السبت في ٢٥ تشرين الثاني ٢٠١٧ ، آخر تحديث : 09:52 م
YouTube Twitter Facebook RSS English French Portuguese
ما قبل الاستشارات النيابية هو غير ما بعدها: الحريري السني الأول...وميقاتي رئيساً بشروط "حزب الله"...
 
 
 
 
 
 
٢٧ كانون الثاني ٢٠١١
 
:: طارق نجم ::

إنّ أي زعامة مذهبية في لبنان قائمة على التعصب لم ولن تقدم الخير لهذا البلد الذي يضم في جوانبه دزينة ونصف من الطوائف. هذا ما أشارت إليه التجارب، التي فاقمت من الأزمة اللبنانية الزعامات الملتحية صاحبة العمائم والتي تكتسب سلطتها من الولاء الديني ومن ظن الموالين لها أنّ العبور الى الجنة يمرّ عبر ارضائها. من هذا المنطلق، يأتي تقييد الرئيس سعد الحريري بزعامته السنية، والتي من الواضح انها حسمت لصالحه، ليست من الأمور التي يستسيغها سعد رفيق الحريري، الذي ينظر اليه كرأس حربة لمشروع 14 آذار العابر للطوائف. غير ان ما حصل خلال اليومين الماضيين له ما يبرره، باستثناء الإعتداء على الجسم الإعلامي بطبيعة الحال. والواقع، أنّ حزب الله وما التصق به من قوى يواليها وأخرى تواليه، قد عقد العزم على التخلص من مكونات المشروع الإستقلالي لـ14 آذار فراداً وعلى دفعات؛ فكان الاسلوب الأجدى لإقصاء الحريري هو عبر ضربه في زعامته السنية والتي شكلت رافعة للمشروع الإستقلالي، كما سبق لحزب الله ومن لف لفه أن أقصوا وليد جنبلاط من ثورة الأرز التي كان صوتها الصادح بعد أن هددوا بإلغاء الزعامة الجنبلاطية لدى دروز الجبل.

فبعد ظهر الأحد الماضي، ومع بدأ تداول اسم نجيب ميقاتي كرئيس مكلف من جانب السيد حسن نصرالله لتشكيل الحكومة، أعتبرت بعض الأوساط أنّ حزب الله رأى في الرئيس عمر كرامي هدفاً اسهل نسبياً للإنتقاد مقارنة بميقاتي، وبالتالي فكرامي شكل الخيار الأضعف لـ8 آذار. فالرجل الذي لامس الثمانين من العمر هو صاحب تاريخ غير مشرف في تشكيل الحكومات والتي عادة ما تنتهي بكارثة مرفقة بإستقالة، أضف الى ذلك خسارة مدوية في الانتخابات النيابية الأخيرة. فبدا هذه السياسي العتيق أقرب الى ورقة شجرة خريفية تنتظر السقوط مع أول هبة ريح ولا تحتاج الى عاصفة. وبحسب تلك الأوساط، فإنّ اختيار ميقاتي لم يكن خياراً بريئاً أو لأن الدروب تقطعت بالسيد حسن. فالميقاتي يعتبر أقدر وأشد مراساً من كرامي نظراً لتجرته الناجحة في رئاسة الحكومة عام 2005، ورصيده الزاخر من العلاقات الدولية والأقليمية المتينة المبنية بالأصل على مصالح تجارية كالتي تجمعه بالسوريين، بالإضافة إلى ثروة لا بأس بها قادرة على شراء بعض الضمائر والذمم، بالغضافة إلى ما يشكله من حيثية وجوده نائباً عن طرابلس، وبالتالي ما يمثله من منافسة مرتقبة وتحدياً مهدداً في منطقة تعدّ الخزان الشعبي لسعد الحريري.

وبالفعل بدا كأنّ عجلة الامور تسير وفق ما تشتهيه القيادة في حارة حريك. فجاءت حصيلة الاستشارات النيابية من الإثنين الى الثلاثاء لترشح ميقاتي الذي فاز بفضل نواب حزب الله وحركة أمل وحلفائهم بامتياز ليسقط "النجيب" استراتيجياً وسط اهله وفي بلدته بعد ان اظهر تمسكاً بترشحه وصل الى حدّ الدوغماتية معتبراً تفسه مفتاح الحلّ للأزمة التي يعيشها البلد. وهنا بدأت الرياح تجري بعكس ما تشتهي قيادة حزب الله. فموقف الرئيس المنتظر لتكليفه قد لقي استهجاناً واسع النطاق لدى الرأي العام. فقد اثتثيرت القواعد الشعبية بسبب تشبث ميقاتي الذي بدا متورطاً بشكل مفضوح في عملية "وسخة" لاسقاط الحريري ومن ورائه 14 آذار. بالأمس سقط ميقاتي سقوطاً مدوياً في وسط أهله وعشيرته نتيجة خياراته واندفاعته المثيرة للإشمئزاز قبل التساؤل، قد افتقد لكل انواع "النجابة" في خياره الإمساك بكرة النار التي نأى بها الرئيس عمر كرامي عن نفسه وعن زعامة ابنه. وجاء سقوط الميقاتي على ثلاثة مستويات:

فغالبية نواب السنة في المجلس لم يسموا سوى سعد الحريري بإعتباره يمثل القيادة السياسية للطائفة. أما الهيئة الروحية للطائفة ممثلة في دار الفتوى ومجلس المفتين اتخذت موقفاً واضحاً بالطلب من الميقاتي قراراً لدرء الفتنة. وإذ ادار الميقاتي ظهره للثقل السياسي والروحي للطائفة، معتمداً على الغطاء السياسي والروحي للسيد نصرالله، صعق بحجم الغضبة الشعبية التي واجهته في الشارع والتي كانت من الصعب لجمها. مؤسف كان مشهد نجيب ميقاتي على الشاشة الصغيرة مدافعاً عن "سنيته"، فصيحاته التي ملأت الاستديوهات لم تعطيه مناعة من داء عضال اسمه "حسن نصرالله"، لوّث به اسم الميقاتي وصبغ به زعامة عائلة كانت في طور التشكل.

ميقاتي المجرد من الدعم الديني والسياسي والشعبي على مستوى طائفته، سيصبح مرتهناً اكثر لصالح حزب الله وجماعة 8 آذار لإستجلاب الدعم والمساندة، بعد ان ثبت ان مجرد ترشحه لنيل شرف تكليف الحكومة جاء كمغامرة غير محسوبة من قبله قضت على اي مستقبل له في تبوأ زعامة كان يعدّ لها منذ زمن، وعلى رأس الطائفة التي كتب اسمه في سجل نفوسها بعد ان عرته ثلاثاً من الغطاء اللازم. من جهته، يقف الرئيس سعد الحريري مع حلفائه في 14 آذار أمام خيارين: الخيار الأول هو الإنتقال الى صفوف المعارضة في البرلمان والتصرف وفق الأسلوب الإنكليزي، من خلال وضع سلوك وزرائها تحت مجهر مكبر كفيل بفضحهم وبتقصّير عمر حكومتهم، مع عدم إغفال ضرورة الابتعاد عن المحكمة الدولية وتحميل ميقاتي شخصياً ومن وراءه حزب الله أي عمل من شأنه تعطيلها. وأما الخيار الثاني فهو المشاركة في حكومة ميقاتي من خلال ثلث ضامن (معطّل عند اللزوم)، يتيح للحريري عند الحاجة احباط ضربات ثأرية محتملة قد توجه الى فريق 14 آذار في مجالات القضاء والأمن والمحكمة الدولية.

حتى الآن اجتاز ميقاتي اول خطواته بأثمان غالية دفعها من حسابه الشخصي وزعامته، نحو رئاسة حكومة من معالمها الاساسية الاطاحة بالمحكمة الدولية الخاصة بلبنان وبالتالي معدادة نصف اللبنانيين على الأقل. العوائق والمطبات "طبيعية" مئة بالمئة وموجودة أصلاً امامه وبكثرة، وهناك جملة من الخضات بانتظاره على كل منعطف حين ستميل عربة حكومته يمنة ويسرة على الطريق التي رسمها لها حزب الله، والذي يعلم الحزب وحده إلى أين ستؤدي. مواقف سعد الحريري بعدم التخلي على المحكمة وملف شهود الزور وغيرها من سبحة المطالبات التي لا تنتهي، كلها قد اكسبته منعة وتصلباً وجعلته اقوى وأقدر على جذب الالتفاف حوله. مقارنة بسيطة بين طلة سعد الحريري حين دعا للتهدئة في الشارع والالتزام بالنظام، وبين محاولات يائسة من نجيب ميقاتي لدرأ اتهامات "الخيانة" بعد ان اثقلته شروط نصرالله، كانت كافية لتظهير من خرج أقوى بين الرجلين. واليوم حين استقبل الحريري في بيت الوسط نجيب ميقاتي لمدة 3 دقائق "طويلة"، كان الزعيم - رئيس حكومة تصريف الأعمال يجالس رئيساً مكلفاً من دون زعامة او حيثية شعبية...نعم صدق سعد الحريري: ما قبل الاستشارات النيابية هو غير ما بعد الاستشارات النيابية!
المصدر : خاص موقع 14 آذار
 
لإضافة أي تعليق عليك أن تكون مسجلاً أو إضغط هنا للتسجيل
 
تعليقات سابقة
 
لا يوجد تعليقات على هذا الخبر