السبت في ٢٥ تشرين الثاني ٢٠١٧ ، آخر تحديث : 09:52 م
YouTube Twitter Facebook RSS English French Portuguese
إسقاط الحكومة يسقط المواثيق... والأكاذيب!
 
 
 
 
 
 
١٣ كانون الثاني ٢٠١١
 
::فادي شامية::


في ساعة متأخرة من ليل الاثنين – الثلاثاء الماضي، تلقى الرئيس السوري بشار الأسد اتصالاً هاتفياً من نظيره السعودي – أو أحد المكلفين بالتواصل مع دمشق- يبلغه فيه أن المطالب السورية المتعلقة بالمحكمة غير ممكنة التنفيذ، وأن المملكة تتفهم وجهة نظر الرئيس الحريري، الذي لا يمكنه السير بخطواتٍ في مواجهة المحكمة؛ فضلاً عن أن موجبات التسوية التي كانت المملكة ترعاها، أي تلك المتعلقة بترتيبات ما بعد صدور القرار الاتهامي، لم تُنفذ من قبل الفريق اللبناني المؤيد لسوريا.

أبلغت القيادة السورية حلفاءها في لبنان ما جرى، وعلى الأثر توجه الخليلان؛ النائب علي حسن الخليل عن حركة "أمل" والحاج حسين الخليل عن "حزب الله"- إلى دمشق، لتنسيق الخطوات، وقبل حلول الظهيرة كان الاجتماع الموسع لقوى الثامن من آذار، الذي تقرر خلاله "الطلب" من رئيس الجمهورية عقد جلسة طارئة لمجلس الوزراء لبحث موضوع المحكمة وإلا طارت الحكومة خلال ساعات!!.
رفض الرئيس الحريري –الموجود في نيورك التخلي عن صلاحياته الدستورية في تحديد موعد الجلسات وجدول أعمالها، فأعلن الوزير جبران باسيل باسم قوى الثامن من آذار، استقالة وزارئهم، ثم تبعهم الوزير عدنان السيد حسين (وديعة "حزب الله" لدى رئيس الجمهورية)، ما أدى إلى استقالة ثلث الحكومة+1، وتالياً اعتبار الحكومة مستقبلة وفق ما ينص عليه الدستور. (حرص حزب الله على الابتعاد عن الواجهة؛ فترك لصهر العماد عون إعلان استقالة الوزراء، وصدّر الوزير سليمان فرنجية ليترأس وفد "الثامن من آذار" لدى لقائهم رئيس لجمهورية لـ"الطلب" إليه عقد جلسة لبحث ملف المحكمة).

النكث بالمواثيق والعهود

بإسقاط "حزب الله" وحلفائه للحكومة، يكون قد نكث بثلاثة عهود (على الأقل)؛ وردت في ميثاقين وافق عليهما الحزب المذكور وحلفاؤه:
ورد في البند الثاني من اتفاق الدوحة ما نصه: "تشكيل حكومة وحدة وطنية لبنانية من 30 وزيراً، توزع على 16 للأكثرية و11 للمعارضة و3 للرئيس، وتتعهد كافة الأطراف بمقتضى هذا الاتفاق بعدم الاستقالة أو إعاقة عمل الحكومة". والواقع أن "حزب الله" وحلفاؤه أخذ الشق الذي يريده من الاتفاق -11 وزيراً- (عشر وزراء لقوى 8 آذار+ وزير وديعة لدى رئيس الجمهورية)، وأخل بالشق الآخر، وهو التعهد بعدم الاستقالة، أي عدم إطاحة الحكومة، فضلاً عن إخلاله السابق بعدم إعاقة عملها، من خلال رفضه عقد جلسات لمجلس الوزراء، ما لم يُبحث الموضوع الذي يريده هو حصراً أو أولاً.

ورد في البند رقم 13 من البيان الوزاري لحكومة "الوحدة الوطنية" التي تضم "حزب الله" وحلفاءه، ما يأتي: "تؤكد الحكومة، في احترامها للشرعية الدولية ولما اتُفقَ عليه في (جلسات) الحوار الوطني، التزامها التعاون مع المحكمة الخاصة بلبنان، التي قامت بموجب قرار مجلس الأمن الدولي رقم 1757، لتبيان الحقيقة في جريمة اغتيال الرئيس الشهيد رفيق الحريري ورفاقه وغيرها من جرائم الاغتيال، وإحقاق العدالة وردع المجرمين". والواقع أن شرط "حزب الله" وحلفائه للإبقاء على الحكومة -وفق ما أبلغوا رئيس الجمهورية- هو التخلص من المحكمة، عبر الاتفاق على ثلاثة بنود هي: سحب الاتفاق اللبناني الرسمي مع المحكمة، ووقف تمويلها، وسحب القضاة اللبنانيين منها!. (هي نفسها المطالب التي نقلتها القيادة السورية للحريري عبر السعودية، ورفضها الحريري).

