الاربعاء في ١٩ ايلول ٢٠١٨ ، آخر تحديث : 10:35 ص
YouTube Twitter Facebook RSS English French Portuguese
هل تستوي الشجرة واللوحة الإعلانية؟
 
 
 
 
 
 
٤ كانون الثاني ٢٠١١
 
::ديانا حدّارة::


أتوجّه إلى عملي كل يوم وشاءت الأقدار أن أقود سيارتي يوميًا من الكسليك إلى بيروت، وأيام الآحاد من الشمال إلى بيروت، مما يعني أن حالي تشبه معظم أحوال اللبنانيين. أنا لا أتذمر من زحمة السير لأنني اعتدت عليها بل أصبحت جزءًا من طقوس قيادتي اليومية، ولكني في المقابل لم أستطع أن أعتاد زحمة اللوحات الإعلانية المنبثقة بفخر على طرفي الطريق ووسط الأوتوستراد، وأسطح الأبنية وجدرانها، إلى درجة أشعر بأن حملة جيوش المعلنين متأهبة للانقضاض على مستهلك لبناني أنهكته أعباء الدفعات الشهرية من أقساط مدرسية وسيارة ومنزل أدوات كهربائية... فكأن بي هذه الإعلانات تدعوه إلى النبش و"البحبشة" في جيبه علّه يجد قطعة نقود انفلتت من قبضته.

لا أريد أن أنق وأتهم الدولة بأنها أفلستني، فهذه أسطوانة أصبحت معهودة عند معظم اللبنانيين استمع إليها يوميًا مثلما أستمع إلى فيروز صباحًا، وأنا أرتشف قهوتي التركية. ولكن المفارقة أنني كثيرة الأسفار إلى دول صنّفت بعضها من العالم الأوّل وبعضها الآخر دول العالم الثالث، و في كلا الصنفين لم أجد شارعًا غُرست فيها اللوحات الإعلانية كما لدينا في لبنان الحبيب، فهنا الشركات تفننت في حجم اللوحات وموقعها ونوعها، ولم يعد أمام المعلنين سوى احتلال الفضاء، بعد أن احتلت أرتال لوحاتهم الحاجز الأسمنتي الذي يتوسط الأوتوستراد، تبعد الواحدة عن الأخرى حوالي ثلاثة أمتار على أبعد تقدير وتعرض الإعلان نفسه، فتجد مثلا صورة المطرب فلان تتكرر متحدية تكنولوجية الأبعاد الثلاثية للصورة وكأنه يغني" وراك وراك"، أو أن عبقرية المعلن وصاحب المنتوج التسويقية أهدتهما إلى مقولة " التكرار يعلّم الحمار"، فإذا لم يقع اللبناني المسكين من أول نظرة في غرام المنتوج فلا بد أن يقع من النظرة الثانية أو الثالثة.

ومن عجائب المفارقات أن بعض تلك اللوحات تتغنّى بخضرة لبنان وجباله ووديانه وقد طمست معالمه، فبين شجرة وأنقاض شجرة أخرى تنبثق لوحة إعلانية، أما الطامة الكبرى فعندما تجد العمّال يطرحون لوحة الإعلان القديم أرضًا من دون أن يكلفوا أنفسهم عناء رميها في سلة المهملات ويعلقّون لوحة تدعو إلى ضرورة الحفاظ على بحر لبنان وجبله ونهره. واللوحات الأكثر طرافة تلك التي تدعوك إلى ضرورة وضع الخوّذة وهي مزروعة على مفترق طريق أو مخرج، حاجبة النظر والبصيرة عمن يريد أن يعبر، ولكن للحقيقة والإنصاف هناك لوحات فارغة عليها عبارة" هذه اللوحة للإيجار"!

يستحضرني تصرّف فريد من نوعه بالنسبة إليّ لأنني لبنانية من بلد العجائب، فحين كنت في رحلة سفاري في إحدى محميات الغابات المتوحشة في كينيا، ترجل السائق من السيارة وسط الأدغال حيث الأسد لا يمكن المزاح معه، فاستغربنا جميعنا تصرّفه ولم نفهم ماذا يريد أن يفعل إلى أن اقترب من كيس نايلون أسود والتقطه وعاد إلى السيارة ووضعه في جيب الكرسي كي لا يطير مرة ثانية. سألته هل كان الأمر يستأهل المخاطرة بحياتك! فرد علي نعم ماذا لو ابتلعه حيوان سوف يختنق ويموت!

واليوم أنا في وسط المدينة الحضارية حيث أقود سيارتي أسأل نفسي : ماذا لو طارت هذه اللوحة الإعلانية المغروسة وسط الأوتوستراد وقفزت على سيارة ألن تسبب في موتي؟ وهل يكفي أن نأسف على شباب من جعله حظه العاثر يمر بالقرب منها؟ أم أننا في لبنان دون مرتبة الحيوان! ماذا وكيف ولمَ لا يحاسب أحد من أعطى ترخيص غرس هذه اللوحات الإعلانية؟ الطريف أنك في لبنان إذا أردت أن تزرع شجرة أمام المبنى الذي تسكن فيه في المدينة عليك طلب ترخيص من البلدية. ولكن الحق يقال إن للوحة الإعلانية فائدة تفوق الـ Navigation فإذا أردت أن تدلّ أحدهم على عنوان بيتك أو مقر عملك يكفي أن تقول "عندما ترى اللوحة الإعلانية الفلانية تكون قد وصلت". وهذا ما لا تفعله الشجرة، فهل تستوي الشجرة واللوحة الإعلانية؟
 
لإضافة أي تعليق عليك أن تكون مسجلاً أو إضغط هنا للتسجيل
 
تعليقات سابقة
 
لا يوجد تعليقات على هذا الخبر