الخميس في ٢٣ تشرين الثاني ٢٠١٧ ، آخر تحديث : 08:20 م
YouTube Twitter Facebook RSS English French Portuguese
مُنتجو التطرّف
 
 
 
 
 
 
١٠ كانون الثاني ٢٠١١
 
::الياس الزغبي::


لا نقاش في أنّ التطرّف والغلو في التصرّف ، صفة وطبع من صفات الانسان وطبائعه .

عبر الأجيال ، كان هناك دائما متطرّفون يلجأون الى العنف الكلامي والمعنوي ، ثمّ الجسدي ، ضدّ خصومهم وأعدائهم ، والتاريخ حافل بسجلاّت هؤلاء ، وهم اليوم اكتسبوا ، بلغة العصر ، تسمية ارهابيّين .

ليس هنا مجال البحث في الارهاب وأصوله ودوافعه النفسيّة والاجتماعيّة والثقافيّة والدينيّة ( المشوّهة ) ، بل للنظر في ظروف هذا العنف المتنامي وترجماته القاتلة في عمليّات التفجير بين منازل الأبرياء وعلى أبواب معابدهم وكنائسهم .

لم يبلغ العنف الطائفي والمذهبي في الشرق الأوسط ، عبر مئات السنين ، ما بلغه منذ ثلاثين عاما ، وما يبلغه اليوم . ليس لأنّ أصوله ودوافعه تغيّرت ، وطرأت " صحوة " للأصوليّين والجهاديّين ، وانفتح الوعي التاريخي على عالمي الخير والشرّ ، والفسطاطين ، وداري الحرب والاسلام ، بل لأنّ " ثورة اسلاميّة " تحوّلت الى جمهوريّة ، وعقيدة سياسيّة – مذهبيّة شاءت أن تُصدّر نفسها ، فأيقظت كلّ ركام التاريخ ، وحرّكت هواجس الأقليّات والأكثريّات ، وأطلقت في الأذهان أحلام القوّة والغلبة والتفوّق ، ودغدغت مكامن العنف لدى المذاهب الأُخرى .

قبل هذه " الثورة " ، لم تكن " القاعدة " ، بانطلاقاتها الأفغانيّة والاخوانيّة ، وظواهرها من باكستان الى المغرب ، شديدة الخطورة كما هي الآن .

ولم تكن أسماء ، مثل بن لادن والظواهري والزرقاوي والعبسي والعولقي ...ومن شابههم ، تسطع في فنون القتل والتدمير شرقا وغربا ، وضدّ المسلمين قبل سواهم ، وضدّ المسيحيّين استطرادا .

لقد استشرست " ثقافة " العنف تحت عنوان تصدير " ثورة الخميني " ، وهي اليوم تزدهر تحت عنوان

" الممانعة والمقاومة " ، وتحت شعار " جبهة المواجهة العالميّة " و " جبهة مقاومة الشعوب " .

ولنأخذ نماذج سريعة من هذا الازدهار :

- في باكستان وأفغانستان ، انتعش الارهاب بعد الهزيمة ، ولايران " فضل " في الحضانة والرعاية ، الماليّة والتدريبيّة على الأقلّ .

- في ايران نفسها ، لم تكن ظاهرة التفجيرات معروفة وحركة " جند الله " مكشوفة ، " قبل " الثورة ". وردّ الفعل يكون غالبا من طبيعة الفعل نفسه ، والتطرّف يستولد التطرّف .

- في العراق ، كان تزايد التدخّل الايراني سببا عضويّا في تصاعد التفجيرات الارهابيّة ضدّ الشيعة والسنّة على السواء ، وليس خافيا أنّ المسيحيّين في الجنوب الشيعي لم يكونوا أقلّ استهدافا منهم في الوسط السنّي . ولعلّ أسوأ مآسيهم حصلت تحت الحكم العراقي المائل نحو ايران منذ بضع سنوات . ولا ينفع هنا التبرير بوجود جيش أميركي ، ورفع المسؤوليّة عن كاهل السلطة ذات الهوى الايراني .

- في الخليج ، من اليمن الى البحرين والامارات والكويت ، لم يسبق أن خيّم شبح الصراع المذهبي كما هو الآن ، مع ايقاظ حساسيّات الأقليّات الشيعيّة وتحريك أحلامهم وانجذابهم الى الميتروبول في طهران ، والميل الى العنف المعلوم والمكتوم .

