الاثنين في ٢٣ تشرين الاول ٢٠١٧ ، آخر تحديث : 03:36 م
YouTube Twitter Facebook RSS English French Portuguese
تخصيب التسريب
 
 
 
 
 
 
٣ كانون الثاني ٢٠١١
 
::الياس الزغبي::


لم يسبق أن شهد تاريخ السياسة ، في السلم والحرب ، ما يشهده لبنان اليوم من أساليب البروبغاندا والحرب النفسيّة والترهيب المعنوي و" الوعد " المزمن بالفتنة المعلّقة فوق رؤوس أبنائه ، لا في نموذج " غوبلز " القائم على تراكم الكذب ، ولا في النموذج الستاليني الدموي ، ولا في النموذج الصوتي السعيدي وأُمّة الأُذُن ، ولا في نموذج الانتصارات الورقيّة وحرب العلوج على طريقة الصحّاف ، ولا في نموذج الاعلام التمّوزي الالهي ، ولا في نماذج ايل سونغ ونجاد وتشافيز وكلّ مساطر العصر .

ما يحصل في لبنان منذ 4 سنوات ، وفي بداية الخامسة ، هو خليط مدهش من كلّ هذه الأساليب والنماذج ، يجمع بين بيع الأوهام ، وتصنيع الشائعات وبثّها من الخارج الى الداخل ، وخوض حروب طواحين الهواء ، واتقان التسريب المنهجي ، وتهديم الثقة العامّة ، ونسف الأصول والقيم ، وتزوير الأحجام والألوان والأوزان .

واذا شئنا تكثيف كلّ هذه الأدوات والنماذج بتعبير واحد ، لما وجدنا أكثر تعبيرا ودلالة من : تخصيب التسريب ، أو تخصيب الأكاذيب .

ليس ما يجري مجرّد مواجهة اعلاميّة دعائيّة لما تعتبره مصانع التخصيب مؤامرة عبر المحكمة الدوليّة ، بل هو حرب قائمة في ذاتها ، تذهب الى أبعد من المحكمة بكثير ، لتصل الى ركائز الدول والأُمم وقيمها وثوابتها ، بدأ ، بالطبع ، من لبنان .

يستبيح المشروع المخصّص للبنان كلّ العناوين والشعارات المثيرة ، من الشراكة والديمقراطيّة التوافقيّة سنة 2006 ، الى " شهود الزور " وأسرلة المحكمة الدوليّة في ال 2010 ، مرورا بطهرانيّة المقاومة ، والنصر الالهي، والفساد ، والتوطين ، والمال ، والمعلومات ، والعملاء بتصنيفاتهم الى ما فوق 5 نجوم ، وفقا لموقع من قد يجرّون وراءهم .


وفي خطّة الانتقال من عنوان الى آخر ، يستخدم المخصّبون وسيلة الدسّ عن بعد ، لاعتقادهم أنّها أشدّ فاعليّة وصدقيّة من التسريب في وسائل اعلامهم المباشرة ، فكانت تجربتهم الأولى والأبرز ما كتبه " سيمور هرش " في " نيويوركر " عن قضيّة الارهاب وما جرى في نهر البارد . وكانت صبغة المخصّبين واضحة في التركيب والتمويل لموضوع " هرش " .

ثمّ جاء دور الاعلام الأوروبي ، من " درشبيغيل " الى " فيغارو " و " الموند " ، وصولا الى شبكة ال " سي . بي . سي " الكنديّة ، ولم تطُل أيديهم أخيرا الاّ مجلّة روسيّة مغمورة ، فحمّلوها ابتكارا أبوكاليبتيا بتفجير الموكب بصاروخ جوّ ألماني !

ولم يتوان هؤلاء عن توظيف ما يرد على لسان مسؤولين اسرائيليّين وصحف اسرائيليّة ، فاعتبروا التسريب من تل أبيب محطّ ثقة ، وروّجوا للترويج الاسرائيلي ، مع أنّ ما قاله اشكينازي وسواه ظهر زيفه ، في توقيت القرار الاتّهامي ومضامينه . فمن يشكّ لحظة واحدة بعد اليوم في ضلوع اسرئيل في تخصيب التسريب ، سواء كان هذا الضلوع ثمرة توافق وتقاطع ، أو نتيجة ولوغ في العدائيّة المتأصّلة .

لكنّ فن تخصيب الأكاذيب لم يقتصر على مسائل حرب البارد والقرار الاتّهامي والمحكمة ، بل بلغ في الأيّام الأخيرة المسعى السعودي السوري ، فعمد أرباب هذا الفنّ الى ضخّ التسريبات بوتيرة متلاحقة ، وروّجوا لتسوية تتضمّن استسلاما لرئيس الحكومة وفريق 14 آذار ، وكأنّ الدولة اللبنانيّة سقطت فعلا في قبضة الانقلابيّين ، أو كأنّ ذوي الشهداء تخلّوا عن حقوقهم المقدّسة .

وبسرعة مماثلة وبمسؤوليّة واثقة ، جاء صدّ هذا التسريب الخطير من مصادر ثلاثة : السعوديّة ورئيس الجمهوريّة ورئيس الحكومة . بينما غرقت سوريّا في ارتباكها وتناقض مواقف قادتها بين انتظار الأدلّة واسقاط " 17 أيّار جديد " ، وتبيّنت بوضوح الارادة الدوليّة في اكمال مسيرة الحقيقة والعدالة .

ولعلّ مقاولي التسريب يعثرون على مادّة جديدة لصناعتهم المبتكرة ، بعد كساد بضاعة تسريباتهم المكدّسة والمنتهية الصلاحيّة ، سنة بعد سنة .

فيجدون في تعيين السفير الأميركي لدى دمشق بارقة أمل في تغيير قد يخفّف ورطتهم ، ويوقف هروبهم الى الأمام .

ويبنون ، مرّة أخرى ، قصرا من رمال ، أو نصرا من خيال .
 
لإضافة أي تعليق عليك أن تكون مسجلاً أو إضغط هنا للتسجيل
 
تعليقات سابقة
 
لا يوجد تعليقات على هذا الخبر