السبت في ١٨ تشرين الثاني ٢٠١٧ ، آخر تحديث : 01:40 م
YouTube Twitter Facebook RSS English French Portuguese
بغداد - الاسكندرية - بيروت !
 
 
 
 
 
 
٥ كانون الثاني ٢٠١١
 
::عبد الوهاب بدرخان::


لا بد ان تكون مراجع لبنانية كثيرة تنبهت الى خطورة التفجير الارهابي امام كنيسة القديسين في الاسكندرية ليلة رأس السنة. كانت "القاعدة" ضربت في بغداد وانذرت بل امهلت المسيحيين العراقيين بوجوب المغادرة، كما هددت اقباط مصر ونفذت تهديدها. وبالطبع، ثمة فوارق بين وضعي مصر والعراق، ففي الاولى يمكن التعويل على الدولة لمواجهة الارهاب رغم الاخطاء التي ارتكبت سواء في الاعتماد على الاسلوب الامني او في الاهمال الذي ادى الى نمو حالة احتقان طائفي غير مسبوقة، اما في العراق فلا تزال الدولة ضعيفة وقواها الامنية مخترقة فضلا عن ان الاستقطاب الطائفي والمذهبي بدأ على مستوى الحكم نفسه وساهم في نشوء البيئة الحاضنة لمختلف ظواهر العنف والارهاب.

صحيح ان تنظيم "القاعدة" لم يشمل لبنان ومسيحييه في انذاراته وتهديداته، لكن استهداف مصر واقباطها يوجب الحذر واليقظة. فهذا التنظيم عصابة قتلة باتت تعيش بدماء ضحاياها، وهو متأهب منذ زمن لدخول الساحة اللبنانية والعبث في مستنقعاتها ووحولها. والارجح انه موجود، بدليل وقوع العديد من عناصره في قبضة الامن، لكنه افتقد حتى الآن الترخيص والرعاية من جهة او دولة خارجية، ثم انه لم يمتد داخليا الى بيئة مؤهلة لدعم تحركه وهذا يستدعي الاعتقاد بان لـ"القاعدة" وجودا نائما او متخفيا في انتظار ظروف ملائمة.

اصبح معروفا ان هذا التنظيم لم ينبت من الارض العراقية من تلقائه، ولم ينبثق من المجتمع نفسه، وانما ارتحل بعضه هاربا من افغانستان وتسلل الى عراق ما بعد الغزو والاحتلال ومع بدايات المواجهة للاحتلال. ولم يتسن له ذلك من دون مساعدة اقليمية لا يزال يعول عليها حتى الآن ولو بشكل جزئي. اذ ان انزراعه في الداخل اتاح له ان يستنبط صيغا شتى للبقاء، خصوصا بعدما تعرض لضربات عراقية قاسية، وبعدما لاحظ ان رعاته الاقليميين يستغلونه ويدبرون عمليات تحمل توقيعه بل يصدرون بيانات باسمه. هذا يعني انه لم يعد تنظيما سريا مقفلا، كما لم يعد مرتبطا بالضرورة بمرجعية اسامة بن لادن او انور العولقي، وانما اصبح محكوما بتبعية لا مفر منها لاي جهة تؤمن له التسهيلات اللوجيستية. وعلى ذلك، فان اي دولة، بما في ذلك اسرائيل، يمكن ان تجد سبيلها الى استخدامه بعلمه او من دون علمه.

ليس سرا ان لبنان بيئة مفتوحة ومكشوفة، وقد زاده انكشافا ان قواه الامنية الحكومية ليست الوحيدة حاملة السلاح، ثم ان السلاح غير الشرعي ليس كله سلاح المقاومة ضد اسرائيل، فضلا عن ان بعض هذا السلاح غير الشرعي بات لدى اللبنانيين يقين بانه موجه الى الداخل، ويعضده سلاح غير شرعي آخر لا علاقة له بالمقاومة وانما احتفظ به بعض الميليشيات الحزبية المستندة الى تراخيص خاصة منحت اليها ايام عهد الوصاية السورية. وفي حال كهذه، غني عن البيان ان تعدد الدكاكين المسلحة وصفة بل دعوة لكل من يرغب في التدخل، علما بان هذه الظاهرة العبثية، التي كانت تقضّ مضاجع الدول والحكومات القريبة والبعيدة، لم تعد تقلق احدا لان اختراق المتطرفين واستغلالهم بدا اكثر جدوى وسهولة من بذل الجهد لتصفيتهم.

لا شك ان اجهزة الجيش وقوى الامن الداخلي بذلت ما في وسعها رغم ان اطرافا اخرى تسابقها احيانا لمجرد اثبات وجودها ولتؤكد ان لها مصالح خاصة مختلفة عن مصالح الامن الوطني، الا ان البيئة الامنية السائدة تبقى مخترقة. وعندما طرحت سيناريوات "الانقلاب" والسيطرة الامنية على البلد، كان بين المحاذير ان جماعات متطرفة يمكن ان تخرج من مخابئها لتهاجم الجماعة المسيطرة باساليب "القاعدة" واخواتها، بل ان هناك من ذهب الى بعض مناطق الشمال لاستقراء قابلياتها في استخدام العنف الاعمى. وللمفارقة، فقد حصل ذلك حين كانت اصوات كثيرة من "حزب الله" تهدد وتتوعد علنا، او تسرّب خفية عناوين خطط لاستهداف اشخاص وبيوت ومؤسسات.

في مصر زاد الاحتقان والتوتر بين الاقباط والمسلمين بسبب حوادث معينة لم تشأ الدولة ان تكون حازمة حيالها، ولاسباب تبدو الآن واهية وغير مبررة بالنظر الى مذبحة الكنيسة التي وُقّتت على خلفية جبهة داخلية متصدعة بفعل صراعات سياسية واجتماعية محمومة. ومع ذلك يمكن الرهان على ان الدولة ستتمكن من ضبط الاوضاع ومواجهة الارهاب متمتعة بدعم من وطنية المصريين، مسلمين واقباطا. اما في لبنان فان الانقسام الداخلي بات اشبه بسرطان في حال متقدمة، ولا تعويل على الدولة رغم انها الملاذ الاخير، كما لا اعتماد على وطنية الاكثرية الصامتة طالما ان الاقلية المسلحة تتحدى الامن والنظام والقانون والحقوق والحريات.

هذه البيئة اللبنانية الموبوءة لا تنذر بصراع مذهبي فحسب، وانما بانقسام الطوائف والمذاهب بعضها على بعض، وقد يكون الوقت حان للتنبه الى مخاطر انقسامات المسيحيين التي تشكل ثغرات لـ"القاعدة" ولمستخدميها بل حتى لاعدائها الذين لا يبالون بأي طائفة طالما ان الفرصة سانحة للتخريب والمساهمة في اشعال الفتنة. وليتذكر الجميع اعترافات رئيس الاستخبارات العسكرية الاسرائيلية عاموس يادلين، وبالاخص ما قاله عن مصر ولبنان.

في ظل التفاؤل الحالي، انتظارا لنتيجة المساعي السعودية – السورية، لا ينبغي التركيز على احتمال انفجار الصراع المذهبي، السني – الشيعي، فحسب بل ان الخطر الكامن يتطلب ايضا عدم ترك الساحة المسيحية ثغرة يمكن ان تنفذ منها "القاعدة" او اي "قاعدة" اخرى لا تعرف لها اسما. حان الوقت لوضع الخلاف على المحكمة الدولية في حجمه الحقيقي بعيدا عن التضليل والعنتريات الفارغة. فاللعبة الجهنمية لن توفر احدا، ولاسيما ابطالها المفترضين.

المصدر : النهار
 
لإضافة أي تعليق عليك أن تكون مسجلاً أو إضغط هنا للتسجيل
 
تعليقات سابقة
 
لا يوجد تعليقات على هذا الخبر