الخميس في ٢٣ تشرين الثاني ٢٠١٧ ، آخر تحديث : 09:22 م
YouTube Twitter Facebook RSS English French Portuguese
جنجويديو لبنان
 
 
 
 
 
 
١١ كانون الثاني ٢٠١١
 
::محمد سلام::

مشهدان تزامنا وترابطا على خشبة المسرح الإقليمي: ولادة السودان الأفريقي-المسيحي، وعودة مقتدى الصدر إلى العراق من إيران ليقود "مقاومة ضد الأمريكان".

المشهد الثالث، الذي تزامن مع المشهدين السابقين، ولكن على تناقض لا على ترابط، هو محاولة الوزير بطرس حرب التشريعية لإنقاذ لبنان مما أصاب السودان، والتي اقترحنا تعزيزها لتشمل الطوائف اللبنانية الـ18 بحيث لا تقتصر على المسيحيين لأنهم جزء من هذه الأمة التي تتعرض لاعتداء أجنبي ممنهج على أرضها وهويتها في آن.

الحلقة الأحدث في المصير السوداني الذي نُدفع إليه، هو البروز المتجدد لمقتدى الصدر في العراق –كما البروز المتجدد لميشال عون في لبنان في العام 2005- لتأدية دور الجنجويد عبر استكمال استئصال ما يتبقى من شرائح متداخلة في الخارطة الديموغرافية للعراق، تمهيدا لتقسيمه.

الجنجويد هم الميليشيا السودانية العربية-المسلمة التي تولت القضاء على ما تبقى من سودانيين عربا مسلمين ما زالوا يتداخلون ديموغرافيا مع الجنوب المسيحي. أي أنهم، أهل دارفور، آخر جيب سوداني-عربي-مسلم يعيش على حدود الجنوب الأفريقي-المسيحي.

هكذا تولّى الجنجويد السوداني-العربي-المسلم قتل وذبح وتهجير السودانيين-العرب-المسلمين من دارفور كي ينهي مهمة ضرب الخارطة الديموغرافية الموحدة للسودان الموحد.

لذلك، عاد مقتدى إلى العراق بعد أربع سنوات قضاها في إيران ليمارس دور جنجويد العراق، الذي يفترض أن يقوده شيعي، وفق مقتضيات الاحتساب العددي للسكان في العراق.

السيد مقتدى، وفي اليوم الثالث لعودته من اللجوء الاختياري في إيران، ألقى كلمة بأتباعه في النجف داعيا إلى "مقاومة كل المحتلين" وإفساح المجال لحكومة المالكي كي تقوم بدورها في "خدمة الشعب".

بدعوته إلى إفساح المجال للحكومة كي تخدم الشعب، أكد السيد مقتدى على أنه لن يعيد إحياء ميليشيا جيش المهدي التي حلها، فلا لزوم لها الآن لأن حكومة المالكي تقوم بالمطلوب.

ولكن، كان لافتا جدا، أن السيد مقتدى شدد على ضرورات عدم استهداف أي عراقي، فالعراقيون كلهم مقاومون، برأيه المستجد، الذي انتقد أيضا "الثأر". كما دعا الحكومة إلى "الإفراج عن المقاومين العراقيين" المعتقلين كي يقوموا بدورهم في مقاومة كل المحتلين.

مع تأكيدنا على تأييدنا لأي مقاومة في العالم لأي قوة احتلال، يبدو أمر السيد مقتدى غريبا، بل ملتبسا.

لماذا قتل هو وجيشه المهدي من قتل من العراقيين، وأولهم السيد عبد المجيد الخوئي الشيعي إبن المرجع الأعلي الراحل أبو القاسم الخوئي، وقد صدر بحق مقتدى و13 من أزلامه قرار اتهامي في هذه الجريمة؟ ولماذا صفى هو وجيشه المهدي وفرق موت آل الحكيم في وزارة الداخلية من صفوا من العراقيين، واعتقلوا من تبقى؟

هكذا، ولأن المهمة الجنجويدية اقتضت ذلك، قرر السيد مقتدى أن "كلاب البعث الصدامي" الذين أودع من بقي منهم قيد الحياة في السجون هم "مقاومون".

