الجمعة في ٢٤ تشرين الثاني ٢٠١٧ ، آخر تحديث : 09:55 م
YouTube Twitter Facebook RSS English French Portuguese
"جنرال الحسم"... هل حانت فرصته ؟
 
 
 
 
 
 
١٣ كانون الثاني ٢٠١١
 
::سركيس نعوم::


أخصام العماد ميشال عون زعيم "التيار الوطني الحر" يسمونه "جنرال الحسم". ففي اثناء ترؤسه حكومة العسكريين او "نصفهم" اذا جاز التعبير على هذا النحو، التي شكلها الرئيس امين الجميل في آخر ساعة من ولايته عام 1988 ، مارس الحسم او محاولة الحسم مرتين. الاولى، كانت ضد "القوات اللبنانية" التي كان يترأسها، ولا يزال، الدكتور سمير جعجع، وسميت في حينه "حرب الالغاء". والثانية، كانت ضد ما كان يسميه ولبنانيون كثيرون "الاحتلال السوري للبنان". وفي المرَّتين لم تكن محاولة الحسم ناجحة. ولكن ما يلفت النظر ان اي حوار جدي معه، او بالاحرى بينه وبين "القوات" في ذلك الوقت، او مع حلفاء سوريا من اللبنانيين او حتى معها مباشرة، لم يتوصل الى نتيجة. ويعتبر اخصامه انه كان مسؤولاً عن تعثر الحوار، او عن عدم انتهائه الى تسوية لأنه لم يكن رجل تسوية ولا مهادنة ولأنه كان مع نظرية اما كل شيء او لا شيء. الا ان مؤيديه يرون في الاعتبار المذكور ظلماً لـ"الجنرال" وتجنياً عليه، لأن تصلبه او تشدده او استعصاءه على التسوية نبع من تمسك عنده بضرورة بسط سلطة الشرعية على الارض والشعب وبرفض مشاركة الميليشيات السلطة في هذه المهمة. كما ينبع من تمسكه بسيادة لبنان واستقلاله، ومن اقتناعه بعدم وجود نصف سيادة او ربع استقلال، من دون ان يعني ذلك انه لم يكن يقيم وزناً لموازين القوى. لكنه كان الى اهتمامه بها مهتماً بعدم افراغ الاستقلال والسيادة من مضمونيهما.

وعندما ذهب العماد عون الى المنفى الفرنسي، بعد اشهر من انهاء تمرده بواسطة حلفاء اليوم وفي مقدمهم الجيش السوري، استمر متمسكاً باتفاق عدم المساومة وتالياً عدم التسوية وخصوصاً في كل ما يتعلق بالمسلّمات الوطنية.

طبعاً اجرى زعيم "التيار الوطني الحر"، ومُفجِّر ثورة الاستقلال او انتفاضته كما يعتقد ومعه انصاره، مساومة قبل عودته الى وطنه بأسابيع مع حلفاء الذين قاومهم بالنار مباشرة ثم بالشعب لازالة احتلالهم للبنان. وقد نقلته هذه المساومة بعد الانتخابات النيابية التي اجريت بعد اشهر من عودته"من معسكر "انتفاضة الاستقلال" او اعداء سوريا (في ذلك الحين على الاقل) الى معسكر حلفاء سوريا ومُقدِّري "التضحيات" التي قدّمها في سبيل لبنان وفي مقدمهم "حزب الله". طبعاً يرفض "الجنرال" مقولة "المساومة" هذه، ويحمّل مسؤولية انتقاله الى المعسكر الآخر لحلفاء في "معسكر الاستقلال" الذين خافوا منه وحاولوا "تحجيمه" شعبياً ونيابياً بالاتفاق مع قائد معسكر حلفاء سوريا.
والمستقبل هو الذي سيحكم في هذا الأمر. علماً ان المحامي كريم بقرادوني "اكد" في كتابه "صدمة وصمود"، الذي "أرّخ" فيه لرئاسة "الجنرال" اميل لحود وبالتفاصيل وخبرية المساومة المذكورة اعلاه. الا ان هذه المساومة المؤدية الى تسوية، في حال صحتها، تبقى حتى الآن يتيمة في تاريخه السياسي وربما العسكري. اذ مارس "الجنرال" عون في موقعه الجديد ليس الحسم، لأن وسائل تنفيذه لم تعد في حوزته، ولكن الدعوة الى الحسم، ومعروف ان هذه الدعوة كانت دائماً موجهة الى حليفه "المحلي – الاقليمي" الاقوى القادر على الحسم سياسياً وعسكرياً اي "حزب الله". كما كانت موجهة الى "العدو" السوري الذي صار "حليفاً" بعدما خرج عسكرياً من لبنان.
فعل ذلك يوم انسحب الوزراء الشيعة ومعهم الوزير الارثوذكسي المحسوب على الرئيس لحود من حكومة الرئيس فؤاد السنيورة. وفعل ذلك يوم نصب "حزب الله" والمعسكر الذي يقود مخيَّمه وسط العاصمة بيروت محاصراً بذلك قسماً مهماً من "السرايا الحكومية" ومهدداً في الوقت نفسه السنيورة وحكومته المعتصمين فيها بالاقتحام وبما يمكن ان يليه. طبعاً لم يتجاوب "حزب الله" مع دعوة حليفه عون الى الحسم لاعتبارات عدة.

