الخميس في ٢٣ تشرين الثاني ٢٠١٧ ، آخر تحديث : 08:15 م
YouTube Twitter Facebook RSS English French Portuguese
التسوية انجزت والصافرة الدولية أُطلقت
 
 
 
 
 
 
٨ كانون الثاني ٢٠١١
 
::ناصر شرارة::


حتى الحرب الأهلية اللبنانية التي دامت عقدين، فإنها كانت في الواقع، قصة جولات عسكرية تسبق محطات محاولات تسويتها المتكررة. لقد ظل اللبنانيون يتقاتلون خلالها، من اجل الاقتراب من التسوية.

وليس صدفة ان معظم ضحايا الحرب الاهلية كانوا من المواطنين الذين كانوا يصدقون في كل مرة ان التسوية حصلت وان وقف اطلاق النار، هو اكثر من هدنة، فكانوا يخرجون عن حذرهم، فيلاقون حتفهم وهم يقطعون خطوط تماس الحرب بين شارع وشارع او منطقة ومنطقة. وتؤكد هذه الوقائع، انه في عز لحظات الحرب، كان اللبنانيون المؤمنون بأن التسويات هي قدر لبنان، هم اكثر بكثير من اللبنانيين المؤمنين بأن الحروب الداخلية هي قدر البلد.

ولو جرى اليوم استطلاع للرأي العام، لتبيان موقفه من الازمة الراهنة، لأظهرت نتيجته على نحو حاسم، بأن ((حزب التسوية)) هو اكبر حزب في لبنان. ورغم انه حزب صامت، وغير منظم، الا ان قاعدته الاجتماعية كبيرة جداً، وتمتاز بأنها عابرة للطوائف والمذاهب، وفيها الفقير والغني، والعلماني والمؤمن، والوالد والأم والطفل، الخ..

حاجة تاريخية
ويقودنا ما تقدم، الى ان مناخ تسوية الازمة الراهنة ليس مناخاً مفتعلاً، بل هو اساس الحل الآتي، والتفاصيل ليست الا مسألة تصوغها لحظات الانتظار التقنية، التي عادة ما تكون صعبة على اللبنانيين. ورغم ان التسوية الموعودة التي تصيب اللبنانيين الآن بالكثير من الضجر لتأخر اعلانها، قد غاب عن العيون مضمونها، الا ان هذا لا ينتقص من اهميتها ومن حقيقة وجودها. فمناخ التسوية في بلد كلبنان، هو اهم من مضمون التسوية، لأن مجرد انجذاب جميع القوى السياسية اللبنانية في تعاملها مع الازمة الراهنة الى افق التسوية وفكرتها، فهذا يعني ان هذه القوى لم تهجر فكرة ((سمة حاجة لبنان التاريخية)) الى التسوية، ولم تصل الى نقطة اللاعودة او القطيعة مع هذه السمة التسووية التي تميز الحياة السياسية في لبنان منذ العام 1943 حتى الآن، والتي لها الفضل في بقائه موجوداً بصيغته الراهنة.

وتشبه التسوية الموعودة او المنتظرة بشأن الازمة الحالية، جبل الثلج الذي لا يظهر منه الا رأسه، ولا يظهر منه الا مناخه العام. فالتسوية – بحسب كل المعلومات الموثوقة – هي الافق المقبل، ومناخها اقوى من كل مناخات الاعتراض عليها من الطرفين، مهما علت اصوات القائلين بذلك.

والسؤال: لماذا التسوية حاصلة، وما هي مضامينها الغائبة عن التداول العام؟

اولاً – لأن الـ((سين – سين)) (وهو المصطلح الذي يعبر عن تضافر الجهود السعودية السورية)، ولد بعد اكتشاف كل من دمشق والرياض، النتائج المريرة لتجربة القطيعة بينهما، وبخاصة فوق الساحة اللبنانية. صحيح ان العراق كان تجربة مريرة لكل العرب، وما حدث فيه شكل هدما ليس فقط للعمل العربي المشترك، بل لملامح الهوية السياسية العربية المعاصرة. ولكن لبنان، كان له وقع خاص من المرارة في كل من الرياض ودمشق.

.. فالخلاف السعودي السوري في بلد الارز، خلّف النتائج الخطرة والمريرة التالية:

من جهة اولى، شكل هذا الخلاف سمة سلبية غير مسبوقة في تاريخ العلاقات السورية – السعودية. فغالباً ما كان الاخ السعودي الكبير، ينظر الى المشرق من ثقب باب سوريا. ويعتبرها شقيقاً ثالثاً لا غنى عنه لجعل العمل الرسمي العربي المشترك يستقيم ويقف على ثلاث قوائم اساسية: الرياض – القاهرة - دمشق. وعندما كانت هذه المعادلة العربية الثلاثية يعتريها وهن، فذلك كان يحصل نتيجة اعتلال العلاقة السعودية المصرية وليس السورية السعودية.

