الاثنين في ٢٠ تشرين الثاني ٢٠١٧ ، آخر تحديث : 01:03 م
YouTube Twitter Facebook RSS English French Portuguese
بلاد بلا قرار بلاد تنتظر «القرار»
 
 
 
 
 
 
١٤ كانون الثاني ٢٠١١
 
::غسان شربل::


أشهرُ مواطن في هذه الجمهورية المفككة اسمه القرار الظني. صحيح أنه وافد حديث العهد، لكن الصحيح أيضاً انه ضرب جذوره عميقاً. إنه أشهر من فخر الدين الذي نباهي به. ومن جبران خليل جبران. ومن تاريخ الاستقلال الذي نسيناه. ومن 13 نيسان (ابريل) 1975 موعد اللقمة الأولى في هذه الحرب الشاسعة. ومن تواريخ حروبنا وهدناتنا. وتواريخ الاغتيالات التي ترصّع مسيرتنا الوطنية المظفرة. أشهر من اتفاق الطائف. ومن اتفاق الدوحة. ومن التبولة والكبة النية. وأشهر من هؤلاء «الفتيان» الذين يقتحمون الشاشات ليصيبوا المشاهدين بارتفاع في الضغط وارتفاع في السكّري وتوتر في الأعصاب فضلاً عن العمى السياسي والهياج الطائفي والمذهبي.

في الطائرة يسألك جارك: «هل تعتقد ان القرار وشيك؟». وتطل الخيبة من عينيه حين تجيب انك لا تعرف. قال إن لديه أشغالاً لا بد منها. سيحاول إنجازها على عجل وقبل ان «يتسبب القرار في إغلاق المطار».

والحقيقة أنني لم أكن خلال الرحلة منشغلاً بالهموم الوطنية. اصطحبت معي في الطائرة رواية «دروز بلغراد – حكاية حنا يعقوب» لزميلنا ربيع جابر. بدأت قراءتها ليلاً. استدرجتني براعة السرد وشفافية اللغة من صفحة الى أخرى. وحين استولى عليّ النعاس قلت أستكمل قراءتها في الطائرة. يزور ربيع جابر جروح تاريخ الجبل اللبناني بعين نفاذة وخبيثة تشركك عبر التصريح والتلميح في مجازفة العيش على خطوط التماس.

كان جاري يدرك أنني أقرأ بشغف. القلق دفعه الى مقاطعة انشغالي. لم أنزعج. ليس الوحيد الذي يسمم انتظار القرار عيشه ويربك مواعيده.

حين غادرت الطائرة لندن كان لبنان في وضع شبه طبيعي لأنه لم يكن طبيعياً يوماً. كانت البلاد لا تزال تنام على وسادة الـ «س.س.» ولم يعرف الناس ان الليل سرق الوسادة. وكانت البلاد لا تزال تعيش في ظل «حكومة التنافر الوطني». وكان رئيس الحكومة سعد الحريري يستعد لزيارة البيت الأبيض في اليوم التالي.

حين هبطت الطائرة في بيروت، تزاحمت الرسائل في هاتفي. مظلة الـ «س.س.» التي احتمى بها اللبنانيون في الشهور الماضية خوفاً من زيارة القرار الظني اعتذرَتْ عن متابعة العمل. وهكذا وقف لبنان عارياً بلا مظلة أو وسادة. وهو غالباً ما افتقر في تاريخه الى مظلة مطمئنة ووسادة مريحة.

انفجر القرار باكراً بحكومة التنابذ الوطني. حكومة الودّ المفقود والمكامن والفخاخ. وهكذا انتقلت سريعاً من مرحلة العجز عن الاجتماع الى مرحلة العجز عن الوجود.
القرار. القرار. القرار.

هذا أرجأ ترميم شقته بانتظار القرار. وتلك أرجأت تجديد الستائر. وثالث أخّر موعده مع طبيب الأسنان. ورابعة أرجأت موعد الحمل كي لا يتأثر الجنين بتداعيات القرار.
بلاد لذيذة تتحلل فيها المؤسسات سريعاً كما السكر في الماء. وحين تكون قائمة تعجز عن اتخاذ قرار. هذا يصدُقُ على رئاسة الجمهورية والحكومة وعلى المجلس الموقّر الذي يتصرف كأن الأزمة تدور في بلاد بعيدة.

أجول الآن في بلاد القرار الظني. بلاد سائبة ومفككة. تتظاهر بالوحدة وتنام في «الأقاليم». حارس الزواج الشائك فيها العجزُ عن الطلاق. جميلة ومقلقة. ممتعة ومفخخة.
تناتش أهلها القرار كما يتجاذب قساة أطرافَ صبي. مات الصبيّ وحصل كل واحد على جزء منه. مات القرار اللبناني.

بلاد بلا قرار تصطكّ اسنانها بانتظار القرار الظني. ومع ذلك فالرحلة ممتعة مهنياً. الصحافي تغريه البلدان المضطربة كما يبتهج صانع التوابيت بالجنازات.
المصدر : الحياة
 
لإضافة أي تعليق عليك أن تكون مسجلاً أو إضغط هنا للتسجيل
 
تعليقات سابقة
 
لا يوجد تعليقات على هذا الخبر