفض المشاركة الدولية في إرساء قواعد المساءلة والعدالة، بحجة السيادة ودعاوى الكرامة الوطنية والاستقلال الذاتي لكي تنكل عن الوفاء بالإلتزامات الدولية لتقديم المجرمين إلى العدالة ؟

كما أكد أن هدف هذا المؤتمر هو حماية تراث عبد الرزاق السنهوري وثقافته التي انعدمت في العالم العربي، هو حمايةُ المُساءلة في العالم العربي وحماية القانون وسلطته وحماية القضاء وسلطانه... لحماية حقوق الإنسان العربي.

وأوضح أن الهدف من هذا المؤتمر هو الدراسة القانونية المحضة للعديد من الموضوعات والقضايا المتعلقة بالمحكمة الخاصة بلبنان، والتي يُؤَمُّل معها أن تترك إرثاً مهماً ينمِّي ثقافة حقوق الإنسان، ويرسّخ مبادئ العدالة وسيادة القانون والحرية في العالم العربي.

وكلمةٌ أخيرة، كلمةُ حقّ ولكنها من خارج إطار موضوع المحكمة، أرجو من الإخوة التونسيين المشاركين أن يتقبَّلوا تحيتنا لثورة الياسمين في تونس، التي تعيد للحق سلطته، وللقانون حرمته، وللعدالة مكانتها، وللحرية عبيرها الصافي... وبهذا المعنى فنحن كلنا تونسيون.

وأعرب عن وقوفه أمام ثورة مصر التي تعيد إلى الشعب المصري حقوقه، معتبراً أن هذه الثورة تتطلع إلى مستقبل الحرية وإعادة الحقوق والعدالة، والإستفاقة اليوم ستهز الأمة العربية، وأرجو أن يقبل رجال مصر العظام صرختنا التي تقول نحن كلنا مصريون.

واسترسل: "إن الثقافة القانونية بمعناها الكبير هي موقفٌ من الحياة ومن العالم، ولا يستحق كلمة قانوني أو حقوقي من يكتفي بالفرجة على نهر الحياة دون أن يخوض غماره. قلت في مطلع كلمتي ان هذا المؤتمر تأخَّر كثيراً، وأنا أودُّ أن أُسجِّلَ أنّ كثيراً من العِصِيِّ وُضعتْ في دواليبِ عقده! حتى لا يبدأ في العالم العربي عصر المساءلة، وعصر دولة القانون والقضاء والعدل... حتى لا يكونَ هناك "لا ثواب ولا عقاب". حتى يتأخَّرَ كلُّ ذلك، جابهتْنا مشاكلُ كثيرةٌ! ولكنّ الرجالَ الرجالَ الذين يتحدثون بكل حرية في هذا المؤتمر العظيم، هم الفكر والضوء الذي سيقود العالم العربي إلى شاطئ الأمان... ولن ترى بعد اليوم في الثقافة القانونية العربية عبارات :" لا للحرية ولا للدستور"، ولن يكتب صدام حسين بعد اليوم نصوص القوانين العربية".

وتابع: "لقد أنشأ مجلس الأمن المحكمة الخاصة بلبنان بناءً على طلب من الحكومة اللبنانية وذلك لأجل كشف الحقيقة للجريمة المتمادية، وفي ظل ظروف استثنائية استحال معها إنْشاءُ مثل هذه المحكمة في لبنان".

وطالب بأن ترى الحقيقة النور وللعدالة ان تسود ولضحايا الحق ان ينعموا بسيادة القانون، فقد آلت هيئتنا القانونية ان تعقد مؤتمراً قانونياً عربياً يضمّ نخبة من خبراء القانون في العالم العربي، والمشهود لهم بالموضوعية والحيادية لبحث هذا الموضوع.

وختم قائلاً: "سيداتي سادتي لقد تساءل القاضي الأميركي جاكسون - في تقريره المنشئ للمحكمة العسكرية الدولية لنورمبرج - منذ سبعون عاماً عما يمكن عمله بالنسبة لمرتكبي اعمال الإرهاب والجرائم الأخرى، فقال بأنه يمكن ان نطلق سراحهم دون محاكمة ولكنه رد على ذلك قائلاً بأن هذا العمل ينطوي على استهزاء بالموتى وسخرية من الأحياء. كما انه يمكننا ان نقتلهم او نعاقبهم دون محاكمة. ولكن هذا العمل ينطوي على مخالفة للوعود المتكررة التي قطعتها الأمم المتحدة على نفسها بمحاكمتهم.هذا المؤتمر مطروح عليه هذا السؤال: ماذا نفعل معهم؟ كلامكم في البحث والنقاش، نرجو أن يكون الطريق إلى عالمٍ عربي تجري من تحته الأنهار".