ورد في البيان الوزاري لحكومة "الوحدة الوطنية" أيضاً، تحت بند: "أولويات المواطنين أولويات الحكومة"، جملة من القضايا الحياتية والمعيشية، التي تشكّل أولوية لدى المواطنين جميعهم، ولم يجر الالتزام بهذا البند أيضاً لأن "حزب الله" وحلفاءه "منعوا" الحكومة، خلال الفترة الماضية من معالجة قضايا الناس، قبل أن يوافق فريق الرابع عشر من آذار على وجهة نظرهم في الملف الخلافي المسمى شهود الزور، رافضين بحث أي موضوع آخر، قبل أو إلى جانب هذا الموضوع، وكان يسعهم –لو أرادوا احترام أولويات الناس- بحث قضايا المواطنين الحياتية، مع استمرارهم على وجهة نظرهم وبحثهم في الملف الخلافي إياه!.

سقوط الأكاذيب

بإسقاطهم الحكومة، أسقطوا أيضاً "حقبة" من التضليل الإعلامي الكبير الذي مارسوه. وبالعودة إلى "أرشيف" عناوين إعلامهم، يتبين الكم الهائل من التصريحات و"التحليلات" التي تقوم كلها على أساس أن الرئيس سعد الحريري وافق على التخلي عن المحكمة، وأن التسوية تمت وهي تنتظر التوقيع، ولما كان هذا التنازل "المميت" للحريري يحتاج إلى ثمن، فقد روجوا إلى أنهم وافقوا على بقائه رئيساً للحكومة (دون إعطائه تفويضاً حتى في الملف الاقتصادي!)، وبغض النظر عما إذا كان بقاء الحريري رئيساً للحكومة هو مصلحة له أصلاً أم لا، فإن "الصناعة الإعلامية" صوّرت الواقع كما لو كان الحريري خسر الانتخابات النيابية، فتعطفّت عليه قوى الثامن من آذار وقبلت به في الحكومة... لا العكس! (مع التذكير بأن أحد نواب هذا الفريق روّج بأن الحريري "عرض" مقايضة سكوت فريقه عن "إهدار 11 مليار دولار" مقابل التخلي عن المحكمة، لكن فريقه رفض!!).
اليوم سقطت هذه "الفبركات" كلها، لكن يجب الاعتراف أنها كانت قوية إلى درجة أن كثيراً من الناس – والسياسيين أيضاً- شكّت في الأمر، وكان هذا هو بالضبط ما تريده قوى الثامن من آذار، لأن هدف هذا "التكتيك" الذي اعتُمد على مدى نحو ثلاثة أشهر هو؛ تصوير الحريري ضعيفاً أمام جمهوره، وخائناً أمام حلفائه. وقد زاد من قوة هذه الدعاية التزام الحريري الصمت المطبق لئلا يُحمّل نتيجة فشل المساعي، في الوقت الذي كانت فيه أجواؤه تنفي ما يُقال، لكن دعاية فريق الثامن من آذار كانت ترد على ذلك بأن هؤلاء لا يعرفون على وجه الدقة ماذا يجري من تفاوض، وأن التسوية لا يعلم أحد بها من فريق الحريري إلا الحريري نفسه!.

ولأنه تبين فعلياً زيف هذه الدعاية الإعلامية، ولأن الأمر يحتاج إلى تبرير للناس بعد "التفاؤل الكاذب" خلال "الحقبة" السابقة، فقد ظهرت للوجود –كما كان متوقعاً- دعاية جديدة تقوم على أساس أن الحريري والقيادة السعودية سبق أن وافقا على التخلي عن المحكمة لكن "الإدارة الأمريكية تدخلت في اللحظة الأخيرة وعرقلت مساعي الحل".


العرقلة الأمريكية

في الواقع فإن دعاية رضوخ الحريري للضغوط الأمريكية متهافتة أيضاً للأسباب البارزة الآتية:

المواقف الواضحة والمتكررة، إلى حد الملل، التي أصدرها نواب كتلة "المستقبل"، وأقطاب ونواب قوى 14 آذار، والإعلام المحسوب عليهم، والتي أكدت –منذ مدة طويلة- أن لا تسوية على المحكمة، وأن التفاهم يجري على استيعاب تداعيات القرار الاتهامي، بعد صدوره.