لا يستخفن أحد بذكاء السيد مقتدى، فهو يعرض على "الكلاب" المعتقلين صفقة تتلخص بأن يبقوا "كلابا" في جنجويده التي يريد أن يكمل بها تدمير العراق.

السيد مقتدى أذكي بكثير من أن يرفع من شأن "كلب بعثي صدامي" ويضعه في رتبة "مقاوم". لو أراد مقاومة لاستعاد جيش المهدي بدلا من أن يهدي شرف المقاومة "للكلاب"، مع أنه طالب بالإفراج عنهم مع "مقاوميه" التابعين لما كان يسمى بـ"عصائب أهل الحق".

مقتدى يريد عناصر لمهمة لا ينفذها إلا "الكلاب"، لذلك اختار من يعتقد أنهم كذلك. يبقى أن ننتظر لنرى إذا كانوا "كلابًا" ويشاركون في "مقاومته" الجنجويدية لتفتيت ما تبقى من العراق، فيخوضون معه في تصفيات وصراع شيعي-شيعي على السلطة.

في لبنان، عمل الباسيج وما زالوا على تكوين جنجويدهم من نسيج غيرهم. الجنرال ميشال عون وقّع معهم وثيقة رسمية تجنّد بموجبها في الجنجويد اللبناني.
البقايا تجنجدوا من دون وثيقة. هكذا ... بالسليقة.

جنجويد عبد الرحيم مراد لا يفقهون حتى أنهم جنجويد. لا أدري إذا كان قائدهم يفقه حقيقة تجنجده، ولكنه يبقى حيث هو، ويبقون معه، "نكاية بالطهارة" على ما يقول المثل الشعبي، أو سعيا وراء رقم يرفع البشر شكلا، ويرميهم إلى القعر، مضمونا.

بعض معممي السنة أيضا تجنجدوا، سواء في جبهة العمل تلك أو تجمع العلماء ذاك، بعضهم انسحب، وبعضهم ينسحب، وبعضهم ما زال يلحس ... المبرد.

الأحباش خرجوا من تركيبة الجنجويد التي كانت تعد لهم بعد اشتباكات برج أبي حيدر الشهيرة. بقاؤهم خارجها ما زال ... غير محسوم.

الطائفة الدرزية الكريمة أثبتت، بما لا يقبل الشك أو الاجتهاد، في أيار العام 2008 أن لا مكان بين صفوفها لجنجويد. أعطت المثال الأسطع على رفض الجنجدة بالممارسة، ربما لأن التحذير الأول من جنجويد الداخل صدر منها، تحديدا من رئيس الحزب التقدمي الاشتراكي وليد جنبلاط، الذي كان أول من استخدم مفردة جنجويد محليا ... وإن في زمن "التخلي"، لكنه صاحب الفضل في الإضاءة على هذا ... الخطر.

"الدكتور" أسامة سعد جنجويدي بالتراكم "الثقافي" على ما يبدو، إذ إن مراجعة تاريخ المرحومين، شقيقه مصطفى ووالده معروف، تناقض مساره بالكامل. لذلك، فإن الفضل في تجنجده لا يمكن إرجاعه إلا لتراكمه على "سكة ثقافة المقاومة" نفسها التي يدعو السيد مقتدى الصدر إلى الإفراج عن "كلاب البعث الصدامي" كي ينضموا إليها.

جنجويدان بالأمر الواقع يشكلان حالة بذاتهما لا علاقة لها بطائفة أي منهما. أحدهما عينه وليد بيك برتبة عريف دورية السير على طريق حاصبيا-السويداء والآخر يطمح لأن يكون عريفا على "المحبحبين" في الطريق الجديدة، مع أنه كان قبل انزلاقه إلى الجنجدة يحمل رتبة عميد.

إنجازات الجنجويد في السودان، وما يحضرون لإنجازه في العراق تضيء على أهمية تأييد تشريع الوزير بطرس حرب معززا كي يحمي لبنان بالقانون، من جنجويد الداخل وديدانهم الخفية ... حتى الآن.