- في فلسطين ، لم تنشطر القضيّة الى نصفين ، في السياسة والجغرافيا ، الاّ بعد الدخول الايراني القوي بالمال والسلاح والعقيدة الى غزّة ، وفيها لا تُحسد الأقلّيّة المسيحيّة على وضعها . رام الله ، باعتدالها ، أنتجت أوسلو ورابين . غزّة ، بتطرّفها ، أنتجت حروبا وشارون ونتانياهو وليبرمان .

- في مصر ، ليس سرّا دور ايران في استدراج العنف ، سواء من بوّابة غزّة أو في الداخل ، و " خليّة حزب الله " ماثلة . فمن يستطيع أن يؤكّد أو ينفي أنّ استهداف المسيحيّين الأقباط ليس في سياق الصراع الكبير بين قُطبي الاسلام على جناحي الشرق الأوسط ، وفي اطار حرب الفتنة الكبرى ؟

- وأخيرا في لبنان ، بات واضحا أنّ الاعتدال السنّي لا يخدم المشروع الايراني ، فهناك اصرار على اضعاف الأكثريّة المعتدلة والواعية . فهل يفعل " حزب الله " غير ذلك بالتطرّف في الخطاب ، والوعيد بالعقاب ؟ فهو لا يتحالف الاّ مع أبناء جنسه من المتطرّفين والسلفيّين الجهاديّين ، يضع خطا أحمر على معسكر " فتح الاسلام " ويضغط لاخراج عمر بكري الفستق من السجن ، ويغفو على عمالة حلفائه ، ويعمد على اثارة الفعل وردّ الفعل ، على طريقة رعد – كبّارة ، ويكلّف أصواتا مسيحيّة ودرزيّة وسنّيّة في حربه على اعتدال الحريري وعقلانيّة 14 آذار وسلميّة العرب وعلميّة الغرب .

- وهل العنف و " الوعد " بالفتنة في لبنان صنيعة المعتدلين من سنّة ومسيحيّين وشيعة ودروز ، أم من صنع أدوات المشروع ؟

والمثير للأسف ، أن يخرج الحليف المحلّي الأوّل ل " حزب الله " بنظريّة مضحكة تقول انّ تفاهم 6 شباط 2006 أوقف عنف الخامس منه !

وصاحب النظريّة هذه يعرف قبل سواه أنّ وراء عنف 5 شباط في الأشرفيّة أيدي حلفائه ، وأنّ من أطفأه هو وعي القيادات المسيحيّة والسنّيّة في 14 آذار ، وادراكها خطورة الاختراق المخابراتي الذي حصل .

ولا بدّ أنّه يعرف أيضا من أشعل عنف الاوتوسترادات والدواليب والاعتصامات واغتيال العائدين من تجمّع سلمي ومواطن مؤيّد له في عين الرمّانة ، وصولا الى 7 أيّار وسجد ودورس واثارة حساسيّات الجامعات وجرود جبيل وطرابلس والبقاع الأوسط واقليم الخرّوب وصيدا .

ويعرف ويعرف أنّ تهجّمه على مصر والسعوديّة وزعامة الحريري ومواقع السنّة خدمة مدفوعة ل " حزب الله " هنا ، وسوريّا وايران هناك ، ويشكّل حلقة في انتاج التطرّف ، ويعرّض المسيحيّين تحت الشعار الخادع بانفتاحهم ( على سوريّا وايران ) ، أي على 10% من البيئة الاسلاميّة فقط !

في كلّ عنف وتطرّف ، هناك فعل وردّ فعل ، بادىء ومكمّل ، سابق ولاحق .

ومن السهل في لبنان ، والشرق الأوسط ، رصد مُطلقي العنف ومبرمجيّ أساليبه .

" القاعدة " بيت بمنازل كثيرة ، وعباءة يلطو تحتها كثيرون .

ومنتجو التطرّف والارهاب متعدّدو العناوين ، مموّهو الوجوه .
 
لإضافة أي تعليق عليك أن تكون مسجلاً أو إضغط هنا للتسجيل
 
تعليقات سابقة
 
لا يوجد تعليقات على هذا الخبر