الاربعاء في ٢٢ تشرين الثاني ٢٠١٧ ، آخر تحديث : 10:06 م
YouTube Twitter Facebook RSS English French Portuguese
هل نسي المجرمون رفض بابا الاقباط مرافقة السادات الى اسرائيل ؟
 
 
 
 
 
 
٩ كانون الثاني ٢٠١١
 
::دافيد عيسى::


التفجير الاجرامي الذي استهدف كنيسة القديسين في الاسكندرية وادى الى سقوط العشرات بين شهيد وجريح ، احدث صدمة عميقة وكان له وقع الفاجعة داخل مصر وخارجها . فان تمتد يد الارهاب والاجرام ليلة رأس السنة الى مصلين مؤمنين ابرياء لا لذنب اقترفوه سوى لانتمائهم الديني لهو عمل جبان ومشين ومجرم ولا صلة له بالاسلام ولا بأي دين سماوي حتى ولا بمصر وما عرفت به من تسامح وتعايش بين ابنائها . ومن الطبيعي ان يثير هذا التفجير الارهابي ردود فعل شاجبة ومتضامنة مع الكنيسة القبطية وذوي الشهداء ، ساهمت في بلسمة الجراح والتخفيف من وقع الصدمة وفي اظهار وعي عام لما يحاك من مؤامرات ومخططات مشبوهة تهدف الى ضرب استقرار مصر وامنها وايضاً الى النيل من الوجود المسيحي التاريخي في ارضها ...

ولكن ثمة ردوداً ومواقف استوقفتنا لانها كانت دون مستوى الحدث وفي غير مكانها واوانها . فعندما ينتقد شيخ الازهر في مصر الدكتور احمد الطيب موقف قداسة البابا بينيديكتوس السادس عشر ويعتبره تدخلاً في شؤون مصر الداخلية ، فانه لموقف يدعو الى العجب والاستغراب ويدفع الى التساؤل : كيف كان للفاتيكان ان يتصرف ازاء جريمة وحشية استهدفت مسيحيين في كنيستهم، فقط لانهم مسيحيون ؟! هل كان من المفترض والمنتظر ان يلتزم الفاتيكان الصمت وان يحجم عن التضامن والتعاطف مع الاقباط المسيحيين وعن الدعوة الى حمايتهم ؟! ... هذا اقل ما يمكن ان يفعله قداسة البابا ازاء مأساة كهذه تنتقل من العراق الى مصر ، وهل المطلوب ان يترك لايادي الشر والاجرام ان تعبث وتقتل وتنكل بالمسيحيين دون حق الاعتراض او القول بأننا موجوعين ومتألمين ؟ وهل كان المطلوب ان يهنىء رأس الكنيسة المسيحية الكاثوليكية في العالم هؤلاء المجرمين على فعلتهم ومباركة من وراءهم من قوى ظلامية مجرمة وحاقدة على تهديدها الوجود المسيحي ووضعه في دائرة الخطر وفي حال نزف غزير ومستمر .

الذين ينتقدون موقف قداسة البابا يشجعون المجرمين عن قصد اوعن غير قصد على الاستمرار في اجرامهم وحقدهم وجهلهم ، ولقد فاتهم ان البابا بينيديكتوس السادس عشر القلق على مصير ومستقبل المسيحيين في الشرق وله كل الحق والاسباب في ان يقلق ويعبر عن شجبه وغضبه واستنكاره .

بادر الاب الاقدس ومنذ فترة قريبة الى تنظيم سينودس خاص لكنائس الشرق الاوسط وهذا ما يحدث للمرة الاولى في تاريخ الكنيسة والفاتيكان . ومن المؤكد ان من ينتقدون اليوم ومن منطلقات وآفاق ضيقة ، لم يقرأوا توصيات السينودس ومقرراته التاريخية بآفاقها الواسعة. ففي رسالته الختامية اطلق السينودس نداء الى المجتمع الدولي للعمل بصدق من اجل حل سلمي ونهائي في المنطقة وذلك من خلال تطبيق قرارات مجلس الامن واتخاذ التدابير القانونية اللازمة لوضع حد لاحتلال الاراضي العربية المختلفة من جانب العدو الاسرائيلي .

