68682
الثلثاء في ٢١ تشرين الثاني ٢٠١٧ ، آخر تحديث : 09:56 م
YouTube Twitter Facebook RSS English French Portuguese
عيد الفصح ووحدة المسيحيين
 
١٤ نيسان ٢٠٠٩
 
احتفل المسيحيون الكاثوليك والغربيون أول من أمس بعيد الفصح وفق التقويم الغريغوري. ويحتفل المسيحيون الأرثوذكس والشرقيون بهذا العيد الأحد المقبل ووفق التقويم اليولياني.

هكذا، وفيما بعضهم يكون قد أنهى صومه الكبير وبدأ يفرح بالعيد، يكون بعضهم الآخر يسير درب الجلجلة ليبلغ أحد القيامة البهي.

لطالما شكل عدم توحيد تاريخ لعيد الفصح لدى المسيحيين مرارة في القلب ومطلباً شعبياً لأن تتوحد الكناؤس في أعيادها إن لم تستطع أن تتوحد بكل عقائدها وبالتالي بسلطاتها.

صحيح أن وحدة الكنائس لا تتأسس، في العمق، على وزرنامة أعياد موحدة. فتاريخ عيد الفصح، مثلاً، هو تاريخ اتفاقي، حيث لم يتوصل أحد الى تحديد تاريخ صلب المسيح، وبالتالي قيامته (وحتى ولادته) تحديداً علمياً دقيقاً ونهائياً. لذلك بقي التاريخ، من جهة، تقريبياً، ومن جهة ثانية، تاريخاً رمزياً للذكرى. مع ذلك بقي الاختلاف في تاريخ الاحتفاء بتلك الذكرى شوكة في خاصرة المسيحيين تذكرهم بأنهم منقسمون، على الرغم من إرادة معلمهم، المسيح يسوع "بأن يكونوا واحداً". وتشتد آلام تلك الشوكة عندما يتذكرون أنهم لم يكونوا على هذه الحال من الانقسام طيلة القرون الخمسة الأولى للمسيحية.

فبعد المجمع المسكوني الرابع، مجمع خلقيدونية، الذي انعقد في العام 451، انقسمت الكنائس المسيحية الى خلقيدونية (تؤمن بطبيعتين للمسيح) ولا خلقيدونية (تؤمن بطبيعة واحدة). وفي العام 1054، تم الانشقاق الكبير ما بين الشرق والغرب. وأخيراً، في منتصف القرن السادس جاء الإصلاح الأنجيلي (البروتستانتي) ليجعل الكنيسة الغربية تنقسم الى كنائس.

وعلى الرغم من كل تلك الانقسامات ظل المسيحيون يحتفلون بعيد الفصح بتاريخ موحد حتى القرن السادس عشر.

ما الذي حصل إذن لكي يختلفوا بهذا الشأن؟

قبل العام 325 كانت الكنائس تحتفل بالعيد في تواريخ متشابهة الى أن قرر المجمع المسكوني الذي تم انعقاده في نيقية (325) بأنه يتعين الاحتفال بعيد الفصح يوم الأحد الذي يلي أول اكتمال للقمر بعد الاعتدال الربيعي. وربط المجمع مبادئ تاريخ عيد الفصح بما كان معهوداً في حساب الفصح اليهودي في أثناء حياة يسوع وليس كما كان يتم حساب يوم الفصح اليهودي في القرن الثالث. وقد حظيت طريقة الحساب القائمة على دراسات الفلكيين والعلماء الاسكندريين بقبول عالمي مع حلول القرن السادس.

في القرن السادس عشر، على أي حال، أصبح التفاوت جلياً بين هذه الطريقة في الحساب والمعطيات الفلكية التي تتم مراعاتها. هذا ما أدى الى التغيير في التقويم الذي أدخله غريغوريوس الثالث عشر، في العام 1582. منذ ذلك الحين، صار المسيحيون الغربيون يقومون بحساب تاريخ عيد الفصح بناء على هذا التقويم الغريغوري الأكثر حداثة، بينما استمرت الكنائس الشرقية بشكل عام على اتباع التقويم اليولياني الأكثر قدماً.

واليوم، ما هي الحلول المقترحة والأوفر حظاً؟

1 قامت محاولات عديدة من قبل منظمات كنسية عالمية واقليمية لايجاد صيغة مقبولة من الجميع، ولم تنجح أي منها. من تلك الصيغ: أن تعتمد كل الكنائس إما الروزنامة الغريغورية وإما الروزنامة اليولينية.

2 ولما كانت مسألة توحيد تاريخ العيد ملحة في المشرق العربي أكثر منه في الغرب سمح الفاتيكان للكنائس الشرقية، كل منها في بلدها، أن تعيد مع الأرثوذكس شرط أن تكون الكنائس الكاثوليكية كافة في البلد موافقة على هذا الأمر. وهكذا، نجد اليوم أن تاريخ العيد موحد في القدس وفي الأردن وفي مصر.

3 في هذه الأثناء قامت محاولات اقليمية وعالمية للاتفاق حول تاريخ ثابت، لا يتغير كل عام، وبالتالي لا يدخل في الحسابات القمرية.

4 يبدو أن الصيغة الأوفر حظاً هي التي اقترحتها الحلقة الاستشارية التي نظمها "مجلس الكنائس العالمي" مع "مجلس كنائس الشرق الأوسط"، وعقدت في مدينة حلب بين 5 و10 آذار 1997 وتمثلت فيها كل العائلات الكنسية الأربع.

ما هو الحل المقترح؟

أ الحفاظ على معايير مجمع نيقية: بأن عيد الفصح يجب أن يقع في الأحد التالي لأول اكتمال للقمر بعد الاعتدال الربيعي. فخلافاً لصيغة يوم ثابت للعيد، تحافظ هذه الصيغة المقترحة على ما يعتبر جانباً مهماً في التقليد بالنسبة الى معظم الكنائس.

ب القيام بحساب المعطيات الفلكية (الاعتدال الربيعي واكتمال القمر) بأكثر الوسائل العلمية المتاحة دقة.

ج استعمال مكان موت المسيح وقيامته، قاعدة لحساب خط الطول الذي تقع عليه مدينة القدس.

قد تصل الكنائس في العالم الى اعتماد هذه الصيغة المذكورة أعلاه. حينئدٍ يعيّد جميع المسيحيين في العالم عيد الفصح في وقت واحد. إلا أن هذه الصيغة تأخذ وقتاً طويلا لإقرارها. لأن على كل كنيسة محلية، من كل مذهب، أن تتفق مع سائر الكنائس الشقيقة في المذهب نفسه وفي العالم كله.

إن توحيد عيد الفصح، ولو لم يكن يعني أن المسيحيين توحدوا في ما يفرقهم من عقائد، هو خطوة مهمة جداً لا سيما في الوطن العربي. فالمسيحيون هنا، إذا ما توحدوا (ولو في العيد) إنما يشيرون الى وحدة أشمل وهي وحدة وجودهم مع اخوتهم المسلمين بعيش مشترك، وبحوار وتضامن وألفة. وبذلك يكذبون بهذا العيش المشترك أطروحة بعض المؤدلجين الغربيين الجدد عن دخول العالم في صراع الحضارات والثقافات والأديان.