وخلاصة القول انه في السعودية لا يوجد ارث في تفكيرها السياسي العربي، معاد لسوريا، بغض النظر عن هوية الحكم فيها. بل ان الموروث في النظرة السعودية للواقع العربي، هو التثمين الغالي لموقع سوريا الجيو - سياسي والحيوي في المعادلة العربية.

وفي سوريا، لا يوجد في تفكيرها العربي ارث معاد للسعودية، بغض النظر عن هوية الحكم فيها. والموروث السياسي السوري الاستراتيجي يعتبر السعودية خزاناً استراتيجياً مالياً وسياسياً داعماً لها، ومن ميزاته الهامة انه له صفة الجهة القادرة على الاسناد السريع في حالات الطوارئ.

وخطورة ما حدث في لبنان بعد اغتيال الرئيس رفيق الحريري، هو انه هز هذه الثوابت الاستراتيجية في رؤية كل من الرياض ودمشق لبعضهما البعض. وخلفت القطيعة بينهما نتائج مفجعة على كل من لبنان وسوريا والسعودية ومجمل العمل العربي المشترك. واليوم لا يوجد في سوريا او في السعودية اية جهة تريد العودة عن خط اعادة الامور الى نصابها الاستراتيجي المعهود والتاريخي بخصوص نظرة البلدين للعلاقة بينهما.

ويشكل لبنان، الآن، المحك الذي يتم من خلاله، تأكيد إيمان الطرفين بأن القطيعة السورية – السعودية كان خياراً خاطئاً وخطراً، بغض النظر عن اسبابه وموجباته. وعليه فإن نجاح الـ((سين – سين)) في لبنان لن يكون، لا بالنسبة للرياض ولا بالنسبة لدمشق، محل مساومة اقليمية او دولية، نظراً لكون لبنان هو آخر مساحة عملية لتفعيل العلاقات السورية – السعودية، ولكونه له مكانة في علاقات الرياض – دمشق مختلفة عن تلك المكانة التي لأي دولة اخرى، وحتى العراق.

من جهة ثانية، وعلى عكس ما هو شائع على السطح، فإن تقبل المجتمع العربي والدولي للتسوية في لبنان، ليس سلبياً، عدا اسرائيل الباحثة عن وسيلة لضرب ليس فقط قدرة المقاومة على التصدي لها بل قدرة المقاومة على جعل قضيتها تتكيف مع المجتمع اللبناني والنظرة العربية و الدولية للبنان. والواقع يقول ان المقاومة في العمق انجزت تكيفها مع وضع لبنان الذي له خصوصية على غير مستوى، وحتى لو بدت الامور على هذا المستوى تمر بأزمات تعكس غير هذا المعنى. والعالم والعرب يعون مواطئ التكيف هذه، وهم باتوا بعد انقشاع موجات التوتر، يبحثون عن استمرارها، وكذلك من جهته يفعل السيد حسن نصر الله الذي يعطي للـ((سين سين)) كل الفرص للنجاح ويسحب من فوقها ، عملياً، شروط السقف الزمني الضاغط عليها.

ولا تأتي هذه التوجهات من عبث، بل انها تنبع من نهر خاصية لبنان وتاريخ تجربته في الصراع العربي – الاسرائيلي. فلبنان تاريخياً، كان له جاران، الجار القريب، سوريا.. والجار البعيد، السعودية. وغالباً ما انجز تضافر جهود هذين الجارين تسويات اطالت بعمر الكيان اللبناني واوقفت حروبه. وحتى الرئيس جمال عبد الناصر، فانه عندما لامس فكرة انه جار بعيد للبنان، خلال احداث الستينيات بين المقاومة الفلسطينية والدولة اللبنانية، فهو لم يمارس ثوريته في التعاطي مع بلد الارز، بل قال عنه ، ما يقوله السعوديون المحافظون عنه: انه بلد، يستحق ان نحافظ على خاصته الغنية، ونراعي خصوصية وضعه.

ولبنان عربياً، كان دائماً يتفاعل بين الحد الاقصى المتطرف لبنانياً الذي يمثله ريمون اده الداعي لنشر بوليس دولي على حدوده مع اسرائيل، والحد الاقصى المتطرف عربياً على مستوى النظرة للمقاومة ((من لبنان وفيه)) الذي مثله عبد الناصر والقائل بحصر ساحة الصراع اللبناني - الاسرائيلي في منطقة ((فتح لاند)).

ومرونة تعايش السيد حسن نصر الله بين مفهومي القرار 1701من جهة والمقاومة الدفاعية وليست الهجومية لـ ((جبهة مزارع شبعا)) على وزن ((جبهة فتح لاند))من جهة ثانية، هو تعبير عن توازن لم يكن مسبوقاً في تاريخ لبنان، يراعي فيه الرجل النظرة اللبنانية والعربية التاريخية لموقع لبنان ودوره في الصراع العربي - الاسرائيلي.

على مستوى التفاصيل الخاصة بالتسوية، هناك اكثر من عامل ايجابي مستجد يمكن تلخيصه بالتالي:
اولاً- تقول المعلومات ان نص اتفاق التسوية اصبح جاهزاً ، وان موعد اعلانه هو بين النصف الثاني من هذا الشهر والنصف الاول من شهر شباط/فبراير المقبل.

ثانياً – يوم 12 من الشهر الحالي سيعود الملك عبد الله الى السعودية وستبدأ رحلة معالجة توقيت اعلان التفاهم اللبناني حول قضية المحكمة واستكمالاً حول قضايا على صلة بترسيخ التوازن الداخلي لانتاج حكومة جديدة على اساسه. المعروض خروج اطراف كبرى من الحكومة الجديدة، لمصلحة خلق توازن ايجابي بين الطوائف. والمعروض ايضاً، خلق ثنائيات سياسية داخل معادلة الحكم وذلك ضمن حكومة منسجمة وانمائية وقابلة للاستمرار.

ثالثاً- المحكمة الدولية. المعروض هو ان يرفع المدعي العام القاضي دانيال بلمار القرار الاتهامي الى مجلس الامن بعد عرضه على قاضي الاجراءات التمهيدية فرنسين. القرار لا يشتمل على اسماء ، او انه سيرسل مقفلاً بمظروف خاص الى مجلس الامن، حيث الاخير سيتعامل معه على اساس انه جزء من قرار المحكمة الدولية. ويتحفظ مجلس الامن على النطق بتفاصيل عنه، بانتظار رسم سياسة بخصوصه على طريقة ما هو حاصل بالنسبة للقرار 1701 .قد يبادر مجلس الامن الى تعيين ناظر لمتابعة تنفيذ القرار الاتهامي وتهيئة ظروف عقد المحاكمة على نحو لا يضر باستقرار البلد. وهنا قد يكون المطروح تحول المحكمة الى قرار في مجلس الامن، وهذا ما كان لمح اليه السيد حسن نصر الله تلميحا في خطابه يوم التاسع من عاشوراء عندما قال من خارج سياق خطابه: ((كلنا نعرف ان القرارات الدولية في مجلس الامن لا يتم الغاؤها ولكنها تجمد بفعل مقاومة الشعوب لها. ثم دعا قوى 14 آذار/مارس الى الانسحاب من صراع حزب الله مع المحكمة. آنذاك لم يتم ادراك ما قصده نصر الله. ولكن الآن اصبح واضحاً انه كان يحاكي تلميحاً احد تفصيلات التسوية المطروحة بشأن قضية المحكمة الدولية.

رابعاً – الدور السوري المؤيد عملياً من السعودية سوف يعود للقيام بدور ايجابي لتذليل العقد الداخلية.

خامساً – الاستقرار في لبنان بأمنه الداخلي وبعده الاقليمي والدولي تضمنه سوريا. واستقرار الامن الداخلي يساهم به حزب الله من خلال انه قوة اساسية في البلد.

سادساً- اميركا لم تعد خارج نطاق القوى الموافقة على هذه التسوية التي هي في الواقع بمثابة حل للوضع اللبناني بكل تشعباته الداخلية والخارجية. قطار التسوية مزود بالوقود اللازم لانطلاقه. والضمانات الدولية اعطيت لسائقه الاقليمي الـ((سين – سين)) للانطلاق به نحو محطاته الفعلية. وبقي ان لا تنشأ عقبات بفعل تعقيدات الوضع الدولي الذي ينتج مشاكل وتطورات سلبية غير محسوبة.
المصدر : الشراع
 
لإضافة أي تعليق عليك أن تكون مسجلاً أو إضغط هنا للتسجيل
 
تعليقات سابقة
 
لا يوجد تعليقات على هذا الخبر