تصريحات الرئيس الحريري إلى صحيفة الحياة، والذي سبقت ذهابه إلى الولايات المتحدة للقاء الملك السعودي، وقد أكد فيها: أن لا خطوات مطلوبة منه في إطار التفاهم السوري- السعودي، وأنه لن يتخلى عن حلفائه، وأن موضوع الحكومة (المفترض أن تتعامل سلباً مع المحكمة) خارج البحث كلياً.

بيان استقالة وزراء "حزب الله" وحلفائه نفسه؛ فالبيان تحدّث عن تجاهل الحريري لـ "تمنيات الطرفين السعودي والسوري"، و"رضوخه للضغوط الأمريكية"، ورغم أن الموقف السعودي قبل الاستقالة وبعدها واضح لجهة دعمه المحكمة، إلا أننا إذا أخذنا بهذا النص، فهو يعترف من حيث لا يدري، بأن الحريري ليس تابعاً للمملكة تحركه كيفما تشاء، وتالياً فإنه يأخذ القرار الذي يتناسب مع تطلعات جمهوره، وتطلعات جمهور الحريري واضحة لجهة التمسك بالمحكمة.

لنفترض أن الإدارة الأمريكية لها مصلحة في رفض عرقلة مسار المحكمة- وهذا صحيح-، إلا أن السؤال هو: ما هي مصلحة الحريري في عدم قبوله بالمحكمة، حتى يصح القول إن الإدارة الأميركية مارست ضغوطاً عليه؟ الواقع أن مصلحة الحريري وجمهوره هي في استمرار عمل المحكمة، بل التعجيل في صدور القرار الاتهامي، لئلا يفلت المجرم من العقاب، أو يأخذ صك براءة على ما فعل، فيكرّر فعلته، واستطراداً؛ فإذا كان القرار الاتهامي ضعيفاً أي مسيساً، يرفضه الجميع ونرتاح. أما إعلان الحريري رفض المحكمة مسبقاً فإنه يعادل الانتحار السياسي، لأن المحكمة لن تتوقف، وتالياً فإن جمهور الحريري لن يقتنع بأن القرار الاتهامي مسيس قبل أن يراه، وكذلك حلفاءه، وإذاك يفقد الحريري نفسه (جمهوره) وحلفاءه (14 آذار) -وربما حياته إذا ما قرر قاتل أبيه أن يكرر فعلته بعد تخلصه من المحكمة- والاستنتاج أن الواجب على الحريري أن "يضغط" على الدول الكبرى لتقف معه إلى جانب المحكمة، لا العكس، ما يعني أن رضوخه للضغوط الأمريكية لا مستند منطقياً له.

هل تتوقف سياسة فريق الثامن من آذار في خداع الرأي العام؟ لا يبدو ذلك؛ ففي تبرير إسقاطهم الحكومة ورد في بيان الاستقالة التبرير الآتي: "رغم التجاوب الذي أبديناه طوال أشهر، والذي ووجه بامتناع الفريق (نفسه) المعطّل للحكومة عن اتخاذ القرارات المتصّلة بقضايا المواطنين والوطن وصيانة المال العام ومنع الحكومة من ممارسة دورها الفعلي وفق الآليات الدستورية، وعرقلة عمل الوزارات في تنفيذ أولويات الناس التي نص عليها البيان الوزاري، فإننا...".

والواقع أن هذا التبرير شكّل دليلاً على الاستمرار بسياسة الخداع، لأن المنطق يقول إن الذي يعطل قضايا المواطنين هو الذي يرفض مجرد البحث بأولويات المواطنين قبل بحث موضوع لا علاقة له بأولويات المواطنين، بينما يكذّب البيان المتقدم المنطق، ليقول إن الذي يعطل قضايا المواطنين هو الذي يرفض الموافقة على وجهة نظر معينة، في ملف لا علاقة بأولويات المواطنين، الواردة في البيان الوزاري!. (الوزير محمد فنيش صرّح من الرابية أنّ فريق الثامن من آذار "ينتظر هذه الليلة أو في صباح الغد الردّ على طلب هذا الفريق بعقد جلسة لمجلس الوزراء لبحث موضوع القرار الظنّي وما يتصل بالمحكمة" وليس لبحث أولويات المواطنين!)

النكث بالعهود، والاستمرار في الخداع، والتشاطر على الرأي العام، واستدراج الرئيس الحريري إلى تنازلات ليس ثمة مقابل لها... ذلك كله، يُظهر أن الأزمة تتجاوز تسوية محتملة، إذ مجرد الثقة بنوايا وتعهدات هذا الفريق أو ذاك لم تعد موجودة... والله يرحم أولويات المواطن، إن لم نطلب الرحمة للمواطن والوطن نفسه.
 
لإضافة أي تعليق عليك أن تكون مسجلاً أو إضغط هنا للتسجيل
 
تعليقات سابقة
 
لا يوجد تعليقات على هذا الخبر