الثلثاء في ٢١ تشرين الثاني ٢٠١٧ ، آخر تحديث : 01:29 م
YouTube Twitter Facebook RSS English French Portuguese
المواجهة بين "التفاهم" و"التسوية" !
 
 
 
 
 
 
١٠ كانون الثاني ٢٠١١
 
::نبيل بومنصف::


ثمة سلم طويل عريض في العلم الدستوري والسياسي لتصنيف الاتفاقات وتدرجها من الاسفل الى الاعلى، من تعاقد فردي بين اشخاص الى معاهدات دولية وما بينهما. ومع ذلك يعز الاحتكام الى هذا السلم واسترشاده واستفتائه لفض الالتباس الحاصل بين "تسوية" و"تفاهم" عائمين على سطح ازمة تستحضر بعض القديم من ازمات سابقة وتبتكر الكثير من جديدها.

بصرف النظر عن التأييد التلقائي لموقف رئيس الحكومة سعد الحريري او الرفض الفوري له، ترانا أمام مسلك جديد للازمة ستندلع معه حرب اجتهادات بين فريقي "التسوية" و"التفاهم".

جهدت قوى 8 آذار طوال الشهرين الاخيرين في تشكيل منظومة منهجية تبني كل ادبياتها على وجود "تسوية" شبه ناجزة لا يعوزها سوى انتزاع توقيع الحريري على رفض القرار الاتهامي وتجويف المحكمة الخاصة بلبنان من مقوماتها والتزاماتها اللبنانية. ووسعت بيكار "التسوية" الى مندرجات متصلة بالسلطة لا بل تقترب من ميثاق الطائف على اسس "مقايضات" واضحة لم يعد معها الامر مختزلا بأزمة المحكمة بل اتسع ليشمل مشروع سلطة وحكم متبدل ومتغير.

بذلك بدا الامر الاشبه باليقين هو ان قوى "المعارضة السابقة" قدمت دفتر شروطها المتكامل في شكل غير رسمي تحسبا لاخفاق "التسوية" لا لنجاحها، والا لما ظلت منظومة الشروط يتيمة من دون متبن علني ظاهر وواضح لها. ولكن الامر لا يبعث على ارتياح قطعا، لأن اطلاق المنظومة في اساسه كان يهدف الى "حفظ حق" قوى 8 آذار لاحقا في "الاجتهاد" المغاير والمعاكس لمفهوم رئيس الحكومة وفريق 14 آذار لاي اتفاق او تفاهم او ما اليهما يمكن ان تفضي اليه المفاوضات.

وفي حديثه الى صحيفة "الحياة"، عشية سفره الى نيويورك، بدا الحريري كأنه قصر رده على المنظومة المعارضة بلغة المعارضة نفسها مع فارق جوهري واحد هو ان الحديث اقترب من كونه اجراء سياسيا تفاوضيا اكثر منه شرحا واضحا مسهبا لمكونات "التفاهم". وقدم عنوان "التفاهم السعودي – السوري" المنجز كوجهة نظر واجتهاد تتصل بهذا "التفاهم" وشروطه التي رمى كرتها في ملعب فريق 8 آذار. بذلك تكون الازمة قد حطت رحالها أمام مزيد من الغموض، بلغة التفاوض الذي لا يبيح بعد الافراج عن المكنونات والتفاصيل ربما للطبيعة المعقدة المتصلة برعاة التفاوض اكثر منها بأحوال المعنيين الداخليين المباشرين.

لعل اتفاق الدوحة وحده، في سلسلة تجارب الاتفاقات والتفاهمات الداخلية او ذات الطابع العربي والاقليمي، كان الاقل اثارة لحروب الاجتهادات لانه كان اتفاقا اجرائيا ظرفيا صيغ بنص واضح ومحدد بمهل زمنية املته ظروف الانفجار الذي حصل في 7 ايار 2008. سائر الاتفاقات والتفاهمات الاخرى شهدت حقبات طويلة لم تنته حتى الآن من الاجتهادات، بما فيها ميثاق الطائف نفسه الذي وضع حدا للحرب اللبنانية. لكن "فرادة" الجولة الطالعة، جولة حرب الاجتهادات بين "التسوية" و"التفاهم"، قد تكون مرشحة لأن تشكل واقعة مختلفة عن سابقاتها بدليل محاذرة اطرافها حرق الجسور من جهة ومراعاة حساسية الثنائي الراعي للأزمة بكل تداعياتها من جهة اخرى. ويذهب الصراع في المقابل في مسلك اجتهادين متناقضين تناقضا شديدا، لا إمكان لحسمه ما دامت لا السعودية ولا سوريا في وارد الافصاح او الاعلان او التورط في الكلمة الفصل العلنية. معنى ذلك ان ثمة كثيرا من القطب المخفية على جبهة الثنائي الراعي نفسه وربما بعض الآخرين من القوى الاقليمية والدولية ذات الباع الطويل في تقرير وجهة الازمة او التأثير المباشر وغير المباشر عليها.

وليس غريبا والحال هذه ان تراوح الازمة في وجهها الجديد الى ان تصطدم هي الاخرى بالاختبار الحاسم، اختبار كشف حقيقة هذه الرعاية ومكوناتها وتفاصيلها مع صدور القرار الاتهامي وليس قبل صدوره اطلاقا. وعندذاك، لن يملك احد الجزم ايضا بما اذا كانت حرب الاجتهادات الطالعة سترسو على بر "تفاهم" او "تسوية" او ما يناقضهما، لأن ليس في تاريخ الازمات اللبنانية "اسود على ابيض" بل هو تاريخ اجتهادات متحاربة في السلم والاستقرار كما في المواجهات والحروب.
المصدر : النهار
 
لإضافة أي تعليق عليك أن تكون مسجلاً أو إضغط هنا للتسجيل
 
تعليقات سابقة
 
لا يوجد تعليقات على هذا الخبر