والقى النقيب السابق لنقابة المحامين في بيروت ميشال ليان كلمة مسجلة، قال فيها: "في بداية كلمتي وبداية أعمال المؤتمر الذي دعت إليه الهيئة العلمية لنشر الثقافة القانونية في العالم العربي، لا بدّ من إبداء أسفي الشديد لعدم تمكّني من الحضور معكم شخصياً لأسباب شخصية صحّية قاهرة. ولا بدّ من تحيّة لبنانية صافية لجميع المشاركين في المؤتمر من كافة الدول العربية".

أضاف: "كلمة شكر لمنظّمي هذا المؤتمر وفي طليعتهم الأخ الدكتور عبد الحميد الأحدب رئيس اللجنة العلمية لنشر الثقافة القانونية في العالم العربي. والشكر أيضاً للدولة التي تستضيف هذا المؤتمر وهي الحاضنة دوماً لأكثرية المحاكم الدولية وآخرها المحكمة الدولية الخاصة بلبنان.والشكر الخالص لكم أيها المؤتمرون الغيّورون على مفاهيم الإنصاف والعدالة والقانون".

وتابع: "إذا كان الهدف من المؤتمر سبر مدى انعكاس تطبيق العدالة الدولية على المستوى الثقافي القانوني في العالم العربي، فلا بدّ من التأكيد أن المحكمة الدولية الخاصة بلبنان قد أُنشئت بناءً على طلب الحكومة اللبنانية لأجل كشف الحقيقة للجريمة السياسية المتمادية في ظروف إستثنائية، استحال معها تطبيق العدالة الوطنية. وذلك كلّه في سبيل ترسيخ فكرة دولة القانون بتلازمها مع استقلال السلطة القضائية ومفهوم المساءلة والحرّية والإستقرار".

واسترسل: "على أمل أن يساهم عمل المؤتمر في نسج شبكة أمان لبنانية. وانسجاماً مع مبادئ الدستور اللبناني. وانطلاقاً من شعورنا بالمسؤولية الوطنية التاريخية. والتزاماً بوحدة لبنان وسلمه الأهلي. ودفاعاً عن دولة الحق والقانون والمؤسسات والنظام الجمهوري البرلماني الديمقراطي. وشعوراً بالأخطار المحدّقة بالوطن اللبناني وحقوق المواطنين وحرّياتهم، وأمنهم وأمانهم".

وأوضح أن الخلاف في لبنان حالياً هو بين من يريد وضع حدّ نهائي لعادة الإفلات من العقاب، كي تقوم الدولة والحياة السياسية على قوّة الحق والقانون، وبين من يصرّ على إبقاء الدولة والحياة السياسية مرهونتين لقانون القوّة.. أو بالأحرى "فائض القوة".. وقد يصحّ القول "لعنة فائض القوة" لدى بعض الفئات السياسية.

وتابع: "يعيش وطننا منذ نحو نصف قرن، حالة أشبه ما تكون بالحروب المتواصلة، تخلّلتها فترات من الهدنة، طالت أو قصرت. فبعد الحرب الأولى عام 1958، شهد لبنان حرباً ثانية عام 1975 امتدّت على خمس عشرة سنة، فدمّرت الإنسان والدولة والعمران، ولم يسلَم منها حتى الذين اعتزلوها أو حاولوا، كما لم تتوقف إلاّ بعد أن أنهكت الجماعات المتحاربة وجرّحتها في الصميم. الى ذلك شهد هذا البلد خمسة إجتياحات إسرائيلية في مدى ثلاثة عقود (1978، 1982، 1993، 1996، 2006) بلغ أحدها عاصمته (1982)، كما شهد في الفترة ذاتها تركّز السلاح الفلسطيني على أرضه بعد اتفاق القاهرة (1969) واحتلالاً إسرائيلياً (1978-2000) وهيمنة سورية كاملة على الدولة (1990-2005).

واسترسل: "واليوم يعيش اللبنانيون تحت وطأة التهديد بحرب أهلية جديدة، إذا لم يتخلّوا عن حقّهم بإجراء حُكم العدالة في قضية الإغتيالات السياسية التي ارتُكِبت منذ العام 2005، وإذا لم يرضخوا لمشيئة السلاح الخارج عن الدولة، ولم يقبلوا العيش في خوف من بعضهم بعضاً بصورة متواصلة، حيث تُنبَش القبور وتغذّي حزازات الماضي صراعات الحاضر. الى هذا الخوف من الآتي القريب، يشعر اللبنانيون بأنهم ما عادوا أسياد مصيرهم الذي يتقرّر اليوم في مفاوضات بين دول المنطقة من دون مشاركتهم."

