68692
الجمعة في ٢٤ تشرين الثاني ٢٠١٧ ، آخر تحديث : 09:52 م
YouTube Twitter Facebook RSS English French Portuguese
حتى لا يكون "7 أيار عربي"..!
 
١٤ نيسان ٢٠٠٩
 
الأزمة المتفجرة بين القاهرة وحزب الله لا تعني الطرفين المعنيين بها مباشرة وحسب، بقدر ما تهم تطوراتها الجانب اللبناني، الرسمي والشعبي على السواء، وتعني كل من كان يعتبر تجربة حزب الله نموذجاً لمقاومة الاحتلال الإسرائيلي، وذلك على امتداد العالمين العربي والإسرائيلي 

فالمسألة ليست مشكلة طارئة وعابرة، ولا هي تُعبّر عن خلاف سياسي عارض يمكن تجاوزه بسهولة، خاصة وأن أجهزة الأمن والقضاء المصرية أخذت وقتها كاملاً في الاستجوابات والتحقيقات وتسجيل الاعترافات، قبل إذاعة نتائج التحقيق في بيان المدعي العام المصري 

ولكن، وفي المقابل، لا تجوز المبالغة في التعامل مع هذا الملف الدقيق والحـسّاس، كما لا تجوز الاستهانة بأبعاد وتداعيات مثل هذه القضية التي تمسّ أمن وسيادة دولة عربية كبيرة، أو حتى تبسيط وقائعها ونتائجها وتفاعلاتها على مختلف الأصعدة المحلية والعربية والإقليمية 

ولا بد من التأكيد على أن اللجوء إلى حملات الافتراء والتشهير لن تنفع في وضع الأسس اللازمة للمعالجة الواعية لهذه القضية الخطيرة، كما أن استحضار الحساسيات المذهبية والخلافات السياسية من شأنه أن يزيد الأمور تعقيداً، ولا يساعد على درء مخاطر هذه الأزمة وتداعياتها، خاصة على الصعيد اللبناني 

إذا وضعنا كل المعطيات السابقة أمامنا، يمكننا الخوض في ملابسات هذه المسألة الحسّاسة، بحثاً عن حلول ومخارج مناسبة، تحول دون استغلال العدو الإسرائيلي لتداعياتها وتفاعلاتها في المحيطين العربي والإسلامي 

* * *
في الوقائع، لم يكن بمقدور حزب الله التهرّب من وجود خلية امنية له تعمل على الأراضي المصرية من دون أي تنسيق مع أية جهة أمنية رسمية، خارقة بذلك قواعد النظام الأمني المصري ومتجاوزة مبادئ السيادة الوطنية للدولة المصرية 

وإذا اعتبرنا جدلاً أن الأسماء الحركية، والجوازات المزورة، والخلايا السرية، هي من <مستلزمات> العمل الحزبي السري، فإن النشاط الأمني والاستخباراتي الذي كانت تقوم به مجموعة <سامي شهاب> على الأراضي المصرية، يتجاوز العمل اللوجستي المطلوب لدعم حركة حماس في غزة، إلى تحديد أهداف معينة في القاهرة وقناة السويس والمواقع السياحية المصرية، وذلك وفق إفادات رئيس المجموعة نفسه، وحسب اعترافات رفاقه الآخرين 

وعلى افتراض أن رصد الأهداف المذكورة كان يستهدف توجيه ضربة لمجموعة سياحية إسرائيلية ترتاد هذه الأماكن، أو <اصطياد> سفينة إسرائيلية أو أميركية في قناة السويس، على نحو ما أدلى به <سامي شهاب> لمحاميه منتصر الزيات، فإن مثل هذه الأعمال ستصيب حالة الأمن والاستقرار في مصر، وتُعتبر انتهاكاً للسيادة المصرية يُعاقب عليه القانون 

أما القول إن الهدف كان توجيه ضربة ثأرية لأهداف إسرائيلية في مصر، رداً على اغتيال المناضل عماد مغنية في دمشق، ثم تم إلغاء العملية لاحقاً، فهو أيضاً يشكّل إدانة على التعرض للأمن الوطني المصري، واللجوء إلى تشكيل خلايا مسلحة تعمل بتحريك اطراف خارجية، على ما جاء في بيان المدعي العام المصري 

* * *

وفي الوقائع أيضاً، ان <سامي شهاب> بدأ نشاطه في الأراضي المصرية منذ عام 2005، أي قبل خطف الجندي الإسرائيلي شاليط من قبل حركة <حماس> وفرض الحصار الاسرائيلي على قطاع غزة، وكذلك قبل اغتيال المناضل الشهيد عماد مغنية في أحد شوارع دمشق، الأمر الذي أتاح الاستنتاج أمام القضاء المصري بأن <شهاب> كان يُنشئ الخلايا لمصلحة حزب الله قبل بروز الحاجة للدعم اللوجستي للمقاومين في غزة، وقبل التفكير بالعملية الثأرية لاغتيال الشهيد مغنية، والذي كان لا يزال حياً يرزق 

وتبيّن القراءة في الوقائع أيضاً، أن اعتقال <سامي شهاب> تمّ قبل أسابيع قليلة من انتهاء التهدئة في غزة، واندلاع الحرب الإسرائيلية المدمرة على القطاع، وهذا ما دعا بعض المراقبين للربط بين الكشف عن خلايا حزب الله في مصر، والحملة الشعواء المعروفة التي شنّها أمين عام حزب الله السيد حسن نصر الله على مصر، ودعا فيها ضباط الجيش المصري للانتفاضة، وحث الجماهير المصرية للنزول إلى الشارع، بدعوى المطالبة بفتح معبر رفح 

وإذا أضفنا إلى ذلك، التحرك الذي حصل في بيروت ضد السفارة المصرية، ثم المظاهرات التي حاولت الوصول إليها وإلى غيرها من السفارات المصرية، خاصة في طهران ودمشق لأدركنا حجم المشكلة الحقيقية الواقعة بين مصر وحزب الله 

* * *
في السياسة، ثمة من يرى أن الأزمة بين القاهرة والحزب هي في أبعادها جزء من الأزمة المستحكمة بين مصر وإيران، وأن طهران تحاول الاستفادة من رصيد الحزب المقاوم لدى الجماهير المصرية وتوظيفه في صراعها الراهن مع القاهرة  ولعل هذا ما يفسّر دخول السيد علي لاريجاني على خط الأزمة واعتبارها جزءاً من <الحملة الانتخابية في لبنان> 

ويرى أصحاب هذا الرأي أيضاً ان الادعاء بأن مجموعة الحزب في مصر كان هدفها دعم المقاومة في غزة، لا يعطيها <مشروعية> العمل بما يضر الأمن الوطني المصري، وينتهك السيادة المصرية، لا سيما وأن مصر كانت ولا تزال، في قلب العمل العربي الداعم للقضية، وهي صاحبة تضحيات تاريخية مشهودة من أجل فلسطين 

في السياسة أيضاً، ليست الأزمة مع مصر هي المشكلة الوحيدة التي يواجهها حزب الله مع المحيط العربي، فكلام الرئيس اليمني علي عبد الله صالح عن تعاون بين أعضاء في الحزب مع الحوثيين المتمردين في اليمن يؤسّس لمشكلة أخرى، وكلام وزير داخلية البحرين عن تدريبات وتسهيلات يقدمها حزب الله لمواطنين بحرينيين معارضين للصيغة الحالية في البحرين يعني وجود مشكلة ثالثة، وما سبق وقيل عن دور لمقاتلي ومدربي حزب الله في احداث العراق يكمل دائرة المشاكل والإشكالات التي تحيط بنشاط الحزب خارج الأراضي اللبنانية 

صحيح أن السيد حسن نصر الله تطرق في خطابه الأخير إلى هذه الإشكالات، وأوضح موقف الحزب منها، ولكن المسألة من الخطورة والتعقيد ما يستوجب التحرك السريع والحاسم لإثبات عدم علاقة الحزب في كل ما يجري في اليمن والبحرين والعراق، وتوضيح علاقة الحزب مع محيطه العربي على ضوء العلاقة العضوية التي تربطه بالجانب الإيراني 

* * *

الواقع أن حزب الله أمام مفترق مفصلي في تحديد خياراته، إما أن ينزلق إلى <7 أيار> عربي، ويدخل في دهاليز الأوضاع الداخلية لبعض الدول العربية، وإما أن يراجع حساباته ومواقفه ويعود إلى حماية هيبة المقاومة وقدسية إنجازاتها، والابتعاد عن الوحول السياسية الداخلية العربية    بعدما اختبر الأثمان الباهظة التي تكبّدها بسبب اندفاعه لزواريب السياسة اللبنانية!