الجمعة في ٢٤ تشرين الثاني ٢٠١٧ ، آخر تحديث : 09:55 م
YouTube Twitter Facebook RSS English French Portuguese
هل تعود الحرب الباردة إلى الشرق الأوسط؟
 
 
 
 
 
 
١٠ كانون الثاني ٢٠١١
 
::سركيس نعوم::


تساءل منذ اشهر اوساط سياسية واخرى بحثية في الولايات المتحدة اذا كان من شأن الازمات المتعددة في الشرق الأوسط القديمة منها كالصراع العربي – الاسرائيلي، أو الحديثة مثل اندفاع ايران الاسلامية في العمل لامتلاك تكنولوجيا نووية للاستخدامين السلمي والعسكري – تتساءل اذا كان من شأن هذه الازمات اعادة اطلاق الحرب الباردة على ساحته بين الولايات المتحدة وروسيا، وذلك بعد نيف وعقدين على انتهائها بفوز ساحق للأولى على الثانية التي كان اسمها آنذاك الاتحاد السوفياتي.

هل من مبررات معقولة لهذا التساؤل؟
تجيب الاوساط اياها عن ذلك بأن سوريا بشار الاسد أملت يوم انتخب باراك اوباما رئيساً لاميركا في ان تنجح في كسر القالب الذي وضعت فيه الادارات المتعاقبة الحاكمة فيها السياسة الاميركية وخصوصاً العلاقة المتعلقة بالشرق الأوسط. واملت تحديداً في ان يُنفّذ وعوده بانهاء الصراع العربي – الاسرائيلي على قاعدة الارض في مقابل السلام. والدافع الى الامل المذكور كان اقتناع دمشق بأن من شأن سلام كهذا اعادة اراضيها التي تحتلها اسرائيل في الجولان منذ عام 1967 اليها. كما من شأنه نجاح واشنطن في اقناع الفلسطينيين والاسرائيليين بحل الدولتين، لا بل في دفعهم الى التفاهم النهائي عليه وبدء تطبيقه.

وقد عبَّر السوريون، في الاشهر التي تلت انتخاب اوباما رئيساً، لكل من يريد ان يسمع من الاميركيين في واشنطن ان ما يريدونه منه هو استعادة الجولان المحتل. واذا حصل ذلك فان سوريا الاسد ستكون مستعدة لتعديل تحالفاتها الاقليمية، ولانهاء عدائها لاسرائيل، والسماح بقيام علاقة جدية وقوية مع الولايات المتحدة. لكن هذه الاوساط تستدرك بأن كل هذه الآمال السورية تبدو الآن خائبة. وتشير الى ان التدهور السريع للعلاقة بين دمشق وواشنطن، وخصوصاً خلال العام الماضي، دفعها الى بذل جهود مستمرة لاقامة نظام تحالفات تأمل في ان يصحّح الخلل الكبير في توازن القوة بين سوريا واسرائيل.

علماً انه عدم توازن ساهمت فيه بقوة اميركا ولا تزال تعمل للمحافظة عليه. وتشير ايضاً الى ان القيادة السياسية السورية العليا باتت مقتنعة، بعدما تخلت عن اوهامها "الأوبامية" بأن ادارة اوباما سوف تبطئ عملية السلام بدءاً بالمسار الفلسطيني، وتعمل على المحافظة على الـ"الستاتيكو" الراهن.

وقد جاءت نتائج الانتخابات النصفية الاميركية في تشرين الثاني الماضي مع قرب فتح معركة الانتخابات الرئاسية المقبلة (الربيع المقبل ربما)، وحاجة اوباما فيها الى اصوات اللوبي اليهودي الاميركي واللوبي الاميركي غير اليهودي المؤيد لإسرائيل، جاء كل ذلك ليقنع سوريا بأن عليها ان تبحث عن حليف استراتيجي جديد يمكِّنها من اعادة شيء من التوازن وإن غير الكامل في القوة مع اسرائيل. وقد عززت اقتناعها عودة الاتهامات الاميركية اليها بتزويد "حزب الله" و"حماس" صواريخ واسلحة، وإقدام ادارة اوباما على تجديد العقوبات الاميركية المفروضة عليها.

انطلاقاً من كل ذلك لم يكن امام سوريا بشار الاسد في رأي الأوساط السياسية والبحثية الاميركية نفسها، سوى الاستمرار في مواجهة السياسة الاميركية (منذ بوش الابن) وذلك بممارسة خطوات عدة، منها التمسك باستعادة الجولان او بحقها في استعادته وممارسة المقاومة المباشرة وغير المباشرة لتحقيق ذلك، وواشنطن تعرف اثر ذلك كله كما تعرفه اسرائيل، ومنها ايضاً استعادة التحالف الذي كان مع الاتحاد السوفياتي ولكن مع وريثته روسيا الاتحادية وذلك على قاعدة تبادل المنافع والمصالح. فمن جهة تستطيع روسيا تزويد سوريا ما تحتاج اليه من سلاح لا لسحق اسرائيل بل للدفاع عن نفسها، ومن جهة اخرى تجدد سوريا وضع قاعدة طرطوس البحرية في تصرف الاسطول الروسي أولاً كمحطة رسو لسفنه وثانياً كمحطة اصلاح ما يتعطل منها. ومنها ثالثاً بذل جهد لاقامة تحالف أو على الأقل تعاون بينها وبين تركيا وايران والعراق.