وقال: "يوم، انطلقت أعمال في المحكمة الدولية الخاصة بلبنان تمهيداً لإتمام التحقيقات وإجراء المحاكمات لكشف المجرمين ومعاقبتهم ووضع حدّ للإفلات من العقاب وإيقاف أعراس الدم والمآسي التي نتجت عن جرائم فتكت بالوطن ورجاله على مذبح السياسات الكافرة، لافتاً إلى أن هذه المحكمة الدولية الخاصة بلبنان لن تجعل الجريمة تستوطن ربوعنا، بل ستنزع الشرائط السوداء من شوارعنا وساحاتنا، وسيولد معها أملنا بالمستقبل".

وذكّر بأن المحكمة الدولية المنزّهة الحيادية المستقلّة بدأت مسيرتها نحو إحقاق الحق وكشف الحقيقة ومعاقبة المجرمين، وهذه غاية العدالة المطلقة، بل مبتغى كل عدالة وطنية كانت أم دولية. ولأن للعدالة في شموخ إنتصابها ما يثلج الصدور ويزهر الخواطر مما تدَّخره العقول الواعية وتطفح به القلوب الراحمة".

أضاف: "ولا يدّعين أحد أن اللجوء الى العدالة الدولية يشكّل إنتقاصاً من سيادة الدولة، فالعدالتان الوطنية والدولية تتكاملان بالأداء وبالعمل للوصول الى الحقيقة وإدانة المرتكبين ومعاقبتهم من أجل تثبيت السلام في العالم، خصوصاً إذا عجزت العدالة الوطنية من العمل لكشف الحقائق ووضع حدّ للإفلات من العقاب".

وتابع: "وما اللجوء الى العدالة الدولية بعد استشهاد الرئيس الشهيد رفيق الحريري بلجنة تقصّي الحقائق أو بلجنة التحقيق أو بالمحكمة، سوى نتيجة حتمية لعدم كشف مرتكبي جرائم سياسية كبرى طالت كباراً من رجال لبنان منذ عقود، ولم يستطع القضاء اللبناني من كشف مرتكبيها تمهيداً لإحقاق الحق ووقف ذاك المسلسل الإجرامي، فلم يكشف قتلة الزعيم كمال جنبلاط ولا الرئيس بشير الجميّل ولا المفتي حسن خالد ولا الشيخ صبحي الصالح ولا النقيب رياض طه ولا الرئيس رينيه معوّض ولا المهندس داني شمعون مروراً باستشهاد القضاة الأربعة على قوس المحكمة في صيدا ووصولاً الى محاولة إغتيال الوزير مروان حماده".

وأمل في "أن تصل المحكمة الدولية الى المبتغى المنشود، فتَبرد جراح المتألّمين على فقدان أحبائهم وتستقيم مسيرة الإستقلال والبناء الوطني لأن دماء الشهداء التي روت تراب الوطن تستحق بسخائها أن يُحرّر هذا الوطن الغالي من كل أنواع الظلم والقهر والتسلّط والطغيان".

واعتبر أن الحرّية غالية على قلوب أبناء لبنان، الوطن المأساوي، لأنهم شعب فطر على الحرّية والحفاظ على الكرامة واختار أن يعيش بحرّية أو أن يموت بكرامة، مؤكداً أن شعب لبنان هذا لن يستكين قبل معرفة الحقيقة وإحقاق العدالة، وقد بذل منذ سنوات أربع وحتى اليوم جهوداً حثيثة أدّت الى ما وصلنا إليه، من البدء بلجنة الإستقصاء الدولية الى لجنة التحقيق الدولية، الى قرار إنشاء المحكمة الدولية الخاصة بلبنان، ثمّ الى إطلاق العمل فيها، بعد صعوبات وعوائق لم تحدَّ من إصراره وعناده لتحقيق مطالبه وأمنياته.

وختم: "أخيراً، وتأكيداً على إيماننا بلبنان وطن القيم الإنسانية الحاضن لتلاقي الديانات والحضارات والحوار فيما بينها، نعلن أننا لن نقبل لا بالتبعيّة ولا بالتفرّد ولا بالهيمنة لنحافظ على لبنان، إرث الجدود وطن الإيمان والكرامة، وطن القدرات والطموحات والفكر الخلاّق. فإليكم أيها المؤتمرون كل أدعيتي بنجاح أعمالكم، على أمل أن تكون دراساتكم القانونية سنداً لنشر ثقافة القانون ومبادئ العدالة في العالم".

 
لإضافة أي تعليق عليك أن تكون مسجلاً أو إضغط هنا للتسجيل
 
تعليقات سابقة
 
لا يوجد تعليقات على هذا الخبر