الجمعة في ٢٤ تشرين الثاني ٢٠١٧ ، آخر تحديث : 11:21 ص
YouTube Twitter Facebook RSS English French Portuguese
خفض السلاح النووي جيّد ولكن ماذا عن السلاح الآخر؟!
 
 
 
 
 
 
١٠ كانون الثاني ٢٠١١
 
::مهى عون::


في آخر تصريح له لصحيفة مكسيكية اعتبر الرئيس الكوبي السابق فيديل كاسترو بأن "جوليان أسانج لم يكن معروفاً منذ فترة وجيزة، ولكنه اليوم يهدد ويتحدى أقوى دولة في العالم وصولاً إلى ترهيبها". وأضاف "يبدو أن عصر الأسرار السياسية قد ولى، مع تطور تقنيات مستحدثة تمكن من اكتشاف أخبار وأقوال ومواقف السياسيين أينما وجدوا ومهما علا شأن ومكانة دورهم ومحورية تأثيرهم وثقلهم الدولي".

في الحقيقة لم يأتِ كلام كاسترو من العبث، ولكنه كان محصوراً بالمجال الإعلامي الالكتروني. يبقى أن القرصنة على شبكة النت وورك، أو الانترنت، تتناول مجالات وميادين متنوعة منها الاقتصادي، حيث تحولت خلال السنة المنصرمة وعلى يد العديد من القراصنة المحترفين إلى أداة طيعة، كما حدث مع الشاب الفرنسي جيروم كيرفييل، الذي تمكن من تحويل مليارات اليورو من حساب بنك سوسيتيه جنرال وعلى مدى شهور، ولم يكتشف أمره إلا بعد أن شارفت ميزانية البنك المالية على الانهيار، ناهيك عن الخطورة الأكبر والتي تطال النطاق النووي، حيث أن فيروس ""ستاكنست" الذي غزا مفاعلي ناتنز وبوشهر بات يهدد بكوارث نووية قد تفوق أخطار تداعياتها على منطقتي وشعوب إيران والخليج العربي والعراق المجاورين، أهمية الكوارث البيئية والبشرية التي نتجت عن انفجار تشرنوبيل، زائد قدرته على مقاومة كل محاولات التدمير الإيرانية والروسية المبذولة من قبل العلماء النوويين من أجل ذلك.

هذا النوع من القرصنة هو سلاح فائق الخطورة واليوم قد يكون أسانج ومن وراءه من أجهزة الاستخبارات إذْ أنه ينسق مع دولة أو جهة ما، وربما قد يكون غداً أسانج آخر، تموله وتدعمه أجهزة استخبارتية تابعة لدولة أخرى. الحرب إذن معلنة ومفتوحة على الشبكة العنكبوتية وقد توازي خطورتها أي نوع أو وسيلة هجومية مدمرة أخرى. بمعنى أن الرئيس الأميركي عندما تمكن من إبرام اتفاقية "ستارت" لخفض الأسلحة النووية، كان بصدد إبرام معاهدة جديدة من حيث الشكل، ولكن حول مواد تقليدية (النووي) من حيث النوعية. اتفاقيات من نوع "ستارت" والتي أسوة بسابقاتها في عهود رؤساء سابقين (كارتر وبوش الأب وريغن)، توصلت إلى خفض في عدد الرؤؤس النووية بين الدولتين العظميين. وبموجب هذه الاتفاقية الجديدة قد ينخفض مستوى التسلح النووي المتفق عليه بين الدولتين العظميين من 2200 رأس نووي (2002)، إلى 1500 أي بنسبة30% أقل. لكن الذي ظهر اليوم هو أن اتفاقيات من هذا النوع عاجزة عن الحد من انتشار آخر من أسلحة الدمار الشامل، والمتمثل بالهجوم الالكتروني. والجدير بالذكر أن المستهدف الأول من هذه الحملة أو "الهجوم الابتزازي" والذي شنه أسانج والدولة التي تدعمه على الانترنت، كان الإدارة الأميركية بشكل عام، والرئيس الأميركي باراك أوباما بشكل خاص.

