الخميس في ٢٣ تشرين الثاني ٢٠١٧ ، آخر تحديث : 04:31 م
YouTube Twitter Facebook RSS English French Portuguese
لحظة تفكُّر
 
 
 
 
 
 
١١ كانون الثاني ٢٠١١
 
::راشد فايد::


بالندب والحسرة والصمت يواجه العرب انقسام السودان الى دولتين.

لم يطرح أحد السؤال عما ادى الى الواقع المستجد، كأن ما يسمى امة عربية فطرت على تقبل الهزائم، ومن عناوينها التفتيت، بطأطأة الرأس.

ليس المطلوب مقاومة ما يجري اليوم في السودان، بل وقفة مع الذات والسؤال عما يسهل التفتيت، الذي يكاد الجميع يتعامل معه كمّسلمة، تماما كما رأى في وحدة اليمنيين، يوم نفذت، مسلمة، تهتز اليوم لأسباب ليست بعيدة عن جذور ازمة جنوب السودان.

وإذا كانت الأخيرة وليدة خلاف واختلاف ديني وعرقي، فإنها تلتقي مع الأزمة اليمنية بسبب الإقتصاد، وإهمال المركز للإطراف عمداً، وتكشفان معاً ضعف فكرة الدولة كمؤسسة جامعة، وتشّوه الهويات الوطنية، وفشلها في تكوين رابطة مواطنيّة، تخرج ابناء الكيانات القائمة من نسبهم القبلي والطائفي والعرقي والديني الى بوتقة جامعة موحّدة.

رفضت الشعوب العربية، يوم كانت تسمى الشعب العربي (أي الشعب الواحد)، ما رسمه إتفاق سايكس - بيكو من خطوط في جسد الدولة العربية التي كان يريدها الشريف حسين.

لكن رفض الواقع المفروض بإرادة خارجية تحول حالة قائمة ومعتادة، وسقط شعار الوحدة العربية، ولحقته فكرة الأمة العربية، من دون ان تصبح الكيانات المستجدة دولاً بالمعنى والصيغة اللتين عرفتهما اوروبا تحديداً، إذ اُسقط مفهوم القبيلة على تكوين هذه الدول، ولعل في ذلك أحد التفسيرات لكون الجمهوريات في العالم العربي هيّ ملكيّات غير معلنة ورؤساؤها ملوك وأُمراء برتبة فخامة وسيادة.

لم تعالج هذه الدول مشاكل الاختلاف مع الأقليات فيها سوى بإدارة الظهر، أو بتدابير تعسفية تبدأ بعدم منح الهوية ولا تقف عند حدود السحن وقمع حرية الرأي. تستوي في ذلك الجمهوريات والإمارات والممالك.

في هذه الكيانات التي تغيب شمس الديموقراطية عنها جميعا، تغيب أيضا البصيرة الوطنية التي تستبق الأزمات وتتحضر للمستقبل برؤى إقتصادية واجتماعية، تأخذ في الاعتبار، في ما تأخذ، ردم التفاوت الطبقي والتمايز العرقي والديني، والرد على هواجس الجماعات المختلفة التي تولد حروب تفتيت يدفع ضريبتها الجميع دما ودمارا، إلى حد قول أحد المعلقين السودانيين (الشماليين) "إن سودانين بلا حرب أفضل من سودان واحد مع حرب". فكيف إذا كانت هذه الحرب معروفة البداية من دون إشعار بموعد النهاية، كما كان حال الأكراد في العراق، وحال الأزمة المتصاعدة في اليمن الموحد غير السعيد اليوم مع جنوبه، من دون التذكير بالحوثيين.

نموذجان يخطران على البال في مواجهة إستفحال منطق التجاهل العربي والعالمثالثي لمشاكل الأقليات: ضمت فرنسا جزيرة كورسيكا إلى سلطتها منذ عام 1771 واعتبرت منذ ذلك الحين مقاطعة من مقاطعاتها الـ 26 ورفضت منح الاستقلال التام إلى أهلها.

تحاول فرنسا حاليّاً إقناع أهل الجزيرة بقبول نوع من أنواع الحكم الذاتي المحدود، في حين تجد صعوبة في القضاﺀ على الحركة الوطنيّة هناك، التي يصفها البعض بأنّها أشبه بحركة المافيا في جزيرة صقلّية الإيطاليّة. لكن هذه المحاولة لا تترافق مع قمع أمني بل تعزيز للوضع الاقتصادي والاجتماعي كعملية إقناع عملي وضمني بضرورة الكف عن السعي الى الاستقلال عن المركز.

النمط نفسه تمارسه اسبانيا وفرنسا مع أهل منطقة الباسك الممتدة على الحدود بين البلدين.

ليست أوروبا بلا مشاكل وأزمات أقليات، لكنها لا تفتقد التبصر بالوقائع والمؤديات فتعالج بإظهار محاسن الهوية الجامعة لا باستخدام عصاها المفرقة.
المصدر : النهار
 
لإضافة أي تعليق عليك أن تكون مسجلاً أو إضغط هنا للتسجيل
 
تعليقات سابقة
 
لا يوجد تعليقات على هذا الخبر