بهذه الروحية العميقة وهذه المسؤولية التاريخية عالج السينودس الخاص في الفاتيكان ازمة المسيحيين في الشرق الاوسط ، وجاءت مداولاته ومناخاته تعكس اهمية السلام في المنطقة ليس فقط على صعيد ترسيخ الامن والاستقرار فيها ، وانما على صعيد حفظ وترسيخ وجود المسيحيين في الشرق الاوسط الذين يواجهون التحديات والمصاعب ولعل ابرزها انهم كانوا من ضحايا الصراع العربي – الاسرائيلي ودفعوا ثمن كراهية المسلمين للغرب "المسيحي" في دعمه لاسرائيل مع العلم ان هذا الغرب لا يعرف سوى مصالحه وهو لا يعرف من المسيحية الا الاسم ؟ ؟

ومن بين المشاكل والتحديات التي يتعرض لها المسيحيون مثل التطرف الديني الاسلامي والعنف الديني ، والازمة الاقتصادية ، برزت مسألة الصراع الفلسطيني – الاسرائيلي كمصدر خطر وتهديد للوجود المسيحي بشكل غير مباشر . وبالتالي اصبح تصحيح الاخطاء والمظالم التاريخية التي ارتكبت بحق شعوب الشرق الاوسط ، وخصوصاً الشعب الفلسطيني ، مدخلاً الى تعزيز الاستقرار في المنطقة وتثبيت المسيحيين على ارضها . فهل في هذا التوجه والموقف نتهم الفاتيكان بانه يتدخل في شؤون المنطقة ، ونعتبر دفاعه عن القضية الفلسطينية تدخلاً غير مبرر في ازمة الشرق الاوسط ؟!

موقف آخر ، وهذه المرة من لبنان ، هو موقف مفتي جبل لبنان محمد علي الجوزو الذي نحترم موقعه الديني وما يمثل ولا نحترم مواقفه المتطرفة والمنحازة والمعيبة والتي اصبحت معروفة بتطرفها وحقدها على المسيحيين خصوصاً عندما يحمل المرجعيات الدينية المسيحية والفاتيكان مسؤولية وعي خطورة المخطط الذي يحاك ويرمي الى زرع الكراهية بين المسلمين والمسيحيين، ومسؤولية في قطع الطريق على العملاء وعدم الانسياق وراء الغرائز الطائفية التي تعمل على ضرب المجتمعات العربية (وهذا حسب قوله) وكأنه يريد ان يقول ان المرجعيات الدينية المسيحية في لبنان والفاتيكان هما من يحركا التطرف الاسلامي ، فليسمح لنا المفتي الجوزو ان نقول له وبكل احترام انه مخطىء في قوله وليكن له الجرأة ولو لمرة واحدة ان يقف الى جانب المظلوم والحق حتى ولو لم يكن هذا المظلوم مسلماً .

المسيحيون مدعوون الى التمسك بأرضهم وتعزيز الانتماء اليها لانهم ابناء هذه الارض منذ القدم ويجب ان يشعروا انه ليس عليهم ان يصنعوا مصيراً خاصاً بهم بل مصيراً مشتركاً مع شركائهم، وان انخراطهم في العالم العربي كما اوحى به البابا يوحنا بولس الثاني في الارشاد الرسولي من اجل لبنان يجب ان لا يفقدهم حقوقهم ولا حرياتهم ، بل يجب ان يثبتهم معاً في حقوق وحريات سائر المواطنين .

ولكن يبقى ان مسؤولية المسلمين هي الاولى وهي الاهم . وعلى الشركاء المسلمين الذين يشكلون اكثرية هذا العالم العربي ان يعطوا اخوتهم المسيحيين فسحتهم الخاصة ، فلا يقتصر الامر على حضور في المجتمع فحسب ، انما يعني كذلك اعداد مشروع هذا المجتمع وحكمه الجيد . وعلى المسلمين ومرجعياتهم الدينية والزمنية ، ان يفهموا ان المسيحيين يتمتعون بالحقوق نفسها التي يتمتع بها المسلمون كما وعليهم الواجبات نفسها، وبالتالي عدم التعامل معهم كأقليات او أهل ذمة . فالمسيحيون الذين ساهموا في الماضي في نهضة الثقافة والمجتمعات العربية سيساهمون ايضاً فيها في المستقبل ، ويعيشون جميعاً المشاركة والمساواة والحرية المطلقة معاً ومع شركائهم .

ما حصل في العراق وما يحصل في مصر خطير جداً في ابعاده ونتائجه اذا استمر الارهاب مستشرياً ، واذا ظل التعاطي معه ورد الفعل عليه في اطار تصريحات وبيانات الشجب والاستنكار . هذا الاسلوب ليس مجدياً مع هذا النمط الاصولي والارهابي المجرم والذي يريد ان يدمر الوجود المسيحي وان يقتلعه من جذوره اذا استطاع الى ذلك سبيلا ... وهنا لا بد لنا من القول بأن مسؤولية المرجعيات الدينية الاسلامية في احتضان المسيحيين واشعارهم بالشراكة الحقيقية اصبحت ضرورية ، وكذلك تبرز مسؤولية الدولة المعنية في حماية المسيحيين وكل المواطنين الآخرين وعلى مختلف طوائفهم ومذاهبهم . واذا كانت الدولة في العراق ما زالت في طور اعادة البناء وينقصها الكثير من المقومات ... فان الدولة في مصر مكتملة في مقوماتها وعدتها ، واي تقصير في توفير الحماية والامن للمسيحيين الاقباط سيكون تقصيراً غير مبرر وغير معذور بعد اليوم . ولعل انفجار كنيسة القديسين في الاسكندرية سيكون حافزاً وانذاراً قوياً للسلطات المصرية كي تعزز امكاناتها وقدراتها في محاربة الارهاب واجتثاثه . ولكن المعالجة لا يجب ان تكون امنية فقط ، لان المطلوب قبل اي شيء آخر محاصرة الخطاب الديني الاصولي المتطرف الذي يتنامى في المساجد والجمعيات ويتغلغل في النسيج الاجتماعي – الثقافي المصري.

والاهم من كل ذلك الالتفات الى واقع الاقباط ومشاكلهم وهواجسهم وشكواهم المزمنة .

وبدل ان يصار الى التعامل بخشونة وقوة وتمييز طائفي مع شباب الاقباط في الشارع حيث المكان الوحيد لتفجير كبتهم وقهرهم على ما حصل ويحصل معهم ، وجب التعامل بمسؤولية مع الاسباب التي تدفع بهؤلاء الى التظاهر والصراخ ورفع الصوت . الاقباط في مصر شعب مسالم يطالبون بحقوق المواطنة واحترام خصوصياتهم الدينية والمساواة في الحقوق والواجبات والتمثيل المناسب والعادل في مؤسسات الدولة دون التعرض للاقصاء بسبب معتقدهم وانتمائهم الديني .

تشكو الطائفة القبطية وهي اكبر مجموعة مسيحية في الشرق الاوسط واقلية كبيرة في مصر ، من تمييز يستهدفها ومن تهميش سياسي ، ما يزيد شعورهم بالاضطهاد والغربة في وطنهم وما يدفعهم الى الانكفاء والاحباط والانزواء خلف اسوار كنائسهم . ولكنهم حتى في كنائسهم هم مستهدفون ومهددون .

انفجار الاسكندرية سلط الضوء على مشكلة كامنة وفعلية في المجتمع المصري هي مشكلة الاقباط المسيحيين ، يحتاج حلها الى حوار وطني ولا تكفيها المعالجات الامنية والموضعية باطفاء الحرائق كلما اشتعلت . فالتركيز يجب ان يكون على اطفاء العوامل المسببة للحرائق ومن ابرزها تحول المجتمع المصري من مجتمع سياسي ينقسم فيه الناس احزاباً ، الى مجتمع ديني ينقسم فيه الناس "طوائف" . واذا كان المرجع الديني للاقباط البابا شنوده الثالث اثبت وعياً وادراكاً ووطنية وحس مسؤولية بدعوته الى التهدئة وسحب الازمة من الشارع ، فان الحكومة المصرية وجب عليها ان تظهر كل استعداد جدي لمعالجة مشكلة الاقباط والاصغاء الى شكواهم ومطالبهم وفعل كل ما يلزم لاشعارهم انهم مواطنون مصريون مثلهم مثل المسلمين المصريين بدل دفعهم الى النفور والرحيل ... فالاقباط ليسوا جالية في مصر وانما هم في اساس تاريخها وتفكيرهم وطني وعربي وهم رواد في القومية العربية وملتزمون للقضايا العربية وفي مقدمها القضية الفلسطينية ... ألم يرفض الانبا شنوده الثالث طلب الرئيس المصري الراحل أنور السادات مرافقته الى اسرائيل ودفع ثمن مواقفه الجريئة والقومية والعربية اقامة جبرية حتى لا نقول سجن وتهميش وظلم لسنوات ؟ ... ألم يطلب بابا الاقباط من رعاياه المسيحيين وجماعته المؤمنة عدم الذهاب الى القدس او الى اي مكان في فلسطين المحتلة حتى في ظل سلام موقع بين مصر واسرائيل لاعتباره ان اسرائيل لا تزال مغتصبة لفلسطين ولاراضي عربية محتلة اخرى ؟

ان ما يحصل مع المسيحيين هو وصمة عار على جبين معظم الانظمة العربية التي لا تحرك ساكناً في الدفاع عن ابنائها ومواطنيها المسيحيين الذين يتعرضون للابادة لا لأي سبب الا لإنتمائهم الديني وهذا سيجعل الامور تتفاقم ويزداد الشحن الطائفي والمذهبي في العالم بأسره وتكبر روح الكراهية والحقد بين الشعوب ويكون المستفيد الاول والاخير من كل ذلك اسرائيل التي يخدمها الاسلام المتطرف والاصولي بجرائمه ضد الانسانية من حيث يدري او لا يدري ...
 
لإضافة أي تعليق عليك أن تكون مسجلاً أو إضغط هنا للتسجيل
 
تعليقات سابقة
 
لا يوجد تعليقات على هذا الخبر