وقد حقّق ذلك بعض النجاح، علماً انه افاد دمشق اذ مكَّنها أو قد يمكِّنها مستقبلاً من الاعتماد على تركيا كي لا تبقى محكومة بالاعتماد كلياً على الدعم الايراني وربما الحماية.

طبعاً، تضيف الاوساط اياها، لم ترفض روسيا التقارب السوري معها بل رحبت به. وقد عبَّر عن ذلك ناطق باسم السفارة الروسية في دمشق في النصف الاول من العام الماضي اذ قال: "نحن نسعى لاستعادة منطقة فقدناها مع اصدقاء قدماء". وصارت أجندة العلاقات بين موسكو ودمشق تتضمن موضوعات عدة ابرزها عملية السلام الشرق الأوسطية، والمشروع النووي الايراني، وبرنامج التسلح الثنائي بين الدولتين. كما ان سوريا أعربت عن ارتياحها الى التقارب نفسه باعلان اكاديمي سوري مطلع ومهم "ان عودة روسيا، أحد أقطاب السياسة الدولية، ستحقق التوازن والامان والاستقرار للمنطقة. فروسيا لاعب اساسي وعليها ان تفرض على اسرائيل معاودة الانخراط الفعلي في عملية السلام".

ما هي انعكاسات عودة روسيا لاعباً محورياً او اساسياً في المرحلة الاولى في الشرق الأوسط على اميركا؟
الانعكاس الابرز هو ان سوريا ستجد نفسها مدفوعة أو مضطرة الى جعل الكلفة الاميركية لمساعدة اسرائيل، أو بالأحرى لعدم التجاوب مع سوريا غير الرافضة السلم مع اسرائيل، باهظة. وهي تستطيع النجاح في ذلك بطريقتين. الاولى، مهاجمة حلفاء اميركا في المنطقة واتهامهم بخيانة "القضية العربية" ومحاولة دفع شعوبهم الى مزيد من الراديكالية، بحيث لا تتورع عن اتهام الاميركيين بالعداء للعرب والمسلمين وبالانحياز التام الى اسرائيل. ومحاولة دفعها الى اختيار الجانب الذي ستقف معه. وجعل تحالفها مع اسرائيل طوقاً يخنقها (اي اميركا) بسبب كثرة اعبائه. وحلفاء اميركا ابرزهم السعودية والاردن ومصر. ويبدو ان السياسة السورية هذه نجحت الى حد ما مع السعودية ولا سيما في الموضوعين اللبناني والعراقي وخصوصاً بعدما بادر ملك الاولى عبد الله بن عبد العزيز الى مصالحة الرئيس السوري في الكويت من دون الحصول على اي مقابل. وقد انعكس ذلك نجاحاً سورياً غير مكتمل حتى الآن في لبنان وقد يكتمل قريباً. علماً انه لم ينعكس الا نجاحاً جزئياً ومحدداً في العراق. الا انها لم تنجح مع مصر حتى الآن. ذلك ان الاتهامات، التي تبادلتها الدولتان في شأن لبنان منذ عام 2005، وبعد عدوان اسرائيل عليه عام 2006، وفي شأن غزة عام 2008، وفي شأن "محاولة" "حزب الله" شن اعتداءات على مصر ومصريين، استمرت. وشكل ذلك نوعاً من الضربة لسوريا التي لم تجد من مصر مبارك الا صدوداً، ربما لأن الاشتباك معها صار شخصياً الى حد كبير. علماً ان مصر ساعدت سوريا على نحو غير مباشر بدعم انضمامها الى منظمة التجارة العالمية وبدعوتها الى جعل الشرق الاوسط خالياً من الاسلحة النووية.

هل يؤكد ذلك فعلاً عودة الحرب الباردة بين روسيا واميركا انطلاقاً من الشرق او فيه على الأقل؟
لا تمانع روسيا في الضغط على اميركا لتحسين مواقعها الدولية، ولاستعادة بعض الهيبة الدولية كقوة كبرى بعدما "استهانت" بها اميركا كثيراً في اعقاب انهيار الاتحاد السوفياتي. لكن ذلك لا يعني انها ستكون مستعدة لأن تواجهها وإن على نحو غير مباشر في ايام الحرب الباردة السابقة، فهي تساعد سوريا وايران وغيرهما. وتساوم اميركا وتأخذ منها احياناً المقابل الذي تريد. وهذا امر تعرفه سوريا ولا تمانع فيه. ذلك ان ما يهمها هو ان يكون الى جانبها وإن في الحد الادنى او جزئياً قوة دولية كبرى أو قوى تتفهمها وتساعدها على تلافي الاستفراد وربما الضرب. اما الصين وهي مؤهلة لأن تخوض حرباً باردة مستقبلاً مع اميركا او حتى مع روسيا وغيرها فانها لا تزال غير قادرة على هذا الأمر. وربما تحتاج الى عقد من الزمن او اكثر لتصبح قادرة.
المصدر : النهار
 
لإضافة أي تعليق عليك أن تكون مسجلاً أو إضغط هنا للتسجيل
 
تعليقات سابقة
 
لا يوجد تعليقات على هذا الخبر