وأظهر بذلك حكمة شديدة اذ تجنب حرباً مذهبية في حينه. علماً ان جمرها لا يزال متقداً تحت الرماد اللبناني. لكن "جنرال الحسم" لم ييأس، وعمد اكثر من مرة وخصوصاً عندما كانت مصالح "الحزب" او حليفه السوري او حليفه الايراني تقتضي تصعيداً او تهديداً بالحسم، الى النزول الى "مخيم وسط العاصمة" نافخاً في قلوب المعتصمين ومنهم مؤيديه نيران الحماسة والاقدام. ولم يتورع مرة عن ارتداء "الاورانج" اي "البرتقالي" من رأسه الى اخمص قدميه اثناء توجهه ومن المخيم الى المحتشدين داخله والى جماهيره في مناطقها ربما اقتناعاً منه بأن من شأن ذلك زيادة الاثارة ومضاعفة الحماسة والرغبة في التضحية او ربما في الاستشهاد؟
وفعل الامر نفسه، اي الدعوة الى الحسم، يوم بدأت تنتشر اخبار انطلاق "المحكمة الدولية" في عملها، واخبار قرب صدور القرار الاتهامي عن المدعي العام فيها دانيال بيلمار. وهي مرحلة لا تزال مستمرة الى اليوم. وفي كل مواقفه السياسية والشعبية كان الحسم ظاهراً في وضوح في كلامه سواء تلفظ بكلمة الحسم او امتنع عن ذلك.
وقبل يومين سقطت اخبار اجتماعات نيويورك السعودية – الاميركية – الفرنسية – الاممية (امم متحدة) – الحريرية على اللبنانيين العاديين الخائفين من فشل المبادرات الدولية والاقليمية واهمها "السين – سين"، ومن انعكاس ذلك على امنهم واستقرارهم مثل الصاعقة. وهؤلاء من جمهوري 8 و14 آذار. فراحوا ينتظرون المزيد منها لمعرفة "مستقبلهم". لكنها سقطت على "جنرال الحسم" اي على الجنرال عون مثل البلسم على الجروح ومثل الندى على الورود والرياحين ومثل المطر على الاراضي العطشى. فتولى عملية نعي المبادرة المذكورة بطريقة مهيبة وجليلة طبعاً بعد شكر العاهل السعودي عبد الله بن عبد العزيز على جهوده الفاشلة.

لماذا هذا الكلام الآن؟
ليس الهدف منه "التريَقة" على العماد عون الذي نجِّلّ ونحترم، رغم الاختلاف معه في كثير من الممارسات والتفاصيل، والاتفاق معه على كثير من العناوين والمبادئ. بل هو لفت اللبنانيين اولا الى ان الحسم وخصوصاً الذي منه يرافقه القهر في شكل او في آخر لا ينجح دائماً. واذا نجح فلوقت قد يطول او قد يقصر. لكنه لا يكون ابدياً وسرمدياً. وهو ايضاً لفتهم الى ان القادرين على الحسم والذين قد يقومون به، والجنرال عون ليس منهم، ترددوا مرات ومرات قبل الاقدام عليه. اولاً خوفاً من التورط في حرب داخلية او فتنة تقضي عليهم في المحصلة. وثانياً، حرصاً منهم على التوصل الى تسوية ترضي الجميع رغم اصرارهم على ان تكون لهم الكلمة الاولى فيها وبعدها. وهو ثالثاً، لفتهم الى ان الحسم لم يقع في لبنان رغم ان فرصاً كثيرة مرت و"ضاعت" في رأي انصاره لأن الحلفاء الاقليميين لمعسكر حلفاء عون بل للقادر الاوحد على الحسم اي "حزب الله" لم يكونوا معه على "العمياني". بل كانوا يستعملون التهويل به للحصول على المطلوب. علماً انهم كانوا دائماً جاهزين للدفع في اتجاه تنفيذه عند تأكدهم من استحالة التسوية التي تدعمهم. وقد يكون هؤلاء اليوم اقرب من اي يوم مضى لاعطاء الضوء الاخضر للحسم الذي يرجح، ما لم تفلت الامور من الايدي، ان يكون سياسياً - حكومياً ومطابقاً لاحكام الدستور. والهدف منه رابعاً واخيراً لفت اللبنانيين على تنوع انتماءاتهم وتناقضها الى ان وطنهم يمر في مرحلة مرعبة بل ومخيفة.

فالاطراف المتناقضون والمختلفون على سلاحهم. ولا احد يحكي مع احد والمقصود هنا الحوار وليس تبادل المجاملات في الافراح او في الاتراح او في المناسبات السياسية. وهذه حال لم يعشها لبنان حتى في عز الحروب التي عاناها على مدى نيف و15 سنة. اذ ورغم كل مآسي الحروب المذكورة وعداواتها، وضغوط "الحلفاء الكبار" فيها، ومنعهم تلاقي القيادات اللبنانية كانت أقنية الحوار او الحكي "ممدودة" بينهم. وعطل ذلك الغاماً كثيرة، والغى مآسي وارجأ اخرى. وقد مارست الزعامات في لبنان بذلك نوعاً من "التواطؤ" ليس ضد حلفائها الكبار في الداخل او في الخارج، ولكن لمصلحة اللبنانيين والوطن، لأنهم كانوا واثقين ان القطيعة والاستمرار في الحروب البلاأفق ستنحر لبنان. وليسأل من يعارض ذلك او يشك في جدواه قادة "الحركة الوطنية" مثل محسن ابرهيم ووليد جنبلاط والشهيد جورج حاوي و"قادة" 14 آذار ومنهم سمير فرنجية وجوني عبده وغيرهما الذين كانوا حلقة الوصل وجسور الحوار. فهل وصل لبنان اليوم الى مرحلة النحر او الانتحار؟
المصدر : النهار
 
لإضافة أي تعليق عليك أن تكون مسجلاً أو إضغط هنا للتسجيل
 
تعليقات سابقة
 
لا يوجد تعليقات على هذا الخبر