الخطر أكبر من أن يقاس بالأرقام التي ... مهما تعاظمت تبقى بخسة أمام مصير الأوطان. هنا لا بد من الإضاءة على حقيقة تفتقر إلى بصيرة، وهي أن بعض من انتقدوا مشروع قانون الوزير حرب هم من أهل الرأي في قوى 14 آذار، أو من أهل الرأي في قوى مستقلة، تفاخر بعلمانيتها المناهضة للطوائفيين.

المعترضون من طائفة العلمانيين، بشقيها اليساري والليبرالي الغربي، اعتبروا اقتراح الوزير حرب "طائفيا تقسيميا".

ولكنهم، لو تعمقوا في واقعية النظرة إلى الحالة اللبنانية، لتبين لهم ببساطة أن الوزير حرب، وإن أقدم، فقد تأخر بتقديم مشروع القانون، الذي يحمي تحديدا بقاء هؤلاء العلمانيين في أماكن تواجدهم الأساسية مع احتفاظهم بكامل حقهم في التعبير عن رأي مخالف لرأي المحيط.

لو تعمق العلمانيون في الواقع اللبناني لوجدوا أن تشريع قانون يمنع بيع الأراضي بين الطوائف من دين واحد ولمدة محددة هو السد القانوني الوحيد في مواجهة مشروع الإستيطان الباسيجي الأجنبي.

الخطر أيها السيدات والسادة ليس في إستملاك طائفة لبنانية أو شريحة من طائفة لبنانية خارج رقعة انتشارها التقليدية. الخطر يكمن في أن الشاري "أجنبي".

فإذا تم تبني المشروع، نحرم المستوطن الأجنبي، وليس المصطاف العربي أو الأجنبي، من شرعية تملّك بالشراء. نحرمه من إمتلاك صك ملكية، يعني بالدارج سند ملكية.
التشريع وحده لن يكفي لمواجهة الخطر الباسيجي، ولكنه خطوة ضرورية.

استوقفني مقال بالإنكليزية على 'NOW Lebanon” عاتبت فيه الزميلة الصديقة حنين غدار الوزير بطرس حرب بسؤاله "إلي أين أذهب".

الصديقة-الزميلة وجهت سؤالها عتابا إلى الوزير حرب من الأرض اللبنانية التي "طفشت" إليها. ومعها حق، لأن سؤالها يعكس خوفا مضمرا من أن "تطفش" مجددا.

لو كان مشروع قانون الوزير حرب معززا قد طبق قبل الآن لكانت العزيزة حنين ما زالت صامدة حيث آرومتها، في الغازية، ولما كانت قد طفشت أصلا.

نحن، ببساطة، أمام خيارين: إما بطرس أو الجنجويد... إلا إذا كان البعض ينتظر استفتاء على الطريقة السودانية.

حتى الإستفتاء لن يسمح لنا الجنجويد اللبناني بالوصول إليه.

فهل تريدون أن يستمر مسلسل "التطفيش" وصولا إلى طرح شعار عائدون؟

صفوة مثقفي اليسار العلماني تعرف تاريخ "عائدون" جيدا. لها فيه صولات وجولات، بدءا من التظاهرات التي هتفت "فليسقط واحد من فوق" (بدل وعد بلفور) وصولا إلى أسفل تجارب حروب التحرير الشعبية التي أنتجت ميليشيات، وما حررت أرضا، ولا سجل التاريخ لها "إنجازا" سوى نجاحها في إيصال باسيج إيران إلى حدود أميركا (أي إسرائيل) على أرض لبنان.

هذه بعض، فقط بعض، الروائح الكريهة التي أنتجتها النضالات غير الوطنية على مدى قرن. فهل حان الوقت كي "تستيقظوا" من سباتكم المخملي أم تريدون إدخالنا في قرن آخر، مع فارق وحيد وهو أننا سنرتدي قفازات ونأكل مجدرة بالشوكة.
المصدر : موقع لبنان الآن
 
لإضافة أي تعليق عليك أن تكون مسجلاً أو إضغط هنا للتسجيل
 
تعليقات سابقة
 
لا يوجد تعليقات على هذا الخبر