لماذا؟ لأن خفض مستوى التسلح النووي شيء، والفلسفة أو الاستراتيجية السياسية الكامنة وراء هكذا اتفاق والتي تشكل العمود الفقري لهذه المعاهدة شيء آخر. اعتبر الرئيس الأميركي بأن إتمام الاتفاقية قد يشكل مدخلاً لإبعاد شبح استعمال أسلحة الدمار الشامل، ولكن ذلك على ما يبدو لم يرضِ الكثيرين. وما زال حتى الساعة يتعرض لانتقادات عديدة ومن مصادر مختلفة قد لا يكون موقع ويكيليكس بعيداً عنها، حيث أن العديد من البلدان التي تدور في فلك الولايات المتحدة ومنها إسرائيل، تعتبر بأن المعاهدة لا تشكل في مضمونها بداية جديدة (ستارت) للرئيس الأميركي وللإدارة الأميركية بشكل عام بقدر ما تشكل تراجعاً وضعفاً استراتيجياً للولايات المتحدة أمام خصومها التقليديين من مثل روسيا والصين كما أمام خصومها الجدد المعلنين (إيران كوريا الشمالية، والتنظيمات الإرهابية الأخرى كالقاعدة التي تسعى لامتلاك أسلحة للدمار الشامل).

فالدول والأنظمة المتسلطة والساعية للهيمنة بالقوة إن كان اسمها إسرائيل، أو إيران، أو سواها من التنظيمات المتطرفة والأصولية الأخرى، كالقاعدة.. لا تناسبها سياسة الاعتدال والانفتاح وتنتظر من سياسة الولايات المتحدة الالتزام بنهج العنف والتطرف الذي كان سائداً ويسيّر سياسة الولايات المتحدة في عهد بوش، وذلك حتى تتمكن الأولى مثلاً (إسرائيل)، من الاسترسال في غيها وعربدتها وتعديها على حقوق غيرها عن طريق الاتكال والاعتماد على دعم إمبراطورية متسلطة هي الأخرى، والثانية (إيران) لتتمكن من تبرير تشددها وعنفها تجاه شعبها أولاً، ولتبرر تدخلها ورغبتها في التمدد والتسلط في جوارها العربي، على أساس أنها الوحيدة في المشرق العربي، التي تقاوم وتمانع "الشيطان الأكبر"المتسلط والمنحاز لإسرائيل، أي الولايات المتحدة. ويكيليكس كان وليد الجهة المقابلة، وليد هذه الجهات المستاءة من اتفاقية "ستارت" التاريخية، المستاءة من استراتيجية الديمقراطيين الجديدة والقلقة من تحول الولايات المتحدة في عهدهم إلى قوة عادية، ومن فقدانها لدورها كإمبراطورية العالم الأولى. نشر وثائق ويكيليكس شكل ابتزازاً حقيقياً للإدارة الأميركية وعلى ما يبدو أنه ومن يقف وراءه ويدعمه، ليس بوارد إيقاف سيل نشر الوثائق المربكة الأخرى في الوقت الحاضر.

يبقى شيء مهم ولا بد من الإقرار به للرئيس الأميركي والذي حسب ما قال أمين عام الأمم المتحدة يبرر استحقاقه لجائزة نوبل للسلام، وهو أن يكون هذا الرئيس ذو الجذور الأفريقية والآتي من عالم مختلف ثقافياً ودينياً، حصر جهوده اليوم، بدرء الفتك الجهنمي للسلاح النووي، كون السلاح النووي يطال القاعدة أي الجنس البشري ونوعيته أولاً. وإن لم يتيقن الرئيس الأميركي أو يحتاط لاحتمال هجوم الكتروني يستهدفه، تظل اتفاقية "ستارت" تستحق الثناء والتقدير.
المصدر : المستقبل
 
لإضافة أي تعليق عليك أن تكون مسجلاً أو إضغط هنا للتسجيل
 
تعليقات سابقة
 
لا يوجد تعليقات على هذا الخبر