الخميس في ٢٣ تشرين الثاني ٢٠١٧ ، آخر تحديث : 04:31 م
YouTube Twitter Facebook RSS English French Portuguese
مقابل الأمر الواقع الإسرائيلي أمر واقع فلسطيني
 
 
 
 
 
 
٧ كانون الثاني ٢٠١١
 
::مهى عون::


دول أميركا اللاتينية تشكل الحديقة الخلفية للولايات المتحدة واعترافها بالدولة الفلسطينية له دلالاته الكبيرة

عند نهاية الحرب العالمية الثانية حدثت الهجرة الأولى للفلسطينيين عام 1948, نتيجة فرض الدول العظمى التي رعت تقسيم منطقة الشرق الأوسط, إسرائيل كدولة أمر واقع.

وأعطي الكيان الإسرائيلي المصطنع حينها حق العيش ضمن حدود تم الاعتراف بها دولياً ورسمت وصدقت من قبل الأمم المتحدة بموجب قرار مجلس الأمن 242.

أما بعد الهجرة الثانية والتي تلت خسارة الحرب العربية في يونيو عام 1967 , فلقد نتج عنها تشتت إضافي للشعب الفلسطيني بسبب قضم إسرائيل لأرض فلسطينية لم يتم التفاوض عليها, ولم تعد إلى مالكيها الحقيقيين كما حدث فيما بعد اتفاقيات السلام التي أبرمت مع الجانبين المصري والأردني, وتم بموجبهما إعادة الأراضي المحتلة بعد الحرب إلى مالكيها في هذين البلدين.

ولهذا السبب فالحدود النهائية للدولة الفلسطينية لم يتم ترسيمها بشكل نهائي, كون الصراع الدائر بين الجارين العدوين أي بين إسرائيل وفلسطين, ما زال يراوح مكانه منذ نحو الثلاثة عقود,بسبب تعثر إتمام عملية سلام, وهو وضع يشكل في الواقع عائقاً دستورياً يتعذر بموجبه على الأمم المتحدة, الاعتراف بدولة فلسطين التي لا تتمتع بحدود نهائية.

بالمحصلة أصبحت الهوية الفلسطينية للشعب الفلسطيني لا تشير فقط إلى ارتباط انتمائي إلى ما تبقى من الأرض بعد هاتين الهجرتين, ولكن أيضاً لإدراك مشترك لماض مثقل بالمعاناة, ولشعور مشترك بأن القضية الفلسطينية تحولت على مر السنين إلى مرض عضال, استعصى حله وتعذرت مداواته, رغم كل النوايا والمساعي العربية الطيبة والصادقة للدفع باتجاه إتمام عملية السلام وكان آخرها مبادرة السلام العربية, وسميت أيضاً مبادرة الملك عبد الله العاهل السعودي, التي أبرمت في بيروت عام 2002 وبقيت حبراً على ورق كما سابقاتها, من المبادرات والاتفاقيات.

أما اليوم وضمن ستراتيجية قد تعتبر مستحدثة أو جديدة, مقارنة بالنمط التقليدي المعهود والمتبع في مقاربة القضية الفلسطينية, ولوضع حد نهائي لعملية المد والجزر, فالكف عن الدوران في حلقة مفرغة في سياق مفاوضات تسمى مباشرة حيناً, وغير مباشرة حيناً آخر, أدركت السلطة الفلسطينية خصوصاً بعد أن كشفت الولايات المتحدة عن نيتها التخلي عن إقناع إسرائيل بتجميد الاستيطان باعتباره شرطاً لاستئناف المفاوضات المباشرة, رأت السلطة الفلسطينية بأنه لا يوجد سوى حل واحد وهو اللجوء إلى خطة بديلة من استئناف المفاوضات. وهذه الخطة البديلة تتمثل بإقناع أكبر عدد من دول العالم للاعتراف بدولة فلسطين بالضفة الغربية وقطاع غزة, واستخدام هذه التعبئة للضغط على الولايات المتحدة الأميركية للتخلي عن حق نقض (الفيتو) التي كانت قد أعلنت عن نيتها التمسك به في طرح موضوع الاعتراف بالدولة الفلسطينية في مجلس الأمن.

ولم يتأخر الرئيس الفلسطيني في مرحلة لاحقة مرتكزاً على نتيجة الحصول على اعتراف بالدولة الفلسطينية من قبل أهم وأكبر دول في أميركا اللاتينية (البرازيل الأرجنتين, بوليفيا, وقريباً الأوروغواي), لم يتأخر إذاً عن التحرك باتجاه أوروبا, وللهدف نفسه متوسلاً الوسيط التركي, نظراً إلى ثقل وتأثير دور هذه الدولة على الصعيد الأوروبي. وفي سياق المسعى ذاته أعلن كبير المفاوضين صائب عريقات بأنه التقى "ممثل الاتحاد الأوروبي, و27 قنصلاً وممثلاً لدول الاتحاد في رام الله, حيث أكد أن الرد الأولي من مندوبي وقناصل الدول الأوروبية كان "إيجابياً", كما أشار إلى أن السلطة تراهن فعلياً على إعلان الدولة الفلسطينية ليس "من طرف واحد" كما تدعي إسرائيل, بل تسعى حتى يكون الإعلان من مجلس الأمن, حتى يكتسب شكله وصفته وطابعه الشرعي النهائي. وتشير بعض التحليلات السياسية في هذا الصدد إلى أن الاعتراف بالدولة الفلسطينية المستقلة وبحدود عام 1967 وعاصمتها القدس الشرقية قد يكر مثل السبحة, خصوصاً أن الإحباط الأميركي الذي سيطر على الإدارة الأميركية نتيجة الفشل في المساعي السلمية والذي أفرزه العناد والمراوغة الإسرائيليان, أخر وأعاق صدور أي رد فعل عنيف وشاجب لهذه الستراتيجية الفلسطينية المستحدثة, رغم الإعلان الأخير للخارجية الأميركية عن نيتها التمسك بحق الفيتو في حال طرح الموضوع على التصويت في مجلس الأمن.

كان لا بد من خلق أمر واقع جديد. وفي هذا الشأن يرى مصطفى البرغوثي ان لا مفر ولا حل سوى عن طريق كسر الجمود والمراوحة, الحاصلين نتيجة لفرض أمر واقع مرير تفرضه الحكومة الإسرائيلية داخلياً على الشعب الفلسطيني, في وقت تعلن على الصعيد العالمي استعدادها الدائم لإقامة مفاوضات سلام مع الجانب الفلسطيني. ويرى النائب البرغوثي أن المفاوضات أياً كان شكلها باتت عديمة الفائدة, اللهم سوى في إعطاء الفرصة لإسرائيل عن طريق إمدادها الدائم بالوقت الضائع حتى تحول موضوع المفاوضات إلى ملهاة دولية هدفها الأول والأخير الادعاء أمام العالم بالنوايا الحسنة وتلميع صورتها, في وقت يتم استثمار هذا الوقت على الصعيد الداخلي في استكمال قضم الأراضي, وفي تحوير الأنظار عن عمليات البناء والاستيطان.

نتانياهو يهاب كثيراً هذه الستراتيجية الفلسطينية الجديدة. وهو اليوم بصدد التراجع النسبي التكتيكي, طارحاً مبادرات جديدة- قديمة للحوار. والذي قاله عريقات منذ يومين يعبر عن الاستخفاف الفلسطيني بهكذا اقتراحات, إذ وضعها في خانة "الكلام الفارغ" من أي مضمون حقيقي. توصيف هو في الحقيقة في محله, لأن السلطة الفلسطينية كانت في وقت سابق قدمت رؤيتها المفصلة والواضحة في ما يخص كل الموضوعات والقضايا المتعلقة بالوضع النهائي, للإدارة الأميركية, وكانت بانتظار الرد الإسرائيلي الذي لم يأت.

بالمحصلة الحكومة الإسرائيلية هي في الواقع متهيبة بل يمكن القول تخشى ذهاب العالم أجمع أسوة بدول أميركا اللاتينية التي اعترفت تباعاً في الفترة الأخيرة بالدولة الفلسطينية المستقلة بحدود عام 1967 أي دولة فلسطينية مستقلة تكون القدس الشرقية عاصمة لها, وتخشى أن تكر السبحة وكبقعة من الزيت أن تمتد العدوى باتجاه الاتحاد الأوروبي, فيشكل ذلك ضغطاً دراماتيكياً على الولايات المتحدة, وبالتالي على مجلس الأمن.

وهي تدرك جيداً بأن اعتراف دول أميركا اللاتينية بالدولة الفلسطينية له أكثر من دلالة. فالمعلوم بأن دول أميركا اللاتينية تشكل الحديقة الخلفية للولايات المتحدة الأميركية, وقد يكون خروج هذه الدول عن الموقف الأميركي, مؤشراً لتخلٍ متعمد, أو ربما مقصود من قبل الإدارة الأميركية, عن الملف الفلسطيني الإسرائيلي, بسبب الإحباط والقنوط واليأس الذي أصابها نتيجة الاصطدام الدائم بالتعنت والمراوغة الإسرائيليين من دون أن يعني ذلك تخليا أميركياً عن الدور المحوري في مجريات السياسات الشرق أوسطية, دور من غير الوارد أن تتراخى أو تتراجع الإدارة الأميركية حياله ولها في ذلك أكثر من سبب ومسوغ.
كاتبة سياسية لبنانية
المصدر : السياسة
 
لإضافة أي تعليق عليك أن تكون مسجلاً أو إضغط هنا للتسجيل
 
تعليقات سابقة
 
لا يوجد تعليقات على هذا الخبر