الاثنين في ٢٣ تشرين الاول ٢٠١٧ ، آخر تحديث : 06:02 م
YouTube Twitter Facebook RSS English French Portuguese
فخور ان احمل ابعاد قنوبين والارز في شخصيتي... جعجع "الثائر": إن لم نحصل على دولة واضحة المعالم فعبثا يتعب البناؤون
 
 
 
 
 
 
٣ كانون الثاني ٢٠١١
 
أكد رئيس الهيئة التنفيذية في القوات اللبنانية الدكتور سمير جعجع ان الوضع اللبناني لم يستقر بعد، واذا لم يحصل هذا الاستقرار ولم نحصل على دولة واضحة المعالم، فعبثا يتعب البناؤون. اي من العبث ان نعمل على بناء طريق قد تدمرها القذائف غدا، ومن العبث التخطيط لمشروع انمائي في اجواء لا تسمح بالاستثمار في البلاد لانه لن ينجح.

جعجع، في حديث خاص الى مجلة "مرايا الجبة" في عددها الاول والتي تصدر في منطقة بشري وتعنى بشؤون القضاء انمائيا واجتماعيا وثقافيا واقتصاديا، شدد على انه من هذا المنطلق تنصبّ اهتماماتي الكبرى على المستوى الذي يحتاج الى ترتيب والذي اذا لم ينتظم لا يمكن ان تُسوى الامور الحياتية ولا يمكن لحكومة ان تجتمع ولا لمجلس نواب ان يحاسب ولا لحزب ان يقوم.

نص المقابلة الحرفي:

مزيج من الحنين والصفاء يرتسم على وجهه وفي اصداء كلماته كلما تحدث عنها، هي حبه الاول، ومكمن قوته وضعفه. وبكثير من التقدير والوفاء يتطلع اليها، الى اهلها: انها بشري والجبة، في موقع القلب وحنايا الفكر، هي العلامة على الجبين.

بعيدا عن صخب القضايا الكبرى ويوميات السياسة الساخنة، كان الحوار فسحة للّقاء مع الذات. لقاؤه هو مع ذاته المتجذرة فوق، ولقاؤنا نحن مع ذاتنا المتجسدة فيه.

سمير جعجع يحل ضيفا ومضيفا..

هو الذي اختصر تاريخنا وامانينا، هو الذي طبع انتماءنا وبصم هويتنا، فكيف لا يكون وجهه اول انعكاس يضيء مرايانا؟

"وداعة ورجاء" عنوانان يختارهما سمير جعجع لاختصار اجواء طفولته التي عاشها بين حارة المجادلة في قضاء بعبدا شتاء وبشري صيفا.
هو الذي توسط شقيقه جوزف وشقيقته نهاد، ولد في الخامس والعشرين من تشرين الثاني عام 1952،كان يفتح عينيه تماما كما يغفو على تمتمة صلاة والده فريد ومشهد الوردية بين يدي والدته ماري.

في طفولته مزيج من الفقر الذي لا يلامس البؤس، والقناعة التي جاورت الالم. وفي محدودية مساحات اللهو في كل من حارة المجادلة في فسحة مظللة باشجار الكينا والزنزلخت امام البيت، او في بيت جده حبيب عند اطراف الحازمية ، او في البيت الصيفي في ساحة مار سابا في بشري، كان سمير جعجع مغامرا صغيرا كما يصف نفسه، يرافق بائع الثلج في رحلته من اول الشارع الى آخره، يلعب الكلة وينتصر، ويعتدي على حيوانات البطُ عند الجيران .

تنقل في اكثر من مدرسة بينها مدرسة مأوى العجزة الماروني ومدرسة الفرير.

اما في البيت فكان الوالد المنضبط جراء انتظامه في موسيقى الجيش، يتابع دروس اولاده ويعلمهم النظام والقانون والوالدة كانت كاتمة الاسرار، والملجا الدافئ بعد التأنيب.

يقول عن تلك الايام:"انها ايام العجين والخمير والحب والصلاة".

في مرحلة لاحقة اتسع المدى الجغرافي ليلاقي المراهق في نموه، من حارة المجادلة الى عين الرمانة والبيت الاوسع، من بيت الجد في ساحة مار سابا الى البيت الوالدي المبني حديثا في شحيا في بشري.ومن مدرسة الفرير الى تكميلية مخايل داغر.

ولا عجب في انه كان يتفاعل بشكل استثنائي مع مادتي الجغرافيا والتاريخ، ويتوقف عند سير كبار القادة ويغيب المقاطع التي تتحدث عنهم.

ومن بشري لا يزال سمير جعجع يحفظ رائحة الزوباع والسماق وخبز الصاج، ويذكر من شحيا وبنحلة والخانوق كيف يصنع المربى وكيف تصنع القورما التي كان يشتري مكوناتها" من حي الفوقاني، لانه ارخص من حي التحتاني".. يتحدث عن ذاك المناخ قائلا:" انه مناخ الارض والبركة والخير".

يومها بدأت تتشكل عنده الاسئلة الكبرى وتقوده الى نقاشات عميقة مع شقيقه جوزيف لا سيما خلال مشاويرهما الليلية في دروب بشري، او خلال اعتنائهما ببستان التفاح في غياب الوالد. هناك كانا يتحدثان عن الله والموت والماورائيات وغيرها..

في المرحلة عينها تأثر كيانه، كما يقول، بمسألتين، الاولى منحاها ديني ومحورها اسبوع الالام الذي شكل بالنسبة له عمق المشكلة البشرية، والثانية منحاها تاريخي فكري كانت تمثله بشري، فكان التقاطع عنده واضحا بين بشري والمسيحية.

طالما اعتبرت ان صلابة المواقف القواتية تعود الى البعد التاريخي والوجداني المسيحي، وبشري كمنطقة هي في جوهر هذا الوجدان ، فإلى اي مدى سمير جعجع هو ابن بيئته البشراوية بهذا المعنى؟ والى اي مدى ساهمت هذه البيئة في تكوين قناعاتك؟
في الحقيقة نعم، فالتاريخ بالنسبة لي هو بشري، انطباعي الشخصي وكأن التاريخ من هناك، حيث الصلابة والعزم وارادة المواجهة كلما دعت الحاجة.
ولان الانسان ابن بيئته فان البعد التاريخي بمستواه الاولي كان بشري ، فكل الاجواء التي طبعت طفولتي ، من وادي القديسين مرورا باخبار الابطال السابقين عندما كان البشراويون يهبون للدفاع عن الناس في المقلب الآخر عند اي اعتداء على دير الاحمر ومنطقتها وغيرها من المناطق، بلورت هذا البعد بشكله العاطفي الأول الذي عززته قراءاتي الكثيرة لتاريخ لبنان ومن خلال الكثير من المؤلفين فاصبح لاحقا اوسع واشمل، الا ان نقطة الارتكاز الأولى بقيت في بشري، ف "ما الحب الا للحبيب الاول".

بعض اخصامك يتناولون انتمائك هذا بقصد التجريح والاساءة الى البيئة الاجتماعية التي ترعرعت فيها (يقاطع بتهكم: "بيلبقلن")، ويعتبرون انك متقوقع في ذاك التاريخ او في ذاك الموقع الجغرافي ، هل يشكل ذلك مدعاة فخر لك ام سببا مسيئا؟
ابداً، ان احدى ابرز النقاط التي تعطيني نوعا من الرضى على الذات هي عندما ارى انني استطعت ان احمل بشري والمنطقة، الى رحاب الوطن كله لتشكل علامة فارقة. فالمنطقة التي اعطت رجالات كبار ومنهم جبران خليل جبران كانت في السنوات الخمسين الاخيرة شبه منسية ومهملة.

لماذا هذه الحساسية لدى البعض على بشري؟ وهل يمكن ان يكون جزء منها انسحب عليك ؟
اتذكر اول اجتماع بيني وبين الأب سمعان الدويهي رحمه الله ، في دير في أدما بعد احداث الشمال، في ختام الاجتماع وقبل مغادرتي نبهني قائلاً: "انتبه يا سمير الى امر مهم :ان ًمسيحيي جبل لبنان ينظرون تقليديا الى مسيحيي الشمال على انهم مسيحيين درجة ثانية." وحتى اليوم لم انسى كلماته.

ماذا تحمل في شخصيتك من بشري ووادي قنوبين ومعانيهما؟
استطيع ان اقول انني فخور بأن احمل في شخصيتي الكثير من منطقتي، لا يمكن ان يتربى المرء هناك دون ان يحمل شيئاً من وادي قنوبين ومحيطه، هذا الوادي بمفهوميه التاريخي والجغرافي الذي يعني لي العمق والبعد الروحي والوضوح، لا احد يمكن ان يتلافى تأثير الطبيعة عليه هناك من وادي قنوبين الى الأرز ، وانا عملياً احمل في اعماقي هذا البعد.

في اي حال، لم يكن بالامكان ان احصل على نسبة التاييد العالية في منطقة بشري، لو لم يلمس الناس فوق( اي في بشري) بطبيعتهم وعلى بديهيتهم انني اجسد القيم التي يؤمنون بها والابعاد التي يعيشونها،هذا التأييد لا يمكن الحصول عليه بالمنطق لقد حصلت عليه من الواقع المعيوش للناس.

أي صورة تتبادر الى ذهنك عن بشري عندما تغمض عينيك؟
العديد من الصور، اولها ساحة مارسابا حيث كنا نلعب عند العين لأن بيت جدي الذي نعيش فيه صيفا، كان قريبا من تلك الساحة حيث مرتع لهونا، الكاتدرائية الحالية لم تكن قد انشأت بعد، صورة كنيسة مار مخائيل تحت مارسابا حيث كنا نحضر القداس، والدرج "اللي بيطلع على حارة الفوقا".. وغيرها.

هناك الكثير من اوجه الحياة الاجتماعية البشراوية لا تزال عالقة في ذهني ، أتذكر جيداً مشهد الرجال عندما يواجهون فاجعة موت، كانت يلفتني تصرفهم المطبوع بالهيبة والثبات. كانوا طبعاً يبدون بغاية الحزن والتأثر ،ولكن وجوهم تصبح برونزية لشدة الصبر والتعالي.

واتذكر المآتم، وكانت احدى العادات السيئة اطلاق النار خلالها، حيث كان يغطي صوت الرصاص على حجم المأساة .

واينما جلست في السهرات وبين الناس كانت تحيطنا اخبار المراجل والابطال المحليين ،وفيها العصب المميز و اسلوب المواجهة وردود الفعل المتشابهة على اكثر من مستوى.

من هم الأشخاص الذين أثروا فيك في مرحلة الطفولة والشباب في بشري؟
الكثير من الاشخاص اثروا فيّ، ومنهم من افترقت عنهم على المستوى الفكري والسياسي في مراحل لاحقة.. فقد تأثرت جداً بالاستاذ وهيب كيروز، الاستاذ انطوان بركات، جوزيف سليم بو قبلان، المرحوم الاستاذ مالك طوق وعدد من اعضاء حركة الشبيبة الذين كنا نلتقي بهم.

هناك وجوه واسماء كثيرة من بشري طبعت في ذاكرتي على اكثر من مستوى، الدكتور فهد الذي كان يملك دائماً روحاً مرحة وطيبة ، وشفيق جرمانوس الذي اثر فيي التزامه الكبير وهو ليس دكتورا او صاحب مركز اجتماعي بل رجل فقير بقي ملتزما الى اقصى الحدود حتى اللحظات الاخيرة من حياته ، جوزف اسعد الذي اثر فيّ دأبُه على العمل، بركات رزق الذي كان مثال الفلاح النشيط يقود بقراته كل صباح الى بنحلة، كل انسان مهم بحد ذاته و ممكن ان نأخذ منه عبرة وليس بالضرورة ان يكون شخصا مشهورا.

كيف خرجت وأخرجت اجيالا معك من منطق العائلات الذي كان سائدا؟
يمكننا ان نأخذ العناصر والجوانب الايجابية من حياة العائلات، ونطبقها على مستوى بعيد عن حروب هذه العائلات. على سبيل المثال مسألة التعاضد، فليس صحيحاً ان تتعاضد العائلة في ما بينها على مبدأ الانتماء لهذه العائلة او تلك في مواجهة العائلات الاخرى، ولكن اذا أخذنا التعاضد بمفهومه وجوهره وعملنا على عيشه وارسائه على المستوى الأكبر يكون نافعا جدا.

كذلك الأمر في ما يتعلق بالصلابة، فأنا ضدها بين عائلات الضيعة الواحدة او المنطقة الواحدة. هذه الصفة الى جانب الرجولة وغيرها من القيم والانماط اذا اخرجناها من اطارها الضيق اي العائلي او القروي او المناطقي اوالطائفي و طبقناها على مستوى لبنان تعطي نتائج مفيدة.

الم تكن في اي مرحلة تفرق بين العائلات والقرى والبلدات؟
كلا ليس في أي وقت من الاوقات، اذكر اننا في الانتخابات النيابية عام 1972 التي ترشح فيها عن حزب الكتائب في منطقة بشري الاستاذ انطوان معربس من حصرون، خضنا معركة داحس والغبراء سعيا لفوزه، وكانت تلك تهمة كبيرة لنا . واذكر مرة وكنا طلابا نوزع مناشير باسم حزب الكتائب في المنطقة، صودف مرور مسلحين ينتمون الى الحزب القومي السوري من تنورين ، طلبوا منا المغادرة فرفضنا فسحبوا سلاحهم في وجوهنا وضربونا، وضربني احدهم بمسدسه على رأسي ما تسبب لي بمشاكل في النظر لمدة شهر.

الواقع العائلي العشائري بالنسبة لي كان ضيقا ، ولم يكن يعني لي شيئاً ، وعندما كنت اذهب الى اجتماع العائلة كنت اسأل نفسي عما يتحدث هؤلاء المجتمعون.

هل هناك محطة معينة حملتك على الخروج من تلك الاجواء؟
لم اعرف نفسي مختلفا لهذه الناحية، اي لم اكن عائليا ثم تحولت الى العكس، بالرغم من اني كنت اتفاعل مع العائلة بصدق وقناعة اذا حدث لها اي طارىء، لكني لم استطع تحمل مقولة "ناصر أخاك ظالماً كان أم مظلوماً"، كان مستحيلا ان اقف مثلا الى جانب شخص من آل جعجع اذا اعتدى على شخص آخر فقط لان المعتدي من عائلتي. لم أكن أطيق الشواذ، منذ البداية كان لدي دائما حس النقد ولم اكن احكم على الامور بشكل سريع دون التأكد من الوقائع.

وسط انشغالاتك ومتابعاتك اليومية على المستوى السياسي الوطني، هل يبقى لبشري مساحة في همومك؟
قد يكون السؤال صعبا ومحرجا، فبالتاكيد ان اهتماماتي استراتيجية وكبيرة، اذ ان الوضع اللبناني لم يستقر بعد، واذا لم يحصل هذا الاستقرار ولم نحصل على دولة واضحة المعالم، فعبثا يتعب البناؤون. اي من العبث ان نعمل على بناء طريق قد تدمرها القذائف غدا، ومن العبث التخطيط لمشروع انمائي في اجواء لا تسمح بالاستثمار في البلاد لانه لن ينجح.

من هذا المنطلق تنصبّ اهتماماتي الكبرى على المستوى الذي يحتاج الى ترتيب والذي اذا لم ينتظم لا يمكن ان تُسوى الامور الحياتية ولا يمكن لحكومة ان تجتمع ولا لمجلس نواب ان يحاسب ولا لحزب ان يقوم.

اما المفارقة، فان لكل منا نقاط ضعفه، ومكامن أحاسيسه، وانا مهما كانت انشغالاتي، حتى لو كنت في اميركا او في فرنسا او في مصر او في السعودية تبقى بشري بلدتي والجبة منطقتي، في عقلي وفي وجداني.

وازاء اي امكانية انمائية كبيرة اعمل عليها من اجل لبنان و كل المناطق ، تبقى بشري في الطليعة. وخصوصا انها اعطت القوات اللبنانية كثيراً ، وشكلت وتشكل مثالا في هذا المعنى.

اذاَ بموازاة ارتباطي العاطفي ببشري ، انا أثمن عطاءاتها على المستوى القواتي العملي، وكل ذلك يُبقي لها حيزاً مهما جداً في تفكيري ، بالرغم من كل اهتماماتي.

في بعض الاحيان تترك انطباعاً انك بعيد عن اللقاء مع الناس، هل هذا صحيح؟ وهل تعتبر ان اللقاء مع الناس مجرد واجب متعب ام هو ضرورة لملامسة الواقع؟
بالعكس، انا احب جداً العلاقة مع الناس واتحين الفرص للقائهم وخصوصاً عندما يكون هناك محتوى في اللقاءات وعندما تسمح الظروف.

مثلا عندما كنا بشري في الانتخابات الاخيرة، اصريت على الانتقال مشيا بين قلم انتخابي وآخر، كي ألتقي الناس واصافحهم.

المشكلة الوحيدة التي تعيق لقاءاتي المباشرة المتكررة مع الناس هي حاجتي الكبيرة الى الوقت، علي ان اقرأ كثيراُ واتابع كثيراً لتكوين المعطيات الكافية على مستوى الاحداث ومعالجتها وعلى مستوى الشخصيات التي اقابلها من لبنان ومن خارجه. فلولا هذه القيمة المضافة لما زارنا احد.

اضافة الى الجانب التنظيمي الذي يحتاج الى الوقت الكثير، فالمعروف اليوم ان القوات هي الحزب الاكثر تنظيما الى جانب حزب الله، وهذا التنظيم لم يات من فراغ. من السهولة فتح صالون للقاءات العامة لكن ذلك يستنزفني ، ان ميلي ان اصرف وقتي في جهود اخرى اذا لم تدعو الحاجة للقاءات العامة.

كيف كانت تصلك اخبار بشري داخل السجن؟
كانت تصلني بعض الاخبار عن بشري اكثر من غيرها لان والدي ووالدتي وزوجتي كانوا الوحيدين الذين يزورونني وكانوا على احتكاك دائم مع اجواء بشري والمنطقة.

وأذكر غداة صدور الحكم في قضية داني شمعون، "حتى يحطولي على عيني" اعطوني جريدة النهار كي اقرأ الخبر الذي شكل عنوانا رئيسيا، فقرأت الصحيفة كاملة، ومن ضمنها ما كتب عن كيفية تلقي ابناء بشري القرار بحكم المؤبد. تأثرت جداً عندما قرأت كيف انتظروا صدور القرار وكيف كانوا يُجرون الاتصالات ، وكيف كانت ردة فعلهم عليه ،فنزلوا الى الشارع تعبيرا عن غضبهم،ونزل الجيش في مواجهتهم، وكيف عمد شاب الى ضرب رأسه بحائط الكنيسة... اخبار تؤثر في حتى اليوم وتحفر عميقا في نفسي. كان يمسني في العمق تعاطف الناس معي الى هذا الحد، فيما انا موجود تحت سابع ارض، وبالتالي لا يمكن ان ينتظروا مني اي شيء بعد. فكيف تغيب بشري من بالي؟

ولاحقا علمت ان ردود فعل شبيهة حصلت في اكثر من منطقة وفي خارج لبنان حتى عند صدور الاحكام الجائرة، وعلمت فيما بعد ان ماحصل في بشري بعد صدور حكم البراءة في جريمة تفجير الكنيسة، بحق الناس كان اضطهادا كبيرا.

اي الاخبار كانت الاكثر تأثيرا عليك داخل السجن ؟
الاخبار التي كانت تبرز لي تفاعل الناس معي في الخارج كانت تفرحني جداً، مثلا الفوز في انتخابات بلدية او انتخابات طلابية..... فغداة اول فوز حققته القوات في الانتخابات البلدية عام 98 ذهبت الى المحكمة مرفوع الرأس منتصرا، اقول في قلبي للقضاة "احكامكم لامعنى لها، فباسم اي شعب تحكمون علي؟ فانا الذي امثل الناس حتى من داخل السجن ..

هل كنت تعلم في حينه كيف كان مؤيدوك لا سيما من ابناء بشري يتجمهرون امام قصر العدل قبيل وخلال انعقاد اولى جلسات محاكمتك؟ هل تمكنت ولو لمرة من رؤيتهم؟
كلا من المستحيل، لأن السيارة التي كانوا ينقلونني فيها كانت مصفحة و فيها طاقتان عاليتان من حديد، وعندما كانوا يأخذوني في سيارة عادية كان يجلس جنديان على جانبي و لا اتمكن من رؤية اي شيئ من الزجاج الداكن الحاجب للرؤية، كما كانوا يسلكون طرقات خالية من التجمعات او الزحمة.
ولكن ما اتذكره من اول جلسة هو ان قاعة المحكمة امتلأت بالحضور،كذلك قاعتان خلفيتان فتحتا لاستيعاب الحشود، وعندما دخلت الى القوس،بدأوا بالتصفيق بالرغم من التدابير الصارمة التي كانت تتخذ.

من تذكر من الوجوه البشراوية التي كانت تحضر محاكمتك؟ هل كنت تتأثر بحضورهم ؟
اكيد ،طبعاً، اتذكر ابو صبحي و يوسف العبد ومطانيوس لدس وفايز كيروز ، هؤلاء الاشخاص كان لحضورهم معنى خاص ، لان الحضور الكثيف للناس تركز في الجلسات الأولى، اما هم فلم ينقطعواعن الحضور لسنوات عدة.

رافق اعتقالك رفع الصلوات واضاءة الشموع على نيتك في بشري، كيف تقرأ هذه الظاهرة؟
في الاساس هذه هي طريقتهم الايمانية في التصرف لمواجهة الشدائد والصعوبات ، اضف الى انهم كانوا يعلمون ان المسألة تمس شخصا مؤمنا مثلهم ايضاً.

بشكل عام ما الذي يؤثر بك، وكيف تعبر عن حزنك؟
اعبر عن حزني بالعمل على ازالة سببه، ولا اتوقف عند الحزن بحد ذاته.
امام الخسارة السياسية الانتخابية مثلا ، اجمع المسؤولين احلل معهم الاسباب ثم اقوم بكل الترتيبات لمنع الخسارة في المرة المقبلة.

ان القلق والحزن لا يفيدان وخصوصا القلق الذي يضاعف ثمن الخسارة اذا وقعت.

بشكل عام انا ابكي عند التأثر ايجاباً اكثر من التأثر سلباً، واصعب اللحظات عندي كانت حضور مراسم دفن احد رفاقنا وخصوصا مشهد الوالدة المفجوعة والاهل.

تأثرت مثلا وبكيت عندما توفي انطوان الشويري، وعندما سمعت شهادات الرفاق الذين عانوا في الزنزانة. وفي داخل السجن كنت اتأثر جداً بالاخبار المفرحة والمحزنة، لأني اتلقاها من بعد.

اخصامك ومؤيدوك يتفقون على انك لا تخاف، هل هذا صحيح؟
"ما في حدا ما بيخاف" ، انما الامور التي تخيف معظم الناس لا تخيفني،مثل الظروف الصعبة والتهديدات وغيرها، كما لا اتأثر بالتهويل.

هل صحيح ايضا ان قوتك وقدراتك تتضاعف في الشدائد ؟
صحيح ، في الازمات اصبح أوعى، ولا اقع تحت سطوة الخوف بل اواصل التفكير والعمل، وهذه طبيعتي منذ بداياتي ، ولكن قد اتخوف في مناسبات لها علاقة بالناس وبسلامتهم ، فأجري الكثير من الحسابات كي لا اعرضهم للخطر، ولكن المسألة تكون اسهل بكثير اذا كانت تتعلق بي انا.

هل تصف نفسك بالثائر؟
أكيد، ولو كنت افضل ان اسميها روح التخطي اكثر من روح الثورة، ولو لم تكن لدي هذه الروح لكنت التزمت بالواقع البشراوي كما كان في البداية، او حتى بالواقع الحزبي كما كان. ما حصل هو اني تخطيت واقعاً الى واقع اوسع.

وحتى على صعيد القوات اللبنانية حالياً ، كان يمكن ان ابقى في الواقع القواتي الذي ساد ما قبل العام 1994، لكني رفضت، واذا وجدت واقعاً اوسع بعد سأذهب بالقوات اللبنانية اليه، لانها حركة لا تنتهي.. الثورة الحقيقية هي عملية تخط مستمرة لأي واقع يعيشه الانسان.

ما هي نظرتك للمرأة بشكل عام؟
كل امرأة تستطيع ان تعطي، عليها حكماً ان تعمل وتعطي .انا مع ايجاد تكافؤ فرص وافساح المجالات للمرأة كي تعطي، ولست مع التمييز بكل اشكاله.

شهدنا معك انتقال المجتمع البشراوي من الانتماء التقليدي الى الفكر الحزبي، كيف جرى هذا التطور؟
الخلفية الاولى لهذا الانتقال كانت برأيي ان جيل الشباب وجد نفسه كذات تاريخية في حركتنا نحن اكثر مما وجدها في الزعامات التقليدية. قبل ان تلعب النقمة دورها، كان البعد البطولي الذي وجدوه في القوات اللبنانية قد اوجد تأثيرا، ان هذه الحركة هي على قدر او مقياس ذاتنا التاريخية.
فهم كانوا اصلا متأثرين بحكايات البطولات التي سادت في بشري، وكيف شكل اهلنا درعاً دائماً للمجتمع، حتى الشخص التقليدي وجد مكاناً له في حركتنا الحزبية انطلاقاً من هذا البعد ، وليس لانه اصبح شخصا آخر بتفكير مختلف، ان بُعد البطولة ساعد كثيراً لأنه ليس مفهوما غريباً عن اولاد الجبة بل جزءاً من تراثهم.

ولكنكم لم تطرحوا أنفسكم كزعامة بديلة؟
لم نكن ننافس الزعامات لاسيما في المراحل الأولى فلم نتدخل بألامور المحلية الداخلية، بل كنا منشغلين بهموم اكبر وبقينا على علاقة جيدة مع الجميع. انا شخصياً اعطي المسالة بعدها التاريخي لدى المجتمع، مثلاً مقولة "بشري مدينة المقدمين"، تجسدت في حركتنا فلاقت اقبالا. وهذا انسحب على ابناء الجبة ايضا في البداية،ومن اصبح معنا شهد على التزامنا القيم الكبرى، فلم يتركنا، وبات عليه ان يلتزم بنتائج عملنا ومن بينها النظرة الى الاخر، والخروج من العائلية ومن التمييز بين ابناء البلدات الكبيرة والقرى الصغيرة.

اين كانت بشري والمنطقة لولا القوات اللبنانية ؟
لولا القوات اللبنانية لكانت بشري كما كانت عليه منذ 30 عاماً ، فالقوات اللبنانية تؤثر اليوم في تصحيح المفاهيم حيثما وجدت. الكثير من الامور تغيرت، اولاً في المنحى العائلي ، الذي لم يبق منه الا الرواسب داخل بشري ،اما في ما يتعلق ببشري والمنطقة فقد اصبحت كل القرى والبلدات متساوية ، والفروقات بينها كمية وليست نوعية. ان مقياس أحقية كل انسان على انسان آخر هو العمل الذي يقوم به وليس على اساس انه من هذه البلدة او تلك. اضافة الى ان انتماء الفرد الى القوات اللبنانية الموجودة في كل المناطق والتي تقيم علاقات مع الاطراف اللبنانية كافة، سيشعر حكماً انه متقارب مع ابناء هذه المناطق. وبمجرد ان ينتمي الى حركة بهذا الاتساع تمتد من البقاع الغربي الى زحلة ،والقاع ورميش وعين ابل القبيات وعندقت ، فحكماً ستصبح اهتماماته اوسع وآفاقه ابعد، بدل ان ينتمي الى زعيم يؤثر فقط على عائلته .

هل تميز داخل مؤسسة القوات اللبنانية بين البشراوي او ابن الجبة وبين ابناء المناطق الاخرى؟
اذ نظرتم الى الاشخاص المحيطين بي تحصلون على الجواب ، لن تجدوا الا اصحاب الكفاءة والقدرة على العطاء المستمر كل حسب امكاناته وموقعه.

هل هناك اشخاص من المنطقة شكلوا لك خيبة امل؟
نعم من المنطقة ومن غير المنطقة.

البعض يرد نجاح نائبي بشري ونشاطهما الانمائي الى قربهما من موقعك، خصوصا زوجتك، هل توافق؟
ان ما ادى الى انجاز الكثير على مستوى قضاء بشري اساسا هو وجود نسبة سبعين في المئة من الرأي العام المؤيد لنا في بشري، ووجود حاجات ومطالب انمائية مطروحة منذ سنوات بعد حرمان طويل ، اضافة الى كفاءات النائبين الحاليين وحجم رغبتهما بالعمل من اجل هذه المنطقة .ان اهم ما قام به نوابنا في بشري هو انهم وضعوا المنطقة خلال خمس سنوات في مكان مختلف تماماً عن المكان الذي كانت فيه في السابق.

اذا انطلاقاً من وصول القوات في بشري الى السلطة عبر النواب ، تعتقد ان تغييرا قد حصل؟
أعتبرها ثورة كاملة، ثورة بالمفاهيم وبالنظرة للانماء والخدمات وبسرعة تنفيذ المشاريع.

ففي الوقت نفسه تم الانتهاء من العمل في تحويرة حدث الجبة ضمن دورة قاديشا ، ويجري العمل على تنفيذ تحويرتي حصرون وعبدين ، كما ان مدخل بشري وتحويرتي بشري والأرز قيد التنفيذ حالياً ، ويتم التحضير الآن بشكل كامل لمشروع الصرف الصحي على مستوى المنطقة ، ومشروع المياه الكبير لبلدات العرقوب ، كما ينشط النواب اليوم لايجاد حل لمشكلة النفايات اضافة الى مجموعة مشاريع اخرى لا تعد ولا تحصى.

يبدو وكأن كل ملفات المنطقة الانمائية أُخرجت من الجوارير وجرى نفض الغبار عنها، وترتيبها وادخال التعديلات عليها لتنفيذها ملفا تلو آخر. وانا على هذا الصعيد اشعر وكاننا كقوات لبنانية أدّينا قسطنا للعلى تجاه منطقة اعطتنا الكثير. كما ان ستريدا وايلي كيروز يبذلان جهداً كبيراً لتشجيع استثمارات لمشاريع كبرى في الأرز.

ولا بد في سياق التقدم النوعي من التوقف عند نمط العمل الحالي لبلديات المنطقة وسرعة تحركها . انا سعيد وضميري مرتاح جدا لحجم العمل والنشاط الحاصل على صعيد منطقة بشري. البدايات تكون دائما احلاما، وان ما يجري اليوم هو تحقيق لجزء كبير من احلامنا القديمة لبشري. الاهم برأيي ان تترسخ المفاهيم التي نعيشها في الوقت الحاضر والمتعلقة بنظرة الانسان فينا للاخر و بنظرة المسؤولين والمواطنين للانماء لتصبح مفاهيم ثابتة وراسخة، ، يجري التصرف على اساسها بوجود القوات او بغيابها ، فبذلك نعتبر ان الحلم تحقق.

ماذا تقول ختاما لبشري واهلها؟
ادعو ابن بشري والمنطقة الى المحافظة على تاريخه وتاريخ هذه المنطقة، والاّ يعيش تاريخا غريبا عنه ومفاهيم لا علاقة لنا بها، هذا يكون اكثر من كاف لكي يكون انسانا طليعيا، متحضرا، مثقفا، فاعلا، قادرا على خدمة المجتمع ، كما يكفي للانسان في بشري ان يعيش روح جبران خليل جبران كي يكون انسانا ناجحاً.

في اي حال عندما يتعلق الامر بأي شأن، خصوصا اذا كان له طابع وجداني، فان ما نعجز عن قوله، والتعبيرعنه يبقى اعمق واهم مما نقوله . وكل ما قلته عن بشري في هذا اللقاء يبقى قليلا امام ما ارغب في قوله عنها ،والباقي وان لم يكن سرا فهو دفين في عمق اعماقي.

 
لإضافة أي تعليق عليك أن تكون مسجلاً أو إضغط هنا للتسجيل
 
تعليقات سابقة
 
لا يوجد تعليقات